img
يومياتي في أمريكا: بلاد الكلاب .. والخضرة .. والآيس كريم (2)
img
Print pagePDF pageEmail page

يومياتي في أمريكا:

بلاد الكلاب .. والخضرة .. والآيس كريم

(2)

خواطر في الطائرة(2)

كان عليّ أن أتوجه إلى مدينة نيوهافن حيث توجد جامعة يل Yale ، والرحلة ليست بطائرة واحدة بل عليّ أن أستقل الطائرة المصرية إلى لندن . ومن لندن استقل طائرة T W A إلى نيويورك ، ومنها بطائرة صغيرة إلى مدينة نيوهافن .

ودعني بعض الأقارب والأصهار إلى مطار القاهرة وكان آخر ماقلته لشقيق زوجتي – انتظر خارج المطار قرابة ساعتين فهناك احتمال ألا يوافق الأمن على خروجي . وفي حياتي الوظيفية سوابق منع وأنا في التعليم الثانوي ، فقد منعت من الخروج معارا إلى الصومال سنة 1965 ، ومنعت بعد ذلك من الخروج معارا إلي ليبيا السنوسية ، وبعدها إلى ليبيا القذافية وبعدها إلى السودان . فلا غرابة إذن أن أطلب من صهري أن ينتظرني خارج المطار قرابة ساعتين . فقد أمنع من السفر كالعادة ، فأجد من يعينني على العودة إلى منزلي بالجيزة .

إنها اول سفرة طويلة ابتعد فيها عن زوجتى وبناتي الثلاث لمياء وحنان وعبير ، وولديّ ياسر وسامح . ولا املك إلا أن أقول : اترككم في رعاية الله يا أفلاذ كبدي ، وأدعو الله أن يخفف عني وعنكم لوعة الفراق .

وكان الوقت وقت ظهيرة ، وأنا فى طريقي إلى المطار ، ولكن الجو كان ثقيلا شاحبا كأننا فى ساعة أصيل صامت …. قلت لصهري محمد عاشور : ألا ترى كيف يضرب الصمت أطنابه … فى الشوارع وساحة المطار ؟

ضحك وقال : أنتم تشبهونه فى الأدب ” بصمت القبور ” قلت : يا أخي …. لا داعي لهذه العبارات أو التصورات التشاؤمية … ولا مجال هنا للقبور .

رفع حاجبيه متعجبا وقال : الله … جرى أيه يا دكتور ؟ أنسيت أن السادات قتل من أيام … وأننا مررنا أمام المنصة التي لاقى فيها مصرعه . فقد يكون هذا الحدث هو سر حالة القلق ، والصمت , والكآبة التي تهيمن على هذا الجو الثقيل .

دخلت المطار …. سلمت حقيبتي بعد وزنها … أنهيت كل الإجراءات الروتينية .. توجهت إلى قاعة انتظار الطائرة . بعد قرابة نصف ساعة … جاء الصوت عبر المايكروفون … يوجه الذاهبين إلى لندن … أخذت مقعدي في الطائرة , وبدأت الطمأنينة تدب إلى نفسي … ولكن نفسي لم تخْلً تماما من القلق .. ألا يمكن أن أفاجأ بمسئول أمني ينزلني من الطائرة عملا بأوامر صدرت إليه ؟… لقد قرأت عن بعض هذه الحالات لذلك لم تغمر الطمأنينة نفسي إلا بعد أن أقلعت الطائرة , وبدأت ألوم نفسي لاستسلامي لهذه الخواطر التي أصبحت أسميها ” أوهاما ” بعد أن أقلعت الطائرة … وقلت فى نفسي لو استمرت هذه الأوهام ما دبّ فى نفسي بصيص من الطمأنينة ؛ لأن التوهم قد يدفعني إلى أن أسأل نفسي : ألا يمكن أن تُستدْعَى الطائرة لتهبط في المطار الذي أقلعت منه ، ويطلب مني مغادرتها . ووجدتني أسخر من نفسي وأقول بل من الممكن أن يُـطلب من رجال الأنتربول في لندن ” شحني ” إلى القاهرة لمنعي من مواصلة رحلتي العلمية … وقلت سبحان الله ، إن الإنسان قد يصغر أمام أوهامه كأنها كيان مجسد , له وجود وتأثير . ولا أملك إلا أن استعيذ بالله من الشيطان الرجيم .

***

 أخذتني إغفاءة استيقظت منها على صوت المضيفة وهي تقدم للركاب عصيرا . ووجدتني أجتر أيامي الماضيات فى كلية الألسن , فتمثل لي عميدها الدكتور العالم الإنسان عبد السميع أحمد .. كان عالما إنسانا يحبه كل من يعرفه من الأساتذة والطلاب ، ويعالج الأمور بحكمة واتزان ، وإذا رأى شيئا من سوء التصرف من أستاذ أو طالب وجهه فى أدب جم ، وخلق رفيع ، دون أن يجرح شعور المخطىء … وكثيرا ما يأخذ نفسه يقول النبي الكريم صلى الله عليه وسلم ، ما بال أقوام يفعلون كذا … وكذا … نعم بالحب والحكمة والإنسانية استطاع العميد الدكتور عبد السميع أن يقود سفينة الألسن .

***

وكنت بحمد الله أتبع هذا المنهج مع طلابي ، وأبذل معهم من الجهود أقصى ما أستطيع …. وكان الطلاب بحمد الله يعشقون محاضراتي …. ويتزاحمون على المقاعد وبعضهم يجلس أمام باب المدرج ، وعلى بعض درجات السلم المؤدي إليه.

وبحمد الله تعالى كان الله يمنحني من القوة والقدرة ما يجعلني ألقي أخر محاضرة في حيوية الأولي ، وذلك لم يعجب أحد الزملاء ممن كانت محاضرته لا تزيد على عشر دقائق .

– ماهذا ياد كتور جابر ؟؟ خفها شوية … أنت بهذا الشكل …تنتحر … تقتل نفسك

– بل بالعمل في صورته المثلى … أحييها ؟

– ولماذا يا أخي !! ؟ … كل ذلك من أجل الملاليم التي تصرفها لنا الدولة كل شهر , فيما يسمي ” مرتبات “ !!

– كأنك تريد أن تقول ” إديهم على قد ” فلوسهم “

– نعم .. نعم .

– ياسيدي … أنا لا أتعامل مع الدولة وملاليمها بل أتعامل مع الله ، ثم مع طلابي الذين حضروا لتلقي العلم .

– ولكنك بهذه ” المثالية ” تحرج إخوانك .

– وهذا مالم اقصد إليه أبدا, ثم إن تدريس المحاضرة كاملة لايعتبر مثالية ، فهذا هو الأصل ، والخروج عليه شذوذ وتخبط

* * *

إن الطالب في كلية الألسن بخاصة يتمتع بطاقة طيبة من التمييز .. وكلية الألسن هي كلية القطع الممتازة – كما يقولون ، إذ لا يلتحق بها إلا الحاصلون على مجموعات مرتفعة في الثانوية العامة . والطلاب لا يقبلون إلا على الاستاذ الذي يعيشهم ، ويعاملهم معاملة الأب للأبناء ، ويجزل لهم العطاء العلمي دون منّ أو أذى . كذلك كنت مع طلابي . وكم كنت اسعد بمناقشتهم ، وهي تنطلق من وعي سديد . وتطلع إلى مزيد من المعرفة .

* * *

وتلقت الكلية كتابا من وزارة التعليم العالي ” قسم المهمات العلمية – مراقبة العلاقات الثقافية . تخطر فيه بأنها ستقوم بترشيحات من أعضاء هيئات التدريس فى مهام علمية لمدة عام في جامعة أوروبية أو أمريكية . وفوجئت بترشيحي للولايات المتحدة ، واتخذت الإجراءات المطلوبة ، وراسلت قرابة خمس عشرة جامعة أمريكية ، ولم أتلق موافقة إلا من جامعة يل Yale بمدينة ( نيوهافن ). وأرسلت إليهم رسالة أسأل عن بداية عامهم الدراسي ، وكيفية الوصول إلى الجامعة وهل ستوفر لي الجامعة سكنا .. وهل .. وهل ؟

وانتظرت الرد ، على مدى عشرين يوما ، ولكن دون جدوي … ماذا حدث ياترى ؟ هل رجعت الجامعة الأمريكية عن وعدها ؟ أم ضاع ردها في البريد ؟ أم .. أم ..

والحقيقة أنني كنت قلقا حزينا لأني صرت الآن كالمعلقة ، لا أستطيع أن أتقدم خطوة واحدة إلى الأمام ، وتذكرت المثل القائل ” اليأس إحدى الراحتين “

جلست إلى مكتبي فى حجرة هيئة تدريس اللغة العربية , وأنا مهموم منقبض النفس . وفجأة ندّت مني نظرة إلى سلة المهملات التي لم انظر إليها من قبل . فرأيت مظروفا عليه ألوان البريد الجوي …ونهضت .. واكتشفت أن ما ظننته مظروفا أو ظرفا كاملا لايزيد على خمسة سم .. وليس عليه ما يدل على جهة إرساله . وإن حملت هذه القصاصة حرفين بالانجليزية هي LE , قلت في نفسي : قد يكون هذان الحرفان تكملة لكلمة Yale , وأن هناك عابثا حاقدا يمزق كل الرسائل التي ترد إليّ . وكان من عادة العامل الذي يوزع البريد أن يضع بريد كل أستاذ على مكتبه . انطلقت بالقصاصة إلى أخي الصديق الدكتور أحمد زهرة الاستاذ بكلية العلوم بجامعة عين شمس , وعرضت عليه الأمر , فكان جوابه متفقا مع رؤيتي : عندكم في الكلية من يمزق هذه الرسائل ويحرص على ألا تسافر للقيام بالمهمة العلمية .

والحل ؟!!!

– أن ترسل رسالة إلى جامعة Yale تطرح فيها كل ماتريد من أسئلة .

– الله ؟!! سيتكرر ماحدث .. ويمَزق الرد ، وكأننا يا بدر … لارحنا ولاجينا !!!

– لأ… نحن لسنا بهذه السذاجة .. سنجعل العنوان هذه المرة على مسكنك .

 وكان حلا ناجحا … وتلقيت من جامعة ” يل” ما حرصت على معرفته .

***

ووجِّـه كتاب من مراقبة العلاقات الثقافية قسم المهمات العلمية . ونصه

” السيد مراقب عام كلية الألسن .. بعد التحية

نحيط سيادتكم علما انه ورد إلى الإدارة كتاب الإدارة العامة للبعثات فى 14/9/1981 المتضمن أنه ورد إليها من مكتب البعثة التعليمية بواشنطن ما يفيد إتمام إجراءات سفر السيد الدكتور/ جابر المتولي قميحة المدرس بالكلية إلى أمريكا للاستفادة من إحدى البعثات في صورة مهمة علمية على نفقة الإدارة العامة للبعثات بمرتب يصرف بالداخل .

وقد تم موافقة السيد ا.د نائب رئيس الجامعة لشئون الدراسات العليا والبحوث في 31/12/1980 على ترشيح سيادته لهذه المهمة بصفة أصلية . وذلك بناء على ترشيح مجلس الكلية فى 18/12/1980 .

المرجو التكرم بسرعة موافاتنا بموافقة مجلس القسم ومجلس الكلية على إيفاد سيادته في هذه المهمة ، وذلك حتى يتسنى اتخاذ اللازم . وتفضلوا بقبول فائق الاحترام “.

توقيع المراقب العام .

***

والشخصية الإدارية الثانية – بعد العميد – وهو أستاذ في القسم .. كنت أتمني أن يكون على غير ما أرى . وأنا لا أتهمه بانه هو الذي كان يتلقى الرسائل المرسلة إليّ من جامعة يل Yale ، ويمزقها ويلقي بها في سلة المهملات ؛لأنني لا أملك الدليل على صحة هذا الاتهام ، وإن كانت قرائن الأحوال والتصرفات الأخرى الصادرة منه قد تؤيد هذا الاتهام .

قلت لصاحبنا ” النافذ” … دعواتك حتى يكرمني الله وأسافر .

فامال رأسه كبرا ، وقال في ثقل وبطء :

– والله مش باين يادكتور لأن ” عندي ” اثنين من المدرسين معارين السنة دي ” لشيلي ” وبكدة يكون ” عندي عجز فى مدرسي اللغة العربية .. يعني لن تسافر .

 وحتي يزيد من همي – كما يعتقد – كلف طالبا بالكلية .. يعمل بصحيفة الجمهورية أن ينشر الخبر , و فعلا قرأت في أعلى الصفحة الأولى الخبر الآتي:

من الألسن إلى شيلي

تقرر إعارة الدكتور ( فلان ) والدكتور (فلان ) المدرسين بقسم اللغة العربية بالألسن للعمل بجامعة (….) بشيلى .

ولكن دعك من هذا فهو نوع من العبث الصبياني . فقد توالت تصرفات هذا ” النافذ” بقصد منعي من السفر ومنها على سبيل التمثيل .

– أدعى أنني درَّست مقررا واحدا في كتاب واحد على طلاب السنتين الثالثة والرابعة . وهي ولاشك مخالفة جسيمة ، وما ادعاه صاحبنا هذا كذب بواح . صحيح أن الكتاب واحد ’ ولكن نصفه الأول مقرر على السنة الثالثة . وأما قسمه الثاني فقد قررته على الفرقة الرابعة .

وتمادى صاحبنا “النافذ” فى الكذب باختراع اتهامات أخرى ، حتى يعوق سفري ، ولكن الله خيب أمله .. ومكنني من الخروج في بعثتي لتحقيق المهمة العلمية .

***

إنها خواطر فرضت علي أن أجترها .. ومن خلال الوقائع تبرز شخصيتان متناقضتان تماما : شخصية العميد الدكتور عبد السميع أحمد التي اتسمت بالإنسانية والتواضع والحكمة والسماحة والأدب الجم ، وشخصية ” القميء النافذ ” الذي لايرى أبعد من أنفه ، ويحكِّم دائما هواه على حساب القيم والخلق ، ويجد متعة في إيذاء الآخرين . وعلى أية حال أدعو الله ان يغفر له ، وينير بصره وبصيرته .

***

هبطت الطائرة في لندن … كنت أشعر بإعياء شديد جدا . علينا أن تنتظر بضع ساعات لتستقل طائرة T W A التي ستنقلنا إلى نيويورك . ومن نيويورك ركبت طائرة صغيرة جدا ( 15 راكبا ) إلى مدينة ( نيوهافن )… وتنفست الصعداء , وأنا أغادر مطار نيوهافن إلى البلدة ذاتها ، والتاكسيات هنا تحمل اسم ” يلو كاب Yellow Cap . وكان الدكتور أحمد زهرة – وهو ذو تجارب أمريكية ـ قد أوصاني بوصية مؤداها : إذا نزلت مدينة أمريكية فاختر فندقا متواضعا ؛لأن أسعار الفنادق فى أمريكا مرتفعة . وانطلق بي التاكسي ، وطلبت من السائق ما أوصاني به الدكتور أحمد زهرة … وبعد قرابة نصف ساعة … وقف أمام فندق فخم المبنى

– أناقلت لك اختر لي فندقا متواضعا رخيصا .

– ليس فى مدينة نيوهافن فندق أرخص من هذا وأقل تواضعا منه .

***

جاءت حجرتي في الدور الثالث ومن شدة شعوري بالإ عياء ألقيت بنفسي على السرير …ورحت فى نوم عميق.

Print Friendly, PDF & Email
مقالات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

img
القائمة البريدية
img