img
شيخ الأدباء الإسلاميين د.جابر قميحة.. وداعاً
img

شيخ الأدباء الإسلاميين د.جابر قميحة.. وداعاً

تحقيق – صفاء البيلى

ـ د. حلمى القاعود: كان ابن نكتة وعلاقاته ممتدة وواسعة مع كل التيارات وتهميشه كان مقصودًا

ـ عامر الشماخ: كان دمثًا، خلوقًا، مهضومًا، منكسرًا للضعفاء وعلاقتي بدأت معه من طرف واحد!

ـ د. وصفى أبو زيد: لو اختلفت معه إبداعيًا فلن تختلف معه إنسانيًا

ـ د. صابر عبد الدايم: كان منصفًا حتى مع من يختلف معهم فكريًا

ـ د. محمود خليل: كان أمة فى رجل!

ـ الشاعرة نوال مهنى: لم ينل حقه وعاش مع من يطلق عليهم: “أدباء الظل”

- د. عبد المنعم يونس: كان محبًا للشباب ومشجعًا لهم

- وحيد الدهشان: كان حازمًا في إدارة ذاته

ـ الشاعر محي الدين صالح: كان حائط صد لمدعى الحداثة ولسان حق فى وجه حاكم جائر

ها هو يرحل بهدوء.. مثلما يرحل نهرٌ عن شاطئيه تاركًا روحه الشفيفة لتحلق عبر المدى المتسع تنسج لمحات من وجوه محبيها فلربما ضمتها لجناحيها وهي تعبر عالمنا المليء بالأوجاع والأحزان والحروب، إلى عالم لا يعرف معنًى للنقائص ولا يعرف كيف يكون الحقد والخداع والضرب من الخلف.

لم يفتعل الضجيج كغيره ممن يعيشون حياة جوفاء بل رحل كشمعة توارت وهى صامدة، تذوب عطاءً لمن حولها، لكنها أبت الرحيل إلا بعد أن تنير أرواحًا بالشعر والحب والأمل ممن حولها، لم تشتكِ يومًا من قهر أصابها كثيرًا، بل عمدت تحفر صخر الإبداع لتفجر الطاقات وتلهم وتلهب وجدان المبدعين كما أرجفت قلوب الخائفين، الخانعين المترددين!

وإيمانًا من “المصريون” بدور فقيد الأدب الإسلامي دكتور جابر قميحة في ترسيخ دور الثقافة والأدب الملتزمين فقد توجهت إلى عدد من الكتاب والشعراء والمفكرين ليشاركونا هذه السطور.. فمنهم من رحّب وتكلم بحب وإنصاف ومنهم ـ ممن يدّعون الليبرالية وقبول الآخر دونما ذكر أسمائهم ـ رفضوا الحديث عن راحلنا الكبير لا لسبب سوى انتمائه للفكرة الإسلامية بل تعدى الأمر ووصفوه بالظلامي المصادم للحداثة!!

ولا ضير إن خرج مثل هذا الكلام من أناس يتخذون من المذاهب والأفكار السياسية والاجتماعية المشتطة خليلًا!!

 أما المنصفون والمحبون تكلموا وفاضت قلوبهم قبل أعينهم واتفقوا جميعًا على كون الرجل كان محاربًا قُدَّت روحه من نور المعرفة فلم يعرف اليأس.. ولم تكسر مجاديفه الرياح العاتيات.. فماذا قالوا عنه؟

 عمر طويل من الصداقة

امتدت علاقتي به لأكثر من عقدين من الزمان.. بهذه العبارة بدأ الناقد الكبير دكتور حلمي القاعود كلماته بصوت يشوبه الحزن والتأثر قائلًا: سافرنا معًا في أكثر من مناسبة أدبية خارج مصر، وكنا دائمي التواصل، لقد كان رجلًا لا أزكيه على الله نموذجًا للإنسان الطيب  الخلوق المحب للناس بصفة عامة ولأصدقائه بصفة خاصة وكانت علاقاته واسعة وممتدة مع كل التيارات، وهو في كل الأحوال يمثل العقلية الإسلامية المنفتحة المتمسكة بالثوابت القيمية إضافة إلى جانب آخر.. هو جانب الفكاهة ونادرًا ما نجده لدى كثير من الإسلاميين، فكما يقال إنه يرحمه الله كان “ابن نكتة” وكانت نكتته مهذبة وضاحكة يثير في النفوس المتعة والأمل والبهجة إلى جانب هذا عالم فاضل وأديب موهوب وشاعر كبير وكاتب مقالة بصفة مستمرة ومدافع صلب عن الإسلام والمسلمين وأتاح له حظه أن يلم بلغة أجنبية فأتقنها وذهب للولايات المتحدة وتمكن من الاطلاع على ما يقال عن الإسلام بصفة عامة ويطلع على الأدب الغربي فيترجم كثيرًا من النصوص وخاصة النصوص الإنجليززية التي كانت تكتب بأقلام مسلمة لا تجيد العربية خاصة من باكستان التي قضى فيها سنوات عديدة وهذا يدل على تنوع قدراته الإبداعية  وخدمته لقضايا الأمة الإسلامية.

ويضيف دكتور حلمي القاعود ولعل ما حدث من محاولات التهميش لأديبنا الراحل دكتور جابر قميحة لا يقل عما حدث مع رائد من رواد المسرح وهو الكاتب الراح الكبير “علي أحمد باكثير” الذي كان أقدرمن وجهة نظره من توفيق الحكيم، ويرى القاعود أن الحصار حدث منذ انقلاب52 على كل ما هو إسلامي، بالإضافة إلى هيمنة اليسار على وسائط التعبير المختلفة مما تسبب في إطفاء كثير من المواهب ممن يستطيعون العطاء في كل الفنون.

ويأسى دكتور القاعود لما وصل إليه حال الكتاب الإسلاميين ومايحدث لهم ولا إبداعاتهم من تجاهل فلا يسلط عليهم ولا عليها ضوء ولا يتم نشر أي خبرعنهم في الجرائد الكبرى، ويرى أن حدوث هذا من رابع المستحيلات لأن المشرفين على هذه الصفحات معادين لكل ما هوإسلامي، فكون أن ينشر الراحل وأمثاله مؤلفاتهم في كتب تطبعها دور طبع متواضعة أو تنشر لهم بعض الجرائد المتواضعة بعض ما يكتبون لهو الصمود الأسطوري بعينه في هذا الجو الكئيب واللعين والذي خلّقه الليبراليون والماركسيون والعلمانيون، وهذا في نظري أكبر دليل على كونهم لا يؤمنون أصلًا بالتعددية كما يدّعون.

ويوجه دكتور القاعود حديثه للدولة مطالبًا إياها باسترداد وزارة الثقافة من أولئك اللصوص الذين سرقوها كما سرقوا الثورة، ويجب أن تتم محاسبتهم ومعاقبتهم لأنهم ضد الديمقراية وضد التسامح بل وضد كل ما هو جميل.

أبوة.. من نوع خاص!

ويميط الكاتب الصحفي الكبير”عامر شماخ” اللثام عن بعض الذكريات والأسرار التي جمعته بفقيدنا العزيز قائلًا: “أعود بالذاكرة إلى الوراء، وأتذكر أيام الصبا وقد كنت أطالع يومًا إحدى المجلات الأدبية الشهرية.. وقد وقعت عيناي على اسم الشاعر والأديب جابر قميحة الذي أوقفني لقبه، إذ كان أخوال أبي تتسمى عائلتهمم بهذا الاسم، ولم أكن أتخيل، ـ وأنا مازلت صغيرًاـ أن هناك آخرين غير عائلة قميحة التي بقريتي بالبحيرة، ويتسمون بهذا الاسم.

منذ ذاك اليوم صارت بيني د. جابر علاقة من طرف واحد بين قارئ وكاتب، وكم تمنيت أن ألتقي هذا الشاعر الكبير الذي أرغمني له قراءة قصائده التي اعتدت أن أراها في عدد من المجلات الخليجية.

ودارت الأيام دورتها، وكان لي شرف لقاء هذا المفكر المهضوم والإنسان الخلوق والشاعر الضاحك الباكي.. فلقد أكرمني الله بالتعرف على عدد لا بأس به من المفكرين والمشاهير فما وجدت أحدًا أكرم ولا أفصح ولا أنقى من هذا الرجل.

فيوم تعرفت إليه، أهداني من نكاته التي أشتهر بها ومن العواطف الدافئة ما جعلني أعيد الظر في معاني الأبوة، وأنه ليس شرطًا أن يكون الأب هو من أنجبك، بل ممكن أن يكون مثل هذا الرجل الذي لا يلتقي معك في قرابة أو دم، لكنه لا يجعلك تشك لحظة في أنه أبوك الذي أنجبك  وغذّاك ورعاك.

زارني الطغاة في مكتبي يومًا، ولفقوا لي تهمة لا يرتكبها إلا أحط البشر، فعلوا ذلك نكاية فيّ بعد أن وصمتهم ـ بقلمي ـ بقلة المروءة والغباء، وواساني كثير من الناس حين حدث ذلك كلٌ بطريقته، فما ضحكت وفرحت إلا لتعليقه ـ يرحمه الله ـ إذ اتصل بي وقتها ساخرًا معللًا ما حدث لي معددًا مزايا ما فعله المجرمون قائلًا: “اسمع يا أستاذ… لقد طغى خبر القبض عليك خبر الحرب العراقية”؛ فضحكت وضحك هو بصوته الجهوري الرنان.

ومن بعدها ما مر أسبوع إلا وكان بيننا اتصال للحديث فيما يكتب وأكتب وكنت وما زلت من أشد المعجبين بشعره ونثره ودقته وإتقان جمله، فكان إذا لاحت لي الفرصة للنقد نقدته، بل كان حريصًا هو على الاستماع لهذا النقد، وكان ليِّنًا متواضعًا، سهلان رجاعًا.. محقًا يرحمه الله.

وإن أكثر ما كان يستوقفني في شخصه هو رقته ودماثة خلقه وانكساره للضعفاء والمحرومين، وأذكر أنه عرف أثناء أحد أحاديثي معه أن أخًا تربطني به صلة قد صار محتاجًا لظروف قد ألمت به، فولله، وهذا ـ سر أذيعه لأول مرةـ ما انقطع عن السؤال عنه ومساعدته ماديًا دون أن يدري هذا المحتاج عن مصدر المساعدة حتى قرب وفاته يرحمه الله، بل كنت أشعر أنه يحبس دموعه وهو يحادثني تليفونيًا ويحدثني عن هذا الأخ.

قبل موته بفترة قصيرة طلب من يساعده في الكتابة على جهاز الكمبيوتر، ولما طلبت منه إرجاء طلبه حتى يعود من سيقوم بهذه المهمة من سفره له، اعتذر عن إكمال الطلب.. كمن أراد أن يقول لي: ليس هناك وقت للانتظار.. لكنني لم أفهم إشارته.

كاتب مجاهد وداعية

ويقول عنه د. وصفي عاشور أبو زيد: “لن أتحدث عن أدب الدكتور جابر قميحة، فهذا يحتاج إلى دراسات واسعة، حيث إنه شخصية ثرية أدبيًّا شعرًا ونثرًا، لكنني سأتحدث عنه كاتبًا مجاهدًا، ولسانًا صادقًا، وداعية مثابرًا، وجنديًّا من جنود الدعوة الإسلامية المعاصرة.

مؤكدًا أننا ربما نتفق أو نختلف مع الدكتور جابر قميحة حول شعره أو فنونه الأدبية التي كتب فيها، لكننا لا نستطيع أن نختلف في أنه -إضافة إلى علمه- صاحب خلق كريم وأدب عالٍ، يشعرك وأنت معه كأنه تلميذ وأنت أستاذ، أو عندما يعطيك كأنك المعطي وهو الآخذ، ويخجلك عند الحديث من تواضعه أمامك ورفعه من مقامك.

كذلك لا تختلف في أنه رجل من رجالات الأمة الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدًا إلا الله، جعل قلمه وقفًا لله تعالى، وسخر كل وقته للشعر والنثر والقصة والمسرحية والمقالة المحترفة؛ من أجل القيام بحق جهاد الكلمة وخدمة قضايا أمته.

فما من حدث من الأحداث التي تمر بها مصر أو تخص قضايا الأمة الكبرى أو تمس حركة الإخوان إلا لباه، بقلمه ينثر مقالات ويسطر شعرًا، وبلسانه يلقي ما كتب في المؤتمرات والملتقيات والتجمعات هنا وهناك، لا يتأخر عن دعوة يُدعى إليها تخص الهمّ الإصلاحي العام على الرغم من ظروفه الصحية؛ فهو بحق يمثل الصوت الأدبي لأحداث أمته، وهكذا يجب أن تكون مهمة الشاعر في الحياة.

فكم من حملة جائرة تهاوت أمام عمق فكره ورسوخ علمه! وكم من عاصفة هوجاء تكسرت على صخرة قلمه الذي ينبري لها، مفندًا شبهاتها، ومبينًا شهواتها، وموضحًا تهافتها وضحالتها، معتمدًا في ذلك على منهج له قسمات واضحة ومعالم رئيسة! 

قامة شامخة

ويقول الشاعر دكتور صابر عبد الدايم عميد كلية اللغة العربية:  “الراحل كان من القامات الشامخة في الثقافة المصرية الحيثة فقد كانت رؤيته متسعة وكان فكره متجددًا ويكفي أنه من أوائل الذين كتبوا عن الشاعر أمل دنقل وتناولوا أشعاره بالنقد، وهذا يرد على كل من يتهمه بالجمود والانغلاق، كما كتب عن التراجم الأدبية في العصر الحديث والأدب العربي بين الجمود والتطرف، وكان يميزه ثقافته الجادة، ويؤمن بالأصالة الفكرية وينادي بترسيخ الهوية الإسلامية، وعندما نرى أديبًا يخرج من جامعة عين شمس متفتحًا على الثقافة الحديثة، وقارئًا لعيون الأدب الجنبي، ثم يدافع عن ملامح الرؤى الإسلامية، فإنه يثبت أن الإسلام دين عالمي، ليس منغلقًا على ذاته أو حدود وطنه.

كما حضر مؤتمرات خارج مصر في تركيا والسودان وغيرها كما كان عضوًا فاعلًا برابطة الأدب الإسلامي العالمية، وقد كانت له صولات وجولات، ولم يكن عطاؤه في النقد فقط بل في المقال السياسي والاجتماعي والأدبي بكل اتقان وفن.

كما كان من أهم ما يميزه يرحمه الله خوضه معارك ثقافية جسام متصديًا لكل من يحاول تشويه الثقافة الإسلامية، لذلك فالذين يقفون منه موقفًا تصادميًا، كثيرون لأنه كان ضد كل من يحاول تقليد الغرب تقليدًا أعمى.

ثم يدعو دكتور صابر عبد الدايم -وزارة الثقاافة- إلى أن تصدر له أعمال الكاملة عبر إحدى هيئاتها الثقافية تقديرًا لجهود الراحل حتى يعرفه عامة الشعب الذين أثرت فيهم الثقافة السمعية الرديئة والمشوشة  والتي يغلب عليها التسطيح، وليصبح لديهم علمًا معروفًا كما كان عند غيرهم من المثقفين الملتزمين، لأن فكرته فكرة إسلامية حضارية راقية.

أمةٌ في رجل!

ويوضح الشاعر والإعلامي الكبير دكتور محمود خليل رئيس شبكة إذاعة القرآن الكريم قائلًا: الشاعر الناقد المبدع د.جابر قميحة كان رجلًا في أمة، فمن حيث الثقافة كان موسوعيًا، حيث تخرج في دار العلوم وكلية الألسن وكلية الشريعة معًا، كما كان قترًا في اللغة الإنجليزية، ومن حيث موازين النقد، كان مثالًا لنظرية النقد الإسلامي التي كان من أبرز منظريها، والتي لخصها في كتابه الرائد: “الأدب الحديث بين عدالة الموضوعية وجناية التطرف”. ومن حيث الصياغة الأدبية فقد كان إمامًا في فن المقال والذي عوضنا به عن أديب العروبة والإسلام مصطفى صادق الرافعي وعبقرية سيد قطب وعن دقة العقاد ورقة المنفلوطي.

وخير مثال على ذلك سلسلة مقالاته المتفردة عن حادث المنشية عام 1954 التي كتب فيها جابر قميحة نسيجًا وحده في التعامل الفني المركب مع النكتة السياسية التي عالجها بسخرية ممتعة ومشبعة في آن معًا.

ومن حيث الإبداع الشعري، فقد أنتج الرجل سبعة دواوين ولعل أهمها من وجهة نظرالأدب الإسلامي المقارن ديوانه الفذ الذي ترجم منه أسماء الله الحسنى من الشعر الإنجليزي الذي صاغته الشاعرة الباكستانية المميزة ” نياز إحسان” والتي رسمت بريشتها وخطوطها هذه اللوحات الشعرية الـ 99 في ديوان منظوم ومرسوم ليس له ـ فيما أعتقد ـ في الأدب العالمي المعاصر، لكن قدرة وموسوعية وعمق دكتور جابر قميحة قد مكنته من إعادة إنتاج هذا الديوان كما ينتج النحل الشهد من الرحيق.

هذا بالإضافة إلى دراساته حول أدب الرسائل والسفرات في التراث السياسي الإسلامين ومما يحسب لعدالة جابر قميحة أن دراسته للماجستير كانت حول “أمل دنقل” وهو ما يؤكد حيادية الرجل وعدم تحيزه إلا للفكرة القوية القويمة والرؤية الإنسانية الشاملة.

تشجيع الشباب

وها هو الدكتور عبد المنعم يونس -رئيس مكتب رابطة الأدب الإسلامي بمصر- ينعيه بمزيد من الأسى مرددًا أن الراحل الكبير كان يتميز بحسن إنساني كبير وعلاقة طيبة مع الجميع علاوة على طيبته وأسلوبه المرح فلم يكن يحزن منه أحد كما كان يشجع الأدباء الصغار ويجمعهم حوله.. وأكد يونس أن الرابطة سوف تقدم عددًا خاصًا من مجلة “الرباط” عن الراحل الفقيد وتدعو كل محبيه للمشاركة فيه.

   متابع جيد للأحداث

أما الشاعر وحيد الدهشان فيقول: نظلم كثيرًا الراحل الكريم الأستاذ الدكتور جابر قميحة إذا اقتصرنا في تقديره على جانب واحد من جوانب الفكر والأدب فلقد كان شاعرًا كبيرًا له ككل الشعراء الكبار دوره وحصاده ولقد كان ناقدًا حصيفًا منصفًا يعرف لكل مبدع قدره حتى وإن كان من مدرسة أخرى غير التي ينتمي إليها فكريًا وأدبيًا وكان من كبار كتاب المقالات بما يملكه من فكر ثاقب وثقافة موسوعية و ذاكرة قوية حفظها الله عليه حتى آخر أيامه وبما يملكه أيضًا من لغة رشيقة سلسة عذبة بعيدة عن التقعر والتعقيد مع متابعة جيدة للأحداث المستجدة على الساحة المحلية والدولية وكان متحدثًا لبقًا و حكّاءً من طراز فريد يتوق كل من يستمع إليه دائمًا إلى المزيد، وكان مناظرًا فذًا يمتلك أدوات التناظر من معرفة وقدرة على استدعاء الشواهد وحسن العرض إضافة إلى قدرة عجيبة على التلاعب بالخصم إن كان ممن يستحقون ذلك، وكان الدكتور جابر صاحب عزيمة وهمة رغم مرضه تتضاءل أمامها همم الكثيرين من الأصحاء، وكان حازمًا في إدارة ذاته فلا يطغى واجب على واجب حيث يقدر لكل فرض وقته وكان محبًا لله ولرسوله ولدينه ولدعوته ولكل من يعمل لنصرتها وكان سخيًا كريمًا لا يبخل بجهد ولا بوقت ولا بمال حسبما تقتضي الظروف والأحوال، وكان حاضر البديهة خفيف الظل يعلم بالدعابة و بالجد حسبما يقتضي الموقف ولاشك أنه أصابه ما أصاب كل مبدعي الحركة الإسلامية من غبن قد يكون للحركة عذر في بعض جوانبه و لكنها بلا شك مدانة بالتقصير في جوانب أخرى كثيرة حيث إن يقينًا كان في الإمكان أبدع مما كان.

غيور على الإسلام

وتقول الشاعرة نوال مهنى: الراحل الكبير كان من الكتاب والأدباء المشهور لهم بالأصالة والغيرة على الإسلام واللغة العربية وآدابها وكان له جهد مشكورفي تنمية وتطوير رابطة الأدب الإسلامي خاصة في بداية نشاطاتها وتكوينها، وكانت له مساهماته الفعالة وحضور المؤتمرات ومساعدته للشباب ممن يلجأون لمشورته فيما يكتبون.

لقد كان يرمه الله دمث الخلق علاوة على التزامه بقواعد وأصول القصيدة العربية الخليلية، وعلى الرغم من ذلك فلم يكن منغلقًا، بل كان منفتحًا على الثقافات الأخرى، ينتقي منها ما يتناسب وروح الإسلام، كما تؤكد أن شهرته جابت عددًا كبيرًا من البلاد العربية والإسلامية حيث برز في مجالات المعاجم والترجمات والنقد كما كان شاعرًا مبرزًا وكاتبًا مسرحيًا مميزًا.

وتشير مهنى إلى أنه عرفت الراحل الكبير من خلال رابطة الأدب الإسلامي، وترى أنه مثله مثل غيره من الكتاب والمفكرين الإسلاميين لم يأخذ حقه الأدبي والشهرة وهى مشكلة يعاني منها الأدباء الإسلاميين الأصلاء الذين كان يطلق عليهم وما زال “أدباء الظل”.. وهذا ينطبق على الفقيد الكبير!!

 حائط صد! 

ويكشف الشاعر محي الدين صالح جانبًا مهمًا من جوانب حياة الراحل الكبير، حيث يقول لقد كان يمثل للرابطة حائط الصد ضد مدعي الحداثة كما إنه كان جريئًا ولم يكن يخشى في الحق لومة لائم، فكان يقف بالمرصاد لكل من يتطاول على الثقافة العربية أو الإسلامية، كما يذكر موقفه يرحمه الله من الحاكم “الرئيس السابق” وهو في أوج قوته، حين كتب مقالًا يذكره فيه بالله وأنه سيموت لا محالة وأنه سيقابل الله.. فماذا سيقول له عما فعل في شعبه؟.

كما لفت صالح إلى ديناميكية الراحل في التواصل مع مواقع الانترنت على الرغم من سنه ومرضه إلا إنه كان شديد الحرص على التواصل مع الجميع قراء ومبدعين.

ومضات من حياته:

1ـ من هو؟

هو الدكتور جابر المتولي قميحة شاعر وأديب مصري ولد في مدينة المنزلة بمحافظة الدقهلية في 12من إبريل 1934م

2ـ دراسته..

ـ حصل على ليسانس دار العلوم جامعة القاهرة عام 1957.

ـ ماجستير في الأدب من جامعة الكويت عام 1974.

ـ دكتوراه في الأدب العربي الحديث من جامعة القاهرة عام 1979.

ـ ليسانس في القانون من كلية الحقوق بجامعة القاهرة 1965.

ـ دبلوم عالٍ في الشريعة الإسلامية 1967.

3ـ مناصبه الرسمية:

ـ  مدرس وموجه للغة العربية.

ـ مدرس للأدب العربي الحديث بكلية الألسن بجامعة عين شمس، ثم أستاذ مساعد -أستاذ مشارك بجامعة الملك فهد بالظهران.

4ـ إبداعاته: ـ

 لجهاد الأفغان أغني 1992

ـ الزحف المدنس 1992

ـ حسبكم الله ونعم الوكي

ـ في الأدب والنق

منهج العقاد في التراجم الأدبية

أدب الخلفاء الراشدين

التقليدية والدرامية في مقامات الحريري

أدب الرسائل في صدر الإسلام.

الشاعر الفلسطيني الشهيد عبد الرحيم محمود.

التراث الإنساني في شعر أمل دنقل، هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان ـ القاهرة 1987 .

صوت الإسلام في شعر حافظ إبراهيم، 1987.

الأدب الحديث بين عدالة الموضوعية وجناية التطرف.

رواية وليمة لأعشاب البحر في ميزان الإسلام والعقل والأدب، دار الاعتصام، القاهرة.

ـ أصدر مركز الإعلام العربي له مجموعة الأعمال الشعرية والمسرحية في ثلاثة مجلدات قاربت 2000صفحة، قدم لها المستشار عبد الله العقيل.

إلى جانب عدد من المؤلفات الإسلامية، مثل: في رحاب دعوة الإخوان المسلمين

5ـ وفاته:

توفي في 9 نوفمبر 2012، عن عمر ناهز 78 عامًا.

 

قالوا عن د. جابر قميحة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

img
القائمة البريدية
img