img
البحث عن وطن قومي للعربي في أرضه
img
Print pagePDF pageEmail page

البحث عن وطن قومي للعربي في أرضه

(1)

قد يبدو عنوان هذا المقال غريبا مثيرا, ولكن يعلم الله أنني ما أردت غرابة, ولا قصدت إثارة, ولكني حرصت -ابتداءً- علي تصوير واقع نعيشه -نحن العرب- وتقييم هذا الواقع برؤية نأمل أن تكون صادقة, لا قصور فيها, ولا غلوّ ولا إسراف, ونحاول بهذه الكلمات أن تكون الرؤية شاملة حتي لا يفلت من دائرة النظر شريحة تنقض حكما -أو جزءا من حكم- خلصنا إليه بالاستقراء والوقوف, والتأمل, وهذا يقتضينا استصحاب بعض المعطيات اللغوية والتاريخية ذات الصلة الوثيقة بموضوع المقال. وأعتقد أن الوقوف عليها ضرورة ملحة في عصرنا الذي نعيشه, وخصوصا بعد قيام “الميمونة” سنة 1952. ذلك العصر الذي تاهت فيه الحقائق وضاعت فيه القيم, واختلت فيه المعايير, وضيعت فيه الأمانة, وكثر فيه الخبث, ووُسّد فيه الأمر غير أهله, ونري من ملامحه -كما قال رسول الله -صلي الله عليه وسلم- شحا مطاعا, وهوي متبعا, ودنيا مؤثرة, وإعجاب كل ذي رأي برأيه.

تعالوا نعرف معني الوطن

الوطن -في كليمات كما نصت معاجم اللغة- هو محل الإنسان, ومكان إقامته ومقره, وُلد به أو لم يولد. ووصف الوطن القومي من الأوصاف المستحدثة -وهو ذو ارتباط سياسي وتاريخي نعرض له فيما بعد- يوسع من دائرة الوطن, وينقله من المفهوم الفردي إلي المفهوم الجماعي ليكون محل إقامة دائمة معتبرة لقوم أو جماعة تلتقي علي عقيدة معينة أو مصالح مشتركة, أو وحدة الجنس… إلخ.

وكتب الأدب غاصة بدرر عن حب الوطن, والولاء له والشوق إليه في حالي الابتعاد والاغتراب, وكان من أسبق أبيات الشعر إلي حافظتنا ونحن أطفال قول أحمد شوقي:

وطني لو شُغلت بالخلد عنه نازعتني إليه في الخلد نفسي

ومن أقدم ما قيل في الولاء للوطن والاعتزاز والتمسك به قول ابن الرومي الشاعر العباسي:

ولي وطنى آليتُ ألا أبيًعَهُ وألا أري غيري لهُ الدهرَ مالكا

وأنبه القارئ إلي أن ابن الرومي لا يقصد بالوطن المفهوم المشهور الدارج, ولكن يقصد به بيته الذي استولي عليه ظلما وعدوانا واحد من “ذوي الحيثية” فشكاه للوالي “سليمان بن عبد الله” بقصيدة من أربعة وعشرين بيتا, تحدث فيها عن شبابه الناعم في منزله هذا, وعن ألفته له كأنه روحه أو جسده. فبعد البيت السابق مباشرة يقول:

عهدتُ به شرخ الشباب ونعمة كنعمة قوم أصبحوا في ظلالكا

فقد ألفَتْه النفسُ حتي كأنه لها جسدى إنْ بانَ غودرتُ هالكا

الإسلام .. ومفهوم جديد

كان رسول الله صلي الله عليه وسلم يحب وطنه مكة, ويروي عنه -صلي الله عليه وسلم- أنه قال ما معناه مخاطبا مكة: والله إنك أحب بلاد الله إليّ, ولولا أن أهلك اخرجوني ما خرجت.. ويقال إن أحد الصحابة وصف مكة أمامه وهو في المدينة, فظهر التأثر علي وجهه وقال له: “… دع القلوب تقر”.

فلما أصبحت مكة تربة رافضة للإسلام ذلك النبت الجديد. واشتد الإيذاء علي المسلمين أذن الله لهم بالهجرة إلي الحبشة, هاجر منهم اثنان وثلاثون, وفي الهجرة الثانية ثلاثة وثمانون, وعلل النبي -صلي الله عليه وسلم- اختياره الحبشة مهجرا بأن فيها “ملكا لا يُظلم عنده أحد”. وكان هو أصحمة النجاشي الذي أواهم وأكرمهم . وبهذا الاختيار وهذه المقولة, يفتح رسول الله -صلي الله عليه وسلم- عيوننا علي مفهوم جديد “للوطن”, فلم يعد الوطن هو تلك الرقعة من الأرض التي يسكنها جماعة من الناس ويتعايشون فيها, وهذا هو المفهوم العادي الدارج السائد آنذاك, ولكن الوطن -كما أشار النبي صلي الله عليه وسلم- أصبح ذا مفهوم “قيمي”.. فهو “وطن” بما يسوده من قيم العدل والتكافل والأمن والسلام.

وهذا المفهوم “القيمي” للوطن أرساه, ورسَّخه القرآن الكريم في سورة قريش, وهي مكية بلا خلاف.

الوطن وإشباع حاجات الإنسان

يقول تعالي:

{لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنم من خوف } [قريش: 1-3].

والنظر المتأني لهذه السورة يقودنا إلي تبين الحقائق الآتية:

1- أن المذكورات فيها جاءت علي سبيل التمثيل لا الحصر, فذكر “الطعام” جاء تمثيلا للحاجات المادية. وذكر الأمان والشعور بالطمأنينة جاء تمثيلا للحاجات النفسية. يدل علي هذا ما ذُكر في سور وآيات أخري من ألوان النعم المتعددة: كإنزال الماء, وتسخير الأرض للزراعة, والبحر للتنقل, ومصدر من مصادر الطعام والحلي, والزواج لحفظ النوع, واستشعار المودة والرحمة والاستقرار والسكينة, وغير ذلك كثير وكثير.

2- أن الآيات ربطت بين تحقيق هذه الحاجات وإشباعها من ناحية, وبين السعي والتنقل والعمل من ناحية أخري, وذلك بالإشارة إلي رحلة الشتاء والصيف.

3- أن الآيات ربطت بين هاتين النعمتين -المادية والنفسية- وقيمة روحية عليا هي عبادة الله دون سواه, ويُستأنس لذلك بأن الله جعل البيت مثابة وأمنا. قال تعالي: (ا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْء)(القصص: من الآية57). وأن هاتين النعمتين كانتا استجابة لدعوة إبراهيم أبي الأنبياء عليه السلام: (رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ)(ابراهيم: من الآية35), {….. ) رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ)(ابراهيم: من الآية37)

يقول الإمام الطبري: وكان أهل مكة تجارا, يتعاورون ذلك شتاء وصيفا, آمنين في العرب, وكانت العرب يُغير بعضهم علي بعض, ويقطعون طريق القوافل. وكان القريشيون إذا رحلوا قالوا: نحن من حرم الله فلا يعرض لهم أحد في الجاهلية وذلك لمكانة البيت فى نفوس هؤلاء جميعا.

والشعور بالطمأنينة والأمان والسلام النفسي يمنح الإنسان طاقة قوية للعمل والإنتاج والتقدم, وفي هذا المعني يقول (ديورانت): “… والحضارة تبدأ حيث ينتهي الاضطراب والقلق, لأنه إذا أمن الإنسان من الخوف تحررت من نفسه دوافع التطلع, وعوامل الابداع, وبعدئذ لا تنفك الحوافز الطبيعية تستنهض للمضي في طريقه إلي فهم الحياة وازدهارها” (قصة الحضارة 1/4).

العدل أساس الوطن والمواطنة

فالعقيدة السليمة النيرة البانية, والعمل الشريف والسعي الدائب, وإشباع الحاجات المادية من طعام وشراب وملبس وسكني, والحاجات المعنوية من تمتع بالعدل, والطمأنينة والاستقرار والسلام.. هذه المعاني والقيم في صورتها الصادقة النقية لا تكون الأرض وطنا إلا بها, وأهمها -بعد العقيدة السمحاء- العدل, ومازالت ترن في آذاننا وقلوبنا كلمات رسول الله صلي الله عليه وسلم إذ يوجه المسلمين للهجرة إلي الحبشة: “فإن بها ملكا لا يُظلم عنده أحد”:

– فبالعدل يتساوي المواطنون وينال المواطن حقه غير مغبون.

– وفي ظل العدل يشعر المواطن بالطمأنينة والأمان, ويعمل بهمة ونشاط, مع حبه عمله وإقباله عليه.

– وبالعدل يُخلص المواطن الولاء لوطنه, والحب والتقدير لحاكمه, ويسير في طريق التقدم المطرد إلي ما هو أحسن وأفضل علي المستويين الفردي والجماعي.

والظلم ظلمات ومهالك

وإذا كان هذا هو شأن العدل وآثاره علي الأفراد والمجتمعات تقدما وبناء ونهوضا, فإن الظلم يقف علي الطرف النقيض. قال تعالي -في حديث قدسي- “يا عبادي, إني حرّمت الظلم علي نفسي وجعلته بينكم محرما, فلا تظّالموا”.

وقد نزلت الآيات تتري تُظهر عاقبة الظلم في الدنيا, منها علي سبيل التمثيل:

(وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ)

(هود:102) ].

(وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ)

(الانبياء:11) – {وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ)(القصص: من الآية59) . ونلاحظ أن الآيات السابقة تتحدث عن عاقبة “ظلم جماعي”, فهل يعني هذا أن هذه النتيجة لا تتحقق إذا ما كان الظلم محصورا في الحاكم أما الرعية فهي المطحونة تحت وطأة هذا الظلم? وفي الإجابة على هذا السؤال نستأنس بقوله تعالي: )وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (لأنفال:25)

ونستأنس بسؤال السيدة زينب رضي الله عنها لرسول الله -صلي الله عليه وسلم-: “… يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون? قال: نعم, إذا كثر الخبث” (والخَبَث بفتح الأول والثاني: الفساد والرذائل).

حالات.. وأحكام

وتواجهنا في هذا المجال عدة حالات, ولكل حالة حكمها:

الحالة الأولي: أن يكون الظلم آفة عامة وخليقة سائدة في المجتمع كله حاكما ومحكومين. وتكون النتيجة انهيار المجتمع كله وسقوطه.

الحالة الثانية: أن يكون الحاكم هو المستقل بآفة الظلم في مواجهة الرعية, فإذا كانت الرعية رافضة لهذا الظلم, مقاومة له بقدر ما تستطيع, وقع الوزر علي الحاكم. وإن أدي ذلك إلي إصابة المجتمع بالضعف والتأخر, لانصراف الناس عن أداء أعمالهم, وضعف إنتاجهم تحت وطأة الظلم والاستبداد.

أما إذا رضيت الرعية بظلم الحاكم, وأقرته, واستسلمت له, فجريمتها كجريمة الظالم في حكم الله. يقول تعالي: { ان الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الارض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا .) (النساء 97) , فأقل ما يجب أن يفعله المظلوم, أن يهجر وطن “الظلم والجبرية” إلي أرض يجد فيها الأمن والسلام, ويستطيع أن يعبد فيها ربه, ويؤدي رسالته, ويحصّل فيها عيشه. كما فعل المسلمون بهجرتيهم إلي الحبشة, ثم بهجرتهم العامة إلي المدينة )وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) (النساء:100) .

(2)

الظلم ظلمات

حقًا, إن الظلم ظلمات.. لأنه يعمي بصيرة الطاغية الظالم. ولا أسرف إذا قلت: إنه يعمي بصره كذلك, فلا يري الحقيقة في واقعها الحقيقي, بل يكون حوله من “يري” له, ويزين له كل ما يرضيه, ويقلب له الحق باطلاً, والباطل حقًا, فهو الزعيم الأوٍحد, وهو المنقذ الأول, وهو العبقري الأول, وعن مثله عقمت النساء. وهو سعيد ببطانة السوء هذه, إنهم “هامان وأوتاد” كل عهد, الباحثون عن متع الحياة الدنيا.. ملوك “الهبش” و”الهبر”.. حملة المباخر.. أرباب الكذب والنفاق.

وما أسعد بطانة السوء حين يرون مثل هذا الحاكم أحمق غبيًا.. يضعهم في سويداء قلبه, وبهم يري, وبهم يفكر, وبهم يسعي, وبهم يبطش.. ويمضي أعمي القلب.. أعمي الضمير, أعمي البصيرة, أعمي البصر, وكأنه المقصود بقول بشار بن برد:

أعمي يقودُ بصيرًا لا أبا لكمو قد ضلّ من كانت العميانُ تهديه

صدقتَ والله يا بشار “قد ضل من كانت العميان تهديه” وهل انكسرت شعوبنا, وتخلفت, وصارت طعامًا مستساغًا لأعدائها إلا لأن حكامها, وقادة مسيرتها هم العميان?!

وفيهم نزفتُ شعرا

ولا أبالغ إن كنت قد رأيت في كل واحد من هؤلاء في قصيدتي “براءة” نموذجًا مجسدًا لـ”الشر والشيطانية”:

كـأنـه لـبـنـي إبليس iiنسبتُهُ
الـسـجن والقيد والعدوان iiعدته
يقتات دمع الضحايا في iiزنازنهم
ويـدّعـي أنـه لـلعدل iiملجؤه
وأنـه عـبـقري العصر iiوالعَلَم
وهٍـو الذي ذبح القانون من iiسفه
لـه بطانة سوء كم طغت iiوبغت
يـأيـهـا الـذي ماتت بصيرتُه
لـقد غدوت كوحش ناش iiإخوته
رأيـت نـارك فىالأعداء iiباردة
دستوره البغي والإحجاف iiوالغَشَمُ
وشـر أعـدائـه الإسلام iiوالقيم
كـأن أنـاتـهـم في أذنهً.. iiنَغَمُ
وأنـه لـلـجـياع الخبزُ iiوالأَدَم
ومـثـلَ فـطنته لم تُنجب الأُمم
وضـج مـما جناه الحًلُّ iiوالحرم
وهم علي الشعب دوما نكبة iiعَمَمُ
حتي استوت عنده الأنوار والظلم
ولـم تـرقّ لمن كانت لهم iiرحم
لكن على الأهل جمر ساعر iiحمم

الطاغية وتوثين الذات

إن الظلم أبشع الآفات التي تصيب النفس البشرية, وهو يأخذ صورته الضارية إذا ملك الظالم من القوة ما يجعل الظلم آلية سهلة لتنفيذ مآربه, وتحقيق ما يشبعُ نفسه المريضة. هو شذوذ في أعتي صوره لأنه تمرُّد علي الفطرة الإنسانية, وجور علي بني آدم وقد كرمهم الله, وجعلهم أكرم المخلوقات.

والحاكم الظالم يستبد به الغرور, ويتدرج به إلي أن يُغرق نفسه في مستنقع توثين الذات. وفرعون مصر هو أصرخ النماذج في هذا المجال” فقد رفض دعوة موسي عليه السلام {فحشر فنادى فقال أنا ربكم الأعلى} [النازعات:23, 24] وليس من الضروري أن يكون توثين الذات بادعاء الألوهية, ولكن بإنكارها, والنظر إليهاوإلي الدين كظاهرة كانت مرتبطة بالطفولة الأممية وعصور التخلف في الماضي, ومن أمثلة هؤلاء هتلر وموسوليني. ومن القصص المشهورة أن “جوبلز” (1897- 1945) -وكان وزير الدعاية والأنباء في عهد هتلر- كان يشرف علي إعدام أحد القسس, فقال له: “لا تعدمني, واتق الله فيّ” فرد عليه قائلاً: “لم يعد العصر عصر الله يا غبي, إنما هو عصر الفوهرر هتلر”, وانتهي به الأمر إلي الانتحار هو وزوجته وأولاده وزعيمه هتلر في أول مايو 1945.

آفات أخري.. وتبريرات ساقطة

وانطلاقًا من هذه الآفة -توثين الذات- نري الطاغية يتسم بالأثرة, وحب النفس, فهي مدار تفكيره, وهي المعيار الذي يزن ويقيس به أعمال الآخرين, فما اتفق مع هواها هو الطيب الخيّر, وما خالفها هو الباطل والخطيئة.

ومن هنا تأتي استهانة الطغاة بشعوبهم فهم في نظرهم “دهماء” لا يستحقون أن يشاركوا في سياسة تقرر مصيرهم, أو تسيّر أمورهم, إلا علي سبيل الظاهر الكذوب “للترضية” وإسكان الأصوات.

ومع آحادية هذه النظرة نري الطاغية متشبثًا بكرسي الحكم, يعض عليه بالنواجذ, وإذا تعارض هذا “التشبث الأبدي” مع دستور الوطن, ومصالحه وأعرافه, رأيت بطانة السوء, ومَن وراءهم من حملة المباخر الآكلين على كل مائدة يرفعون أصواتهم بالتبريرات الجاهزة المعدة سلفًا لمثل هذه المواقف. فتسمع من يقول: إن الدستور وسيلة لا غاية, فإذا تعارض بقاء “الحاكم الفلتة العبقري الموهوب” مع نص “جامد” من نصوص الدستور غضضنا النظر عنه, ليستمر الحاكم “الفلتة” لأن مصلحة الوطن أهم من كل دساتير الدنيا.معدة سلفًا لمثل هذه المواقف. فتسمع من يقول: إن الدستور وسيلة لا غاية, فإذا تعارض بقاء “الحاكم الفلتة العبقري الموهوب” مع نص “جامد” من نصوص الدستور غضضنا النظر عنه, ليستمر الحاكم “الفلتة” لأن مصلحة الوطن أهم من كل دساتير الدنيا.

وتتوالي “تدعيمات” هذه المقولة, بصرخات عاطفية أخري: فليبٍقَ.. وليستمر.. ليستكمل مسيرة الرخاء, ومسيرة السلام.. ومسيرة التنوير.

ثم يتحول بعض الأصوات بنبرة عالية إلي القول: أيها المعترضون لو كنتم صادقين في اعتراضكم, مقتنعين به رعاية لمصلحة الوطن: اذكروا اسم شخص يصلح أن يكون بديلاً.. يستطيع أن ينجز بعض ما أنجز الزعيم الفلتة.. وطبعًا لا يكون إلا الصمت.. خوفًا علي مصير “البديل المقترح”. والمعروف تاريخيًا أن الحكام في الشرق العربي لا يتركون الحكم إلا بالموت أو الاغتيال, هذا إذا استثنينا رجل السودان العظيم “سوار الذهب”.

وكل ما ذُكر من تبريرات تنطلق من فراغ وتعد فارغة لأنها تحاول أن “تمنٍطق” ما لا وجود له, فمن من حكام العرب -يا حملة المباخر- حقق رخاء وصنع للرخاء مسيرة أو حقق سلامًا شريفًا, واختط لاستكماله سبيلاً, وأشاع التنوير في مجال الفكر والتقنية والتعليم?

إن الواقع الذي نعيشه -نحن العرب بعامة, والمصريين بخاصة- يدحض.. بل يسحق كل مزاعم حملة المباخر وتهويشاتهم. وحتي لو صح أننا في ظل النظام الحالي.. أي في ظل حكومات الحزب الوطني نعيش رخاء حقيقيًا.. وسلامًا حقيقيًا.. وتنويرًا حقيقيًا.. أليس من حق الشعب أن يطلب التغيير, ويطالب بتداول السلطة وصدق المثل القائل: “إن في التنويع متعة, حتي في الهموم”. فنجاح الحاكم في قيادة هذه المسيرات لا يصلح تبريرًا لبقائه “حاكمًا أبديًا”.

واذكروا يا سادة رجلاً اسمه “ونستون تشرشل” (1874- 1965) الذي كان رئيسًا للوزارة الإنجليزية طيلة أيام الحرب الثانية (1939- 1945). وحقق علي دول المحور أعظم انتصار في تاريخ البريطانيين, بل تاريخ أوروبا بأكملها علي مدار التاريخ ورفض أن يعلن الأحكام العرفية علي شعبه أثناء الحرب وقال قولته المشهورة: (لا أجمع علي شعبنا وطأة الحرب ووطأة الأحكام العرفية). وبعد هذا النصر العظيم فشل حزبه -حزب المحافظين- في الانتخابات العامة (النزيهة طبعًا) عام 1945. وترك الرجل الوزارة بصورة طبيعية بعد أن حقق أعظم انتصاره ولم يخرج إنجليزي واحد هاتفًا “بالروح.. بالدم.. نفديك يا تشرشل”.

ثرثارون.. ونمور ورقية

إن الحاكم العادل يزرع في قلوب المواطنين الاعتزاز به, والحب له, والإقبال عليه, والثقة فيه, وسرعة الاستجابة العملية لتوجيهاته, علي حد قول الشاعر المسلم عن خالد بن الوليد رضي الله عنه:

إذا قال سيفُ الله كرّوا عليهمو كررنا بقلب رابط الجأش صارمِ

فيكون تحقُّق الانتصارات أمرًا طبيعيًا لا غرابة فيه. وكما يكون الحاكم العادل محبوبًا من رعيته, يكون مهيبًا في نظر أعدائه. ومع حب المواطن لحاكمه العادل يكون صادق الولاء للوطن يفديه بنفسه وبكل غال نفيس.

وبالعكس يفقد الحاكم الظالم حب الناس وثقتهم, وإذا أطاعوه ففي الظاهر فقط, خوفًا من بطشه وجبروته علي حد قول الشاعر:

دعوا باطلا, وجلوا صارما وقالوا :صدقتا? فقلنا: نعم

ويفقد المواطن ولاءه -لا للحاكم الظالم فحسب- بل يمتد ذلك للوطن, وقد أصبح يعيش فيه غريبًا, يعاني الظلم والقهر ومن العذاب الكثير وقد قالها “أبو نواس” من ثلاثة عشر قرنًا:

لا أذودُ الطير عن شجر قد بلوتُ المرَّ من ثمره

ومثل هذا الحاكم يستهين به أعداء الأمة, ومنه يسخرون, بعد “أن نزع الله من قلوب أعدائنا المهابة منه”. وكم تهكم كبار الصهاينة والصليبيين والأمريكان علي حكامنا, فأطلقوا علي بعضهم أوصافًا أو ألقابًا مضحكة مثل “النمر الورقي” و”الثرثار الكبير” Big talker. ولا غرابة أن تمتد استهانتهم بحكامنا إلي استهانتهم بشعوبنا, فيتخذون قراراتهم المتعلقة بمصائرنا, وكأننا لا وجود لنا, وإذا كان لنا وجود -في نظرهم- فهو وجود هامشي, أو وجود “ورقي”. وقد سُئل أحد كبار الصهاينة: “أصحيح ما جاء في القرآن من أن اليهود ضُربت عليهم الذلة والمسكنة?” قال: نعم.. كان ذلك قديمًا أيام أن كان اليهود مثل الشعوب العربية الحالية”.

****************

ذكرنا من قبل أن إيذاء الكفار للمسلمين في مكة اشتد, حتي استُشهد بعضهم بالتعذيب مثل ياسر بن عامر, وزوجته سمية بنت خياط (أم عمار), فأذن الله لهم في الهجرة إلي الحبشة, فهاجر منهم 115 مسلمًا ومسلمة علي دفعتين: الأولي 32, والثانية 83. وعلل النبي -صلي الله عليه وسلم- اختياره الحبشة مهجرًا لهم بأن فيها «ملكًا عادلاً لا يُظلم عنده أحد».

وكان لهذه الهجرة الباكرة آثار طيبة -علي قلة عدد المهاجرين- أهمها أثران هما:

1- أنها أثبتت للكفار قدرة المسلمين علي الحركة والتصرف والسياحة في آفاق خارجية.

2- أنها نقلت -لأول مرة- اسم الإسلام إلي خارج الجزيرة العربية, وبدأت عيون الأحباش تتفتح -لأول مرة- علي إسلام هؤلاء المهاجرين.

في الطريق إلي الدولة

وبعد ثلاثة عشر عامًا من العمل الدائب, والجهد المتواصل في الدعوة إلي الإسلام كانت هجرة النبي -صلي الله عليه وسلم- إلي المدينة وهجرة المسلمين جميعًا من بعده. فمكة قد تحجرت فيها قلوب أهلها, وازدادوا قسوة وظلمًا وصلفًا وإصرارًا علي رفض الدين الجديد, وقد مهد النبي -صلي الله عليه وسلم- لهذه الهجرة بلقاءات ثلاثة مع أهلها, وكان كل منها مورقًا مثمرًا:

الأول: في موسم الحج, وكان يعرض نفسه علي القبائل قائلاً: «من رجل يحملني إلي قومه فيمنعني حتي أبلغ رسالة ربي, فإن قريشاقد منعوني أن أبلغ رسالة ربي». فأسلم جماعة من الخزرج, ووعدوه أن يعرضوا الأمر علي قومهم عند عودتهم إلي المدينة وكانوا ستة أشخاص.

واللقاء الثاني: كان مع 12 من الأنصار أسلموا وبايعوا (وهو ما يعرف ببيعة العقبة الأولي). وأرسل معهم «مصعب بن عمير» لتفقيههم في الدين.

واللقاء الثالث: وهو ما يسمي ببيعة العقبة الثانية كان مع 73 رجلاً وامرأتين من الأنصار, أسلموا وبايعوه علي النصرة والحماية والمنعة.

وبالهجرة قامت دولة الإنسان

وفي المدينة أقام النبي -صلي الله عليه وسلم- «دولة الإسلام», والدولة بالمفهوم الحديث «جمع من الناس من الجنسين معًا, يعيش -علي سبيل الاستقرار- علي إقليم معين محدود, ويدين بالولاء لسلطة حاكمة لها السيادة علي الإقليم وعلي أفراد هذا الجمع» (د. حامد سلطان: القانون الدولي العام 343).

وقد نصت المادة الأولي من الاتفاقية الخاصة بحقوق الدول وواجباتها التي عقدت في «مونتفيديو» في 26 من ديسمبر سنة 1933 علي ما يأتي:

«يجب لكي تعتبر الدولة شخصًا من أشخاص القانون الدولي أن تتوافر فيها الشروط التالية:

1- شعب دائم.

2- إقليم محدود.

3- حكومة.

4- أهلية الدخول في علاقات مع الدول الأخري».

وكل هذه الشرائط -دون تمحل وإسراف- توافرت في الدولة التي أقامها النبي -صلي الله عليه وسلم- في المدينة علي مدي عشر سنين:

1- فالمدينة إقليم له حدوده المتميزة المحددة.

2- والشعب هو الشعب المسلم المكون من الأنصار (الأوس والخزرج) والمهاجرين. وكلهم انصهروا في بوتقة الإسلام. وعاشوا كالجسد الواحد تماسكًا وتكافلاً وتعاونًا ومحبة وإيثارًا.

3- أما الحكومة: فحكومة الرسول -صلي الله عليه وسلم- التي تعتمد في الحكم علي ركيزتين صلبتين: العدل والشوري.

4- وكل أولئك جعل لهذه الدولة الجديدة أهلية كاملة في التعامل -كشخصية اعتبارية- مع الآخرين. علي تفصيل لا يتسع له المقام.

الأمن.. والاستقرار.. والعدل

واقتضي حرص النبي -صلي الله عليه وسلم- علي ترسيخ قواعد الدولة المركزية الجديدة, ترسيخ العلاقات التي تربط بين الدولة وبين قبائل اليهود المختلفة» فكتب عهدًا مفصلاً ينظم العلاقات بين الدولة وبين هذه القبائل, ويطلق عليه تاريخيًا «كتاب الموادعة» أو «دستور المعايشة». وقد كتبه أول وصوله إلي المدينة -دون أن يطلب منه اليهود ذلك-, وفيه تفصيل دقيق جدًا للحقوق والواجبات. ثم كان الانفتاح علي خارج الجزيرة برسائل النبي -صلي الله عليه وسلم- إلي الملوك والرؤساء.

واستقر الحكم باليقين, وإشعار رعايا الدولة بالأمن والطمأنينة, والثقة في العدل, يستوي في ذلك المسلمون واليهود والمنافقون, وقد كان النبي -صلي الله عليه وسلم- يعرفهم واحدًا واحدًا, ومع ذلك عاملهم معاملة طيبة وعلي رأسهم عبد الله بن أبيّ بن سلول, ولم يأخذهم «بالباطن المستتر», وقد قال: «.. لنا الظاهر وعلي الله السرائر». والأصل أن الناس جميعًا «أبرياء» إلي أن يثبت -علي وجه اليقين- ما يقتضي الاتهام والعقاب. ويروي أن قومًا أتوه برجل وقالوا يا رسول الله, إن هذا الرجل سرق منا كذا وكذا, فقال: «لا تقولوا سرق, ولكن قولوا: أخذ» فهو «آخذ» إلي أن يثبتوا -علي سبيل القطع- أنه سارق.

واطمأن عتاة الكفرة والمجرمين والقتلة -بعد إسلامهم- بتطبيق قاعدة «الإسلام يجبُّ (أي: يمحو) ما قبله».. حتي وحشي الحبشي الذي اغتال حمزة بن عبد المطلب -رضي الله عنه- أحب خلق الله إلي رسول الله -صلي الله عليه وسلم- قَبًل النبي إسلامه ولم يمنعه حقًا من حقوقه, وعاش مجاهدًا, وبيده صرع مسيلمة الكذاب في موقعة اليمامة في عهد أبي بكر -رضي الله عنه. وتكرر مثل ذلك أيام عمر بن الخطاب -رضي الله عنه. فقد حزن حزنًا شديدًا علي أخيه زيد الذي استُشهد في معركة اليمامة, وكان يتمني لو كان شاعرًا حتي يرثيه بشعر كشعر متمم بن نويرة في رثاء أخيه مالك.

وبعدها أسلم القاتل «أبو مريم السلولي» والتقي عمر في خلافته, وقال له: أنت قاتل أخي, والله لن أحبك حتي تحب الأرضُ الدم المسفوح» (أي لن أحبك أبدًا). فسأله أبو مريم: أيدفعك ذلك إلي ظلمي? فأجاب عمر -علي الفور-: اللهم لا. قال أبو مريم: لا ضير. إنما يأسي (يحزن ويتحسر) علي الحب النساء.

وعاش قاتل شقيق الخليفة -كما عاش قاتل عم النبي -صلي الله عليه وسلم- آمنين متمتعين بعدالة الإسلام, وقد جبّ الإسلام جريمتهما, ولم يصفهما أحد بالغدر والإرهاب.

وفي ظل «العدل الشامل» الذي لم تخدشه «طوارئ» أو «استثناءات» كانت الدولة الإسلامية مهيبة في نظر أعدائها, وبسيادة الإيمان -لا سيادة الرئيس- دكَّ المسلمون دولتي الفرس والروم, أهل الظلم والكفر والجبرية. وكان رستم -قائد الفرس- يقول: أكل عمر بن الخطاب كبدي لأنه يعلم الكلاب الأداب».

ما أبعد الليلة عن البارحة

وما ذكرته يمثل خطوطًا سريعة «لطبيعة الوطن القومي الإنساني» الذي عاش فيه العرب والمسلمون, فحققوا الانتصارات, وعاشوا رسل تعمير وتنوير علي مستوي العالم كله. إنه الوطن الذي يجب أن نعيش فيه -أو قريبًا منه شبهًا- في عصرنا الحاضر وليس ذلك بالمستحيل ما توافرت العزائم, وصدقت النوايا, وواصلنا العمل علي أساس من الإيمان والحرية, وأصبحت السيادة للقيم النظيفة السامية.

عصر العار.. والشذوذ

أما العصر الذي نعيشه الآن فهو « العصر «الأمٍرًيصهيوني» أو العصر «الصهيوأمريكي» وهو يعني في إيجاز شديد جدًا: الهيمنة الأمريكية (وهي ذات أبعاد صهيونية حتي النخاع) علي المنطقة العربية في ثرواتها وسياساتها وقيمها, ومناهج التعليم فيها, وخصوصًا ما يتعلق بالعقيدة والأخلاقيات وقد حذف من المناهج والمقررات كل ما يدين اليهود, وهي حقائق ثابتة, يستوي في ذلك القرآن الكريم والسنة النبوية والشهادات التاريخية اليقينية حتي لو كانت بأقلام غير المسلمين من المنصفين.

ولإسرائيل سوابق حقيرة في هذا المجال» فبعد جريمة التطبيع الأولي التي اسمها «كامب ديفيد» انطلق الصهاينة -بتخطيط عملي دقيق- لتشويه عقيدتنا, وهدم قيمنا ومعطياتنا الدينية, ففي سنة 1982, روّرت إسرائيل طبعة من القرآن حذفت منها 160 آية من سور متعددة, مع إدخال بعض الآيات من سور أخري. طبعت من هذا القرآن المزور مليون نسخة في إحدي دور النشر المعروفة ببيروت, وغُلفت النسخ بالحرير, وطُعمت بالذهب, ووزعت كلها في البلاد الإسلامية, وبعض البلاد العربية.

وتصغر هذه الجريمة أمام جريمة أكبر تتمثل فيما سموه «القرآن الحق», وقد وُزع في العالم كله, ويذاع في مواقع أعداء الإسلام (الإنترنت). وكله تشويه خسيس للإسلام, وتجريح لشخصية نبينا -صلي الله عليه وسلم-, وإبراز لمحاسن اليهود واليهودية والمسيحية.

ومن مظاهر العار والضياع

ومن مظاهر الهيمنة فرض اتفاقيات تمكن إسرائيل من التغلغل في أوضاعنا الاقتصادية والسياسية, وآخرها اتفاقية «الكويز» التي يصر النظام المصري علي تسميتها «بروتوكول» لا «اتفاقية», وتصويرها علي أنها «المنقذ» الذي هبط من السماء. وهي في خطورتها, وآثارها البعيدة, تعد المرحلة الثانية من مراحل التطبيع, لتكريس الوجود الإسرائيلي وتغلغله, وتقنينه في المنطقة.

وكانت هذه الاتفاقية توَّقع وإسرائيل تقوم بمذابح وهجمات وحشية بالطائرات والدبابات علي غزة وخان يونس وغيرهما. وبعدها يعلن مجرم الحرب «شارون» -الذي وصفه النظام المصري بأنه «رجل سلام»- أن الرئيس بوش وافق علي ما قررته إسرائيل من أنه لا عودة للاجئين الفلسطينيين, ولا عودة إسرائيلية إلي حدود ما قبل 1967, وأن القدس هي العاصمة الأبدية لإسرائيل.

أما حكامنا فقد ضحوا بشعوبهم لإرضاء العم بوش, وإرضاؤه -من وجهة نظرهم- يضمن لهم كراسي الحكم, ويهيؤها لأبنائهم من بعدهم, وحكموا شعوبهم بالسجون والحديد والنار حتي كتب أحد الصحفيين الفرنسيين إحصائية ذكر فيها أن مجموع عدد المسجونين والمعتقلين السياسيين من المواطنين في مصر وسوريا وليبيا يمثل خمسة أمثال المسجونين الفلسطينيين في سجون إسرائيل. أما التعذيب في سجوننا فأبشع ما يمكن أن يتصوره إنسان, وأصبح من الأمور العادية أن يموت المعتقل أو يفقد عقله من شدة التعذيب. وأصبحت أحكام القضاء التي تدين جرائم «الأمن» لا تُنفَّذ مهما كانت أحكامًا نهائية. وانفرد قانون الطوارئ بالتسلط علي الشعب من ربع قرن.

ودائمًا يتشدق هؤلاء الحكام بأن نظام حكمهم نظام ديمقراطي «بالجرعات»» لأن تطبيق الديمقراطية الشاملة سيأتي بالإرهابيين من أمثال «الإخوان المسلمين» للحكم وذلك سيضر بالمصالح الأمريكية في المنطقة, فيلوذ العم بوش بالصمت.. ولو إلي حين.

وأصبح الحاكم هو الدولة والقانون والحكمة وعبقري زمانه في وطن اهترأت فيه الأخلاقيات, وتفشي الفساد, وأصبحت الرشوة أساس التعامل ونُهبت أموال البنوك, وانحط الإعلام ومستوي المعيشة. وهاجرت مئات الألوف من العقول والمواهب التي كان وطننا في أشد الاحتياج إليها. وأصبح المتمسك بدينه كالقابض علي الجمر, وهو يوضع في قائمة الرجعيين الظلاميين, أما الفاسد المنحط الذي يحمل علي الدين والمتدينين, فهو متحضر تنويري.

وكل ما ذكرنا يجعل العربي الحر يشعر بالغربة الحادة في وطن سرقه منه الفاسدون المفسدون, وأصبح فيه مضطهدًا منبوذًا, وهدفًا دائمًا للحكام الطغاة وأذنابهم ومخالبهم. فهل يستطيع مثل هذا العربي الحر أن يكون له وطن قومي يشعر فيه بالأمن والاستقرار والسلام? أقول: نعم. أما كيف? فأرجو القراء أن يشاركوني في إجابة هذه الشريحة من السؤال قبل أن أدلي بدلوي بعد فترة ألتقط فيها أنفاسي.

Print Friendly, PDF & Email
مقالات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

img
القائمة البريدية
img