img
الجاهِليَّةُ.. والمجتَمعُ الجاهلي
img

الجاهِليَّةُ.. والمجتَمعُ الجاهلي

في إحدى المحاضرات القيمة ، أبان المحاضر الفاضل ببراعة عن الفروق الهائلة بين الحضارتين الإسلامية والغربية في العقائد، والسلوكيات، ومناهج التفكير، ولولا ضيق الوقت لكان عطاؤه أغزر وأوفى.

مفهوم المجتمع الجاهلي:

أقول قولي هذا مشيدًا بما سمعت؛ لأن هذه المحاضرة القيمة تلزمني ـ من جانب آخر ـ بشرح مفهوم ما أراه إلا منقوصًا أو مشوهًا في أذهان كثيرين وخصوصًا الشباب من أبنائنا، وكثير منهم يكسل عن التوغل البحثي اكتفاء بالقشور، أو الظواهر الطافية على السطوح.

وأعني بما أقول “مفهوم المجتمع الجاهلي” وحدود هذا المجتمع. فما ذكر هذا المجتمع إلا وقفز إلى الذهن حدود الجزيرة العربية وما فيها من ضلالات: عبادة الأصنام، ووأد البنات، وضياع حقوق الضعفاء، والزنى، وشرب الخمر، والحروب المحلية المتواصلة، وغير ذلك من الموبقات.

ومفهوم الجاهلية ـ تأسيسًا على ما سبق ـ يتلخص في هالة الضياع والتمزق الفكري، والضلال التي كانت تهيمن على الجزيرة العربية في القرن السادس الميلادي بصفة خاصة، وإن امتد الحد الزمني إلى ما قبل هذا القرن بكثير.

غلط.. واختلاط

وتحديد مفهوم المجتمع الجاهلي في نطاق جزيرة العرب لا يصح إلا إذا تحقق شرطان:

الأول: محلية الدعوة الإسلامية بكون محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ مبعوثًا للعرب دون غيرهم، وأن نطاق دعوته جزيرة العرب، ولا تزيد.

والثاني: أن يكون السقوط بكل مفاسده وضلالاته محصورًا في نطاق الجزيرة العربية، ويقابل ذلك حالة صلاح وهداية وسمو خلقي، وسلوكي، وسياسي تعيشها “الدولتان العظميان” في ذلك الوقت: دولة فارس، ودولة الروم. والحكم يتسع ـ من باب أولى ـ لغيرهما من الأمم والشعوب.

والشرطان غير متحققين: فالدعوة الإسلامية دعوة عامة جامعة شاملة، ومحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ مبعوث للخلق جميعًا من عربهم وعجمهم، يقطع بذلك دليلان:

دليل نصي: هو قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) (سبأ: 28).

ودليل عملي: وهو أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يقصر كتب الدعوة إلى الإسلام على الحكام العرب دون غيرهم، بل أرسل كتبًا مماثلة إلى المقوقس كبير الأقباط في مصر، والنجاشي ملك الحبشة، وهرقل ملك الروم، وكسرى ملك الفرس.

نطاق الضلال

وكان الضلال والسقوط والفساد في الدول والمناطق المحيطة بالجزيرة العربية أشد وأضرى منه في الجزيرة العربية نفسها: فجزيرة العرب ـ في الجاهلية ـ لم تعرف زنى الحرائر، وإن عرفت زنى الإماء المحترفات وكانت كل واحدة من هؤلاء تعلق على بيتها راية حمراء ـ في مواسم الحج ـ للإعلان عن نفسها.

بينما كان الزنى ـ بكل ألوانه ـ منتشرًا على نحو أشد في المناطق الأخرى عند ظهور الإسلام: يذكر المؤرخ “هيرودوتس” أن كل امرأة في مدينة بابل عليها أن تذهب مرة في العمر ناحية هيكل الزهرة (مليتا) فتزني مع أجنبي، ولا تحصل منه على حفنة من المال، ويقول لها من واقعها “أسأل الربة مليتا أن تكون عنك راضية”، ويعتبر هذا المال مقدسًا، وعلى المرأة أن تستجيب لأول من يلقي إليها بالمال، مهما كان مستواه الاجتماعي.

الدولة الرومية الشرقية:

وفي الدولة الرومية الشرقية، وعلى الرغم من انحطاط المستوى الاجتماعي للرعية، ازدادت الإتاوات، وتضاعفت الضرائب، وحدثت اضطرابات وثورات، وكان عدد من قتل فيها ثلاثين ألفًا بالعاصمة فقط.

يقول جيبون “في أواخر القرن السادس وصلت الدولة في ترديها وهبوطها إلى آخر نقطة، وكان مثلها كمثل دوحة عظيمة كانت دول العالم ـ في حين من الأحيان ـ تستظل بظلها الوارف، ولم يبق منها إلا الجذع الذي لا يزداد كل يوم إلا ذبولاً”.

وسقوط فارس:

وكانت فارس موطنًا للفتن ودعوات الهدم، والفساد، والتخريب، واستساغة كل حرام حتى إن “يزدجرد الثاني” الذي حكم فارس في أواسط القرن الخامس الميلادي تزوج بنته ثم قتلها، وأن “بهرام جوبين” الذي حكم في القرن السادس كان متزوجًا بأخته، وكانوا يدعون أن مثل هذا الزواج يعد عملاً صالحًا يتقربون به إلى الله.

وكان الفرس يعبدون النار، ومن مظاهر انحرافهم العقدي كذلك عبادتهم للأكاسرة الذين كانوا يدعون أنه يجري في عروقهم دم إلهي.

وفي القرن الثالث الميلادي ظهر “ماني” الذي أخذ يدعو إلى العزوبة والامتناع عن الزواج قطعًا للنسل واستعجالاً للفناء.

وفي أواخر القرن الخامس الميلادي ظهر “مزدك” فدعا إلى المساواة المطلقة، وشيوعية المال والنساء، وسارت وراءه غالبية الناس بعد أن أيده، ووقف إلى جانبه “قباذ” كسرى الفرس، فانتشر الزنى واختلطت الأنساب وزاد السلب والنهب.

إنها بعض ملامح الجاهلية “خارج” الجزيرة العربية وهي في كمها أكثر تنوعًا وتعددًا، وهي في كيفها أشد وأنكى وأضرى من “الجاهلية العربية” إن صح هذا التعبير.

والآن ـ ونحن في عصر العولمة ـ يعيش العالم أشد ألوان الجاهلية وأضراها.. بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، والصهيونية الظالمة الغاشمة.

إنها جاهلية عقدية لا مكان للدين فيها للدين .

وجاهلية أخلاقية من مظاهرها زواج المحارم، وتزويج الرجل بالرجل، والزنا، والشذوذ الجنسي… إلخ.

وجاهلية مادية تنكر كل ما هو غيبي.

وجاهلية نفعية همها الأكبر استنزاف اقتصاد الأمم الضعيفة.

وكل هذه الجاهليات أقوى، وأوسع نطاقًا، وسيطرة من الجاهلية القديمة… وكلها تنتصر للباطل، وتتصدى بالقوة للحق. والعالم كله يشهد كيف نهب الصهاينة وطنًا كاملاً هو فلسطين، وكيف وجدوا في الولايات المتحدة: الأم الحانية، والقوة الغاشمة الحامية.

ولكل هذه المجتمعات وغيرها ـ في مشارق الأرض ومغاربها على مدى كل العصور ـ جاء الإسلام ليهدي وينير، ويبني ويقود.

رضينا بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد بن عبد الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ نبيًا ورسولاً.

مقالات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

img
القائمة البريدية
img