img
الدين والقيم الخُلقية
img
Print pagePDF pageEmail page

الدين والقيم الخُلقية

الحقيقة واضحة.. الحقيقة دامغة.. ولكن أصوات الشبهات المنكرة لا تكل ولا تهدأ.. بعض هذه الأصوات مدفوع بسوء النية وضعف الوازع الإيماني، وبعضها متأثر بالفكر العلماني، منبهر متعبد لكل ما هو غربي أو أجنبي، وبعضها يجري وراء شهرة جوفاء على طريقة “خالف تعرف”.

وأيًّا كان الدافع الظاهر، أو الخفي فليس من همنا ـ في بحثنا هذا ـ تقييم هذه الدوافع وتفصيل القول فيها، ولكن يهمنا التعرف على أهم هذه الشبهات ومناقشاتها في إيجاز:

يرى واحد من كبار كتابنا “أن عنصر الأخلاق في الأديان ليس كل جوهرها، وأن بعض البلاد قد استطاعت أن تجد في الأخلاق غنى لها عن الأديان: إنما قوة الدين وحقيقته في العقيدة والإيمان بالذات الأزلية”.

ونسى الكاتب المفكر ـ أو تناسى ـ أن الإيمان النقي بالذات الأزلية لا يتحقق لمن لا خلق له، وكيف يتحقق مثل هذا الإيمان لكذاب أو غادر، أو زان، أو قاتل.

والفصل بين الدين والخلق سيظل فصلاً صناعيًا واهيًّا؛ لأن الدين هو أقوى المصادر وأغناها بالقيم الخلقية:

       ـ فالإحساس الديني هو أقوى الأحاسيس، وسيظل أقواها وأعمقها؛ لأنه يستمد بقاءه وقوته من الفطرة الإنسانية التي لا تموت، وشعور التدين حتى في أبسط صوره يُكسب الأخلاق بقاء وقوة، ويربطها دائمًا بالذات الأزلية الخالدة.

      ـ والذين يدعون إلى “علمانية” الأخلاق ينسون حقيقتين:

الحقيقة الأولى: أن القيم الاجتماعية عرضة للتغيير والتقلب، والهبوط والصعود، تحت تأثير الأيديولوجيات الوضعية التي قد تعصف بكثير منها، وقد تفرغ بعضها من مضامينه الحقيقية، وقد تحول بعضها إلى النقيض، ويصبح المجتمع أسيرة “قائمة” جديدة من القيم لها دعاتها وفلاسفتها الذين يدعمونها بالحيثيات الوجيهة والتبريرات الطلية التي تطمس معالم الحقيقة.

والحقيقة الثانية: أن القيم الإسلامية ثابتة، ولكنها غير جامدة، مرنة ولكنها لا تقبل التميع.. تعرف السماحة، ولكنها لا تقبل التهاون.

ولعل موقف النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من حلف الفضول الجاهلي، واختلاف موقفه مع مسيلمة الكذاب، عن موقفه مع عيينة بن حصن يوضح الفرق بين الثبات والأصالة، وبين الجمود والتحجر، والفرق بين المرونة والسماحة وبين التهاون والتفريط.

       ـ واعتناق الأخلاق الدينية ـ زيادة على مسايرته للفطرة الإنسانية ـ له ما يؤيده من الواقع العملي التاريخي. ففي تاريخنا الإسلامي المثل الأعلى.. بل المثل العليا.. محمد وصحبه. نعم كل قيمة أخلاقية لها واقع عملي في سجل هؤلاء الأشراف، وهذا السجل يعد “مرجعًا عمليًا” لمن أراد القدوة وطلب الأسوة، واستشر الاحتذاء.

       ـ وحتى لو سايرنا منطق الماديين والعلمانيين الذين يخضعون الأشياء لمقياس المنفعة، أو معيار “المكاسب اوالمخاسر”.. حتى على هذا الاعتبار يبقى رصيدنا الخلقي الإسلامي “تجارة” لا تبور ولن تبور، وتبقى حصيلة هذه التجارة فائقة دائنة أبدًا؛ لأن القيمة الخلقية فيها لا تنفصل، بل تتلاحم بالقيمة الإيمانية، فالصدق، والجهاد، والكرم، والتضحية، وكل المعاني الإنسانية لا يمكن أن يكون لها قيمة في عزلة عن الإيمان، يقول الحق سبحانه وتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (11)) (الصف: 10 ـ 11).

ونتيجة هذا التحلى، وحصيلة هذا السلوك، وذلك المسار هي أعظم النتائج في الآخرة، وأثرى الثمرات في الدنيا.

(يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (13)) (الصف: 12 ـ 13).

وإنه لربح ضخم هائل أن يعطي المؤمن الدنيا ويأخذ الآخرة، فالذي يتجر بالدرهم فيكسب عشرة يغبطه كل من في السوق، فكيف بمن يتجر في أيام قليلة معدودة في هذه الأرض، ومتاع محدود في هذه الحياة الدنيا، فيكسب به خلودًا لا يعلم له نهاية إلا ما شاء الله، ومتاعًا غير مقطوع ولا ممنوع.

  والله ـ سبحانه وتعالى ـ وسعت رحمته كل شيء، وهو ذو الفضل العظيم على عباده.. يعطي أنى شاء، وأيان يريد، ولكن من عدله ومن رحمته بالعباد أيضًا أنه جعل منطق الجزاء، أي منطق منطق الثواب والعقاب، ومناصرته لعباده أو تخليه عنهم يعتمد على فكرة “المقابل المبذول” من العبد، حتى لا يتواكل استنادًا إلى سعة رحمته ـ تعالى ـ وعظيم عفوه وكرمه الذي لا يحد. وتأتي الآيات تترى تأييدًا لهذا الميزان الذي لا يميل ولا يجور، ومنها:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) (محمد: 7).

(وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) (الروم: 47).

(وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) (الأعراف: 96).

(إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ) (التوبة: 111).

(وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا) (الإسراء: 16).

(وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا) (الكهف: 59).

(وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ) (القصص: 59).

وهذا المعيار الواضح المنضبط يجعل المؤمن مطمئن ثابت الفؤاد؛ لأنه يوقن بحق أن المقابل ليس عادلاً فحسب، ولكنه فياض كريم أيضًا، فهو يعلم أن: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) (الأنعام: 160).

وقد يزيد الثواب على الأمثال العشرة حتى يبلغ مئات الأضعاف:

(مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (البقرة: 261).

Print Friendly, PDF & Email
مقالات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

img
القائمة البريدية
img