img
منطق الأسوار والجدران
img
Print pagePDF pageEmail page

منطق الأسوار والجدران

إسرائيل تنهب الأرض المقدسة , وتمزق البقايا الضئيلة التي جادت بها على الفلسطينيين، وتشق فيها جدارًا أو جدرانًا يدَّعي ساستها أنها تحميهم من إرهاب الفلسطينيين “القتلة المعتدين”!!! مما مكنهم من السيطرة الكاملة على مقدرات الأرض المنهوبة والشعب الجريح المنهوب، وفي نظر العالم أصبح اللص أمينًا مسالمًا، وأصبحت الضحية هي المعتدية الإرهابية التي تقلق السلام العالمي.

والجدار الإسرائيلي الذي امتد وما زال يمتد  وهو مزودٌ بأحدث آليات المراقبة والصيانة  له وجوه متعددة يستطيع الناظر أن يدركها وأهمها:

الوجه الأولى: هو الشذوذ:

 إذ أن هذا الجدار المعرقل يمنع المسيرة الطبيعية للشعب الفلسطيني، سعيًّا إلى أماكن الارتزاق، أو المدارس، أو المستشفيات، حتى إننا رأينا أن بعض الفلسطينيين  لكي يصل إلى موقع لا يبعد إلا مئات الأمتار  يمنعه الجدار ويضطر إلى السير عدة أميال، حتى يصل إلى غرضه مخترقًا حفرًا ومرتفعات، وكثبانًا من الغبار والرمال.

الوجه الثاني: العدوانية:

فالجدار عدوانٌ حسي على أرض فلسطينية اقتطع الإسرائيليون منها مئات الأميال، وكذلك عدوانٌ معنوي على حقوق الشعب الفلسطيني، وحقه في حياة آمنة كريمة.

الوجه الثالث: الحرص على الامتدادية:

فالإسرائيليون أقاموا هذا الجدار الغاشم، ولن يتوقفوا عنده بل يلوحون بأنهم حرصًا على أمنهم مضطرون إلى مد الجدار إلى مناطق أخرى، وهذا ما يحدث حاليًّا،

الوجه الرابع:

هو الدلالة التي خلاصتها الشعور الحاد بالنقص، وانعدام – أو على الأقل اهتزاز- الثقة بالنفس والشعور بالعجز عن المواجهة المباشرة الصريحة مع شعب لا يملك من أسلحة المقاومة إلا أقل القليل.

الوجه الخامس: هو الغاية والهادفية:

فالغاية من هذا الجدار هو حماية المعتدي الإسرائيلي، وليكون منطلقًا لشن الغارات ضد المسالمين من الشعب الفلسطيني فكلهم في نظر إسرائيل سواء.

****

 ومع ذلك لم يصمد هذا الجدار، فتعرض للهجوم تلو الهجوم من فدائيي حماس، ورجال المقاومة، متخطين أدق أنواع المراقبة والحراسة.

والخلاصة أن السور القوي الأصم، لا يستطيع أن يقف أمام إيمان الشعب وإصراره على الحرية والحياة.

نماذج من الأسوار والجدران:

والتاريخ يخبرنا أن ما يماثل الجدار أو ما يشبهه لا يصمد أمام إرادة الشعوب، وما زلنا نذكر ما حدث لسور برلين الذي بُني ليفصل بين برلين الشرقية وبرلين الغربية، أي أنه قسم الإنسان الألماني إلى نصفين، نصف في الشرق ونصف في الغرب، مما يتناقض مع طبيعة الأشياء، وكان هذا السور الذي يفصل بين برلين الشرقية وبرلين الغربية مثاليًّا في قوته وامتداده، ولكن الشعب الألماني الأصيل استطاع أن يحطم هذا الرمز الخبيث، ففي 15 يناير 1990م زحف 2000 متظاهر واقتحموا مراكز استخبارات أمن الدولة (الشتازي) في برلين الشرقية، ونحو 100 ألف تظاهروا أمام المبنى في 28 من يناير 1990م، يبدون الاحتجاج الحاد على بقاء هذا السور، ثم انتهى الأمر بتحطيم السور. وفي الثالث من أكتوبر 1990م في منتصف الليل رفع العلم الألماني بألوانه الأسود والأحمر والذهبي، فوق مبنى البرلمان في برلين وعزف النشيد الوطني ومئات الألوف من الألمان يحتفلون في الشوارع والطرقات بالوحدة الألمانية داخل العاصمة وكافة الولايات الألمانية.

كلمات شاعرة:

بعد سقوط سور برلين العتيد تحت أقدام الزاحفين من الجماهير الهادرة المتطلعة لحياة الحرية والعزة، والكرامة، وبعد أن هوت المعاول الثائرة تفتت حجارة السور، وتصنع منها تماثيل وعرائس ولعب للأطفال، وطفايات للسجاير تباع على الأرصفة وفي الحوانيت.

في ذلك الوقت نظمت قصيدة بعنوان: رسالة عاجلة لسور برلين اقتطف منها الكلمات الآتية:

سورَ برلين “المعظم”

عم مساء..

أين أنتَ

وكيف حالُُكْ ؟

أين تاجُك؟!

يا مليكا كنتَ فيها الآمر الناهي القوي

يوم قالوا “المُلكُ لكْ

وفجاجُ الأرض لكْ

وجباه الشعبِ .. كل الشعبِ

لا تعبدُ غيركْ

وعيون راصدات فوق أبراجِكَ

ترمي بالشررْ

كل من يعزم أن يعبر  حتمًا  قد هلكْ

ليس يخفَى أي شيء عن عيونِكْ

في نهار أوحَلَكْ

يستوي الإنسانُ

والحيوانُ

والنسمةُ

والبسمةُ

والومضةُ

جاءت من بروقٍ أو فلَكْ

وروَوْا عنك بأن الفكرَ

إن حاول أن يعبرَ

أصْماهُ الشرَكْ

 ***

ثم هبت ثورة الإنسانِ

ترمي من تَعالَى وانتهكْ

فاسمعوهُ

في صدى البركانِ

والطوفانِ

والزلزالِ

والعصفِ القويْ

إنه عصر الشعوبِ الرافضاتِ

لكل جبارٍ أفَكْ

.. إنه الإنسان في بعث فَتيْ

.

لم يعد ترسًا بآلةْ

أو كثور ساجدِ العينينِ

لا يسطيعُ أن يشكو كلالَهْ

أو هزالَهْ

أو مَلالَهْ

إنه عصر الشعوب الرافضاتِ الذلَّ

والأسوارَ.. والأصنامَ

والحكم الشمولِي

وعن الحرية الشماءِ

والعز الجليلِ …

ليس ترضى ببديلِ

 ***

سورَ برلينَ المعظمْ

صرتَ سلعةْ

يشتريك الناسُ لفاتٍ صغيرةْ

من محلات البقالة

والصرافة والتحفْ

أو عروسًا أو حصانًا

لتسالي الطفل في عيد الكرسمسْ

أو مطافي للسجاير

في الفنادقِ والمطاعمِ

ومحلاتِ السمكْ

أو لدورات المياه لافتاتٍ ومصاطبْ

وعلى بعض المقابرْ

تخذوا منك شواهدْ

“ها هنا يرقد طفلً

“ها هنا يرقد قائدْ

 ***

سورَ برلين المعظم

(آسفٌ أعني المحطم)

يا بقايا ذكرياتٍ للعدمْ.. والألمْ

ليس يجديك الندم

أنت يا جبارَ أمس هالكِ

صرت يا مسكين فيمن قد هلك

قضِىَ الأمرُ فما عدْت الملك

وغدا الشعب هو “الشعب الملك”

***

العدل والإنسانية قبل السور:

ونقرأ لخليل مطران العظيم مايؤكد هذا المعنى في قصيدة طويلة خلاصة مضمونها أن الملك يريد أن يبني سورًا حتى يحتمي به، ويحمي الناس من عدوان الآخرين. فجاءه صوت العالم الحصيف الناطق بالحق، يقول له:

أمـا الـجـدار فلو رفعت بناءه ولو  الجبالُ جُعلن بعضَ حجارِه فـلـيُـحْدثن الناس ما هو فوقه ولـتُصْنعن  نواسفً تثفي الربى ولـتـنـفذن إلى “بكينَ” خلائقً تـأتـي  بها فوق البحار سفائن مـاذا يـفيد السور حول ديارهم فـأبـرَّ مـن تضييق دنياهم به الأمـن  قـتـال الشجاعة فيهمُ لا  يـعصم الأممَ الضعيفةَ فطرةٌ فتكون حائطها المنيعَ على العدى   حـتى استقر على ذراه الكوكبُ ولُـحِمْنَ  حتى الماء لا يتسرب عـظـمًا وإتقانًا وما هو أغرب بـدخـانـهـا مـنثورة تتلهب بـيـضاءُ  تغنم ما تشاء وتنهب كـالجن في جِدِّ العواصف تلعب وقـلـوبـهم فيها ضعاف هُرَّب أن تـرحُب الدنيا بهم ما ترحب وحـيـاتها  فيهم مخاوف تُرقب إلا فـضـائلُ بالتجارب تكسب وتـكـون قـوتها التي لا تُغلب

حقًّا إنها كلمة حق أريد بها حق، نطق بها لسان صدق يتمثل في عالم حر يعيش القيم العليا، ولا يهبط إلى مستوى إرضاء الحكام والسلاطين.

ومن عجب أن تكون هذه الأبيات تحمل المضمون الرئيسي لكلمة عمر بن عبد العزيز  رضي الله عنه  عندما كان خليفة فقد كتب إليه والي حمص ” إن مدينة حمص قد تهدم حصنها , فإن راى أمير المؤمنين أن يأذن لي في إصلاحه ؟ ” .فرد عليه ” أما بعد : فحصنها بالعدل ” .

 إننا يجب أن نتمثل أمامنا دائمًا سؤالا هو: ما قيمة السور الذي يضم وراءه قلوبا مخلوعة، ونفوسًا هالعة، تعاني من ظلم الحاكم ما تعاني؟ إن أضخم ترسانة حربية في العالم لا تستطيع أن تدفع شرًّا عن مدينة أو عن وطن يسود فيه الظلم، والقهر، والتسلط، والديكتاتورية.

 *****

تحيا إسرائيل وتسقط فلسطين:

وما حدث من اقتحام الفلسطينيين سور رفح، تحت ضغط الجوع والضعف والمرض، كان وضعًا طبيعيًّا إذا لم يحدث فهو الشذوذ بعينه، ومخالفة صريحة للكيان الإنساني. بل مخالفة صريحة للمضامين القرآنية، إذ قال تعالى: (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4)) (سورة قريش: 3  4). فجمع بين أساسي الحياة وهما: إشباع الحاجات المادية من طعام وشراب، وإشباع الضرورات النفسية وأهمها: الشعور بالطمأنينة، والاستقرار والسلام.

 وفي المثل العامي يقولون: “الجوع كافر”، وقال بعض السلف: ” إذا ذهب الفقر إلى بلد، قال له الكفر خذني معك ” . وينسب إلى عمر بن الخطاب قوله: “عجبت لذلك الجائع الذي لا يخرج على الناس شاهرا سيفه!”. وهي مقولة تنسب كذلك لعلي بن أبي طالب – كرم الله وجهه – ولأبي ذر – رضي االله عنه .

 ومن عجب أن نرى حكومة إسرائيل يحكم عليها بأنها ذات صوتٍ حكيم في التعامل مع الفلسطينيين الإرهابيين، وقد فتح ساستنا صدورهم للقيادات الإسرائيلية في التقاء نفسي غريب، وتعاون واضح , وهم يرون المذابح التي يرتكبونها كل يوم حتى الآن، ولكن قادتنا يعلنون الحرب على الجياع المحرومين المرضى من الفلسطينيين الذين زحفوا ليأكلوا ويشربوا، ويداووا مرضاهم.

 حتى إن “أبو الغيط” وزيرخارجيتنا الهمام صرح بأن من يتخطى الحدود إلى مصر الآن “سنكسر رجله”. وهو أداء تعبيري لا يليق أن يصدرمن نصف متعلم , وإن درج على استخدامه العوام والدهماء . ويتهمون الفلسطينيين بالتعامل مع المصريين بدولارات مزيفة، ويتهمون حماس بالعمالة، والإرهاب، ونسمع أصواتًا خبيثة من أمثال سرايا، والقط الذي يحكي انتفاخًا صولة الأسد، ومحمد علي إبراهيم، وغيرهم يحذرون مصر من التخريب الفلسطيني، والنهج التدميري لحركة حماس، والصحف تحمل من تفاصيل ذلك الكثير والكثير.

وقد اعترف قادة حماس بوقوع مثل هذه الحوادث، ولكنها فردية تحدث في أرقى الأمم، وأغناها. المهم أنها لا تمثل ظاهرة , أو سلوكا عاما مطردا . وأبو الغيط يعلم أن الذين نهبوا مصر , وأنزلوا بها الكوارث , وزوروا الانتخابات … مصريون لحما ودما .

 وينفي ساستنا أنهم اتفقوا على أي شيئًا مع حماس، ولم نجد احتجاجًا واحدًا على الدماء الفلسطينية التي أريقت ظلمًا وعدوانًا. ويقال: إنه سيتم بناء سورٍ بين الحدود المصرية وغزة على أرقى مستوى وبأحدث تكنولوجيا في العالم، وهذا ما تتمناه إسرائيل.

 هذا وأرى أن من حقنا أن نستخدم “التصور الغيري”، أو “البدلي”  وهو تصور قد يبدو غريبًا  وخلاصته : لو أن أهل سيناء قد حوصروا حصارًا قويًّا قاسيًا ومنع عنهم الطعام والشراب، والدواء، والإضاءة، حتى ساءت حالتهم، ولم يكن هناك مخرج لهم إلا غزة بما فيها من نعيم وخيرات. ماذا كان يحدث ؟ فلنتخيل أو لنتصور ماذا كان يحدث؟ مما لا شك فيه سيقوم سكان سيناء بما قام به فلسطينيو غزة، وربما على نحوٍ أشد وأقوى، وإذا لم يفعلوا ذلك لحكمنا عليهم بأنهم ليسوا بشرا , ولكنهم ملائكة خلقوا من نور خالص . وعلى ساستنا أن يستحضروا مثل هذا التصور قبل أن يحكموا على أهل غزة الضحايا المحرومين.

ليس هذا هو الحصار الأول:

ويجب ألا يغيب عن ذهننا أن الشعب الفلسطيني ابتلي من قبل، أيام عرفات بحصار القوى الباغية في لبنان، وضيق عليهم الخناق وحرموا من ضرورات الحياة. في ذلك الوقت كتبت قصيدة بعنوان رضيع جائع تحت الحصار، منها السطور الآتية:

واكرباه!!!

من ينقذني..

من صرخة هذا الطفل الموجوعْ

من نار الجوع المفجوعْ

وذووه بقايا أشباح ذابلةٍ

قد شاء لهم جيش الخصيانْ

أن يحصرهم

في خيمة ذل منتهكةْ

حرموهم حتى كسرة خبزٍ

غمست في ذلِّ الطينْ

حتى لو كانت من غسلينْ

حرموهم جرعة ماءٍ

يرجوها مُحتضرٌ

في لحظةِ غرغرةٍ

تسبح في سكراتِ الموتْ

 …………………

………………….

واكرباهُ

لنبض الجوع القاتلِ………….

في أحشاء رضيعٍ مجرمْ

إي والله

قالوا “مجرمْ”

يتحمل وزرَ البشريةْ

فأبوه…

فلسطيني لاجئْ

والأم  لسوء الحظِّ

فلسطينيةْ

عفوًا  يا ولدي

إذ ذابت فوق شفاك الطفليَّةْ

صرخات الجوع الملتاعةْ

 ……………….

………………..

وسمعنا أنهمو قدْ دفنوُه

في قبرٍ

ضم رفاتَ الشرف العربيِّ

واقدساه..

***

 فالشعب الفلسطيني البطل قد تعود على المحن ولا يملك إلا الصبر والثبات في خندق الجهاد، وحماس بصفة خاصة، إنما رصدت نفسها لله، والدين، والعرض، والأرض، وقدم زعماؤها التضحيات بالنفس والولد، استشهد أحمد ياسين، واستشهد الرنتيسي، واستشهد لمحمود الزهار ولداه خالد وحسام، وما زال الجهاد ينطلق في مسيرته الربانية . ندعو الله سبحانه وتعالى أن يعدل مسار قادتنا وحكامنا، وأن يعيشوا الإسلام والعروبة والحق، والحرية، ويزيلوا الجدار الذي يفصل بينهم وبين شعوبهم، إنه نعم المولى ونعم النصير .

 وقد يكون للحديث صلة، وربما صلات.

Print Friendly, PDF & Email
مقالات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

img
القائمة البريدية
img