img
يومياتي في أمريكا: بلاد الكلاب .. والخضرة .. والآيس كريم (48)
img
Print pagePDF pageEmail page

يومياتي في أمريكا:

بلاد الكلاب .. والخضرة .. والآيس كريم

(48)

الفوائد والثمار

الجمعة 4 من المحرم 1403 (22 من اكتوبر 1982)

 لم يبق على مغادرتي الولايات المتحدة والمجتمع الأمريكي إلا أقل القليل . وخلوت إلى نفسي أسائلها : ماذا جنيت من بعثتي إلى جامعة يل في نيوهافن ؟ ، وما الذي أفدته من المجتمع الأمريكي ؟ وأرى من قبيل استيفاء اليوميات أن ألخص ما عاد علي من غربتي في هذا المجتمع الغريب على مدار عام كامل :

1- أنني استطعت  بقدرة الله  أن أتغلب على كل العقبات التى حرص بعض الذين يأكلهم الحقد في القاهرة على وضعها في طريقي ، وأولهم شخصية إدارية كان لها فاعلية ونفوذ في نطاق كلية الألسن التى كنت أقوم بالتدريس فيها ، وفي نطاق جامعة عين شمس ، ووصل بهذه الشخص سواد الحقد أن كان يمزق الرسائل التى ترسل باسمي على الكلية من جامعة يل ، ولكن مشيئة الله كانت أقوى منه ، وأقوى ممن شايعه في مسيرته الساقطة مجاملة أو نفاقا ، أو رهبة من نفوذه . ونصرني الله على صاحبنا وأشياعه ، وأخذت أردد  بلسان الحال ولسان المقال  قوله تعالى ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29) وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (30) ” ( الأنفال 29 و 30 )

وقوله تعالى ” وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (64) ” ( المائدة 64 .

 وقوله تعالى ” ……. وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا  يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ  قَدْرًا (3) ( الطلاق 2 و 3 ) .

 وكل هذه الأعطيات القرآنية الربانية قوت من إيماني ، وعمقت شعوري بقدرة الله سبحانه وتعالى ، متبعا قول الرسول صلى الله عليه وسلم مخاطبا ربه ” إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ” .

 وهذه العقبات التي حرص الحاقد على وضعها في طريقي ، كشفت لي طبائع  من يعيشون معي في الوسط الجامعي . ولن أفصل هذه الحقيقة ولكني أستشهد بقول الشاعر :

 جزى الله الشدائد كل خير              عرفت بها عدوي من صديقي

 وبقول شاعر آخر :

 عِداتيَ  لهم  فضلٌ عليّ  ومنّةٌ                 فلا أذهبَ الرحمن عني الأعاديا

 همُ بحثوا عن زلتي فاجتنبتها              وهم نافسوني فاكتسبت المعاليا

وعلى رأس من ساندني ووقف معي ، منطلقا من حب الخير :

 الأستاذ الدكتور عبد السميع أحمد ، والأستاذ الدكتور أحمد زهرة

 أما الحقدة فهم أقل وأصغر وأقمأ من أن أذكر أسمائهم .

2-         وتحقق فيَّ المثل الذي كثيرا ما كنت أستشهد به وهو : ” في التنويع متعة حتى في الهموم ” : فقد رأيت من مظاهر الطبيعة وفصولها ما يختلف عما أراه في بلدنا مصر ، فأنا في كل مدينة انطلقت إليها في الولايات المتحدة وكندا لم أر إلا التربة الخضراء، والحدائق الغناء ، والغابات الممتدة على الأرض وسفوح الجبال ، وكثيرا ما كنت أضاحك إخواني فأقول : ” نفسي أشوف قطعة أرض صفراء ” ، أعني بذلك قطعة أرض صحراوية .

3-         وهم هناك يهتمون بالحدائق المنزلية ، والحدائق العامة ، ويغذون الأرض بالأسمدة بصفة دائمة ، ويعالجون أشجار الشوارع ، والشعب هناك يقدر قيمة الخضرة فلم أر منزلا  صغر أو كبر  إلا وحوله حديقة واسعة ، وكنت أقول : إنها حديقة زرع فيها منزل ، وليس منزلا أحاطت به حديقة. والصيانة السنوية للبيوت والحدائق لا تنقطع .

 والطبيعة تختلف في ارتفاعها وانخفاضها ، فكنا ونحن في طريقنا من الولايات المتحدة إلى كندا نرى بيوتا أقيمت على سفوح الجبال ، بصورة تجعلك تظن أن المنازل لوحات معلقة على سفح هذا الجبل .

 وتكثر هناك ما نسميه “المزارع المتكاملة” الواقعة علي جانبي الطريق السريع ال High Way “  . والمزرعة المتكاملة رقعة واسعة من الأرض مزروعة بالمحاصيل ، وأشجار الفاكهة ، وتضم حظائر للمواشي ، ومصنعا للتعليب ، أو التغليف ، أو لصناعة الجبن ، وهناك الأبقار والجواميس تحلب بطريقة آلية لمن يريد شراء اللبن ، وهو يحلب من الماشية في الجوالين مباشرة ، ويسمى “Fresh Milk ” . وتجد في المزرعة الرجل وزوجته وأولاده جميعا يشتركون في تشغيل المزرعة وإدارتها ، والعناية بها .

 ويرجع نجاحهم في ذلك إلى زهادتهم في الوظيفة ، فالشاب يحصل على البكالوريوس في العلوم الزراعية كي يعمل مع أبيه في المزرعة . والبنات يقمن بمجهود وافر في هذا المجال ، وقد رأيت في ضاحية الأورنج ( وهي قريبة من مدينة نيوهافن ) جزارا يملك ” ملحمة متكاملة ” تعمل فيها الأسرة كلها من أولاد وبنات في عمليات الذبح والسلخ والتقطيع … الخ .

 وعشت هذا العام في جو عاصف ، شديد العصف ، وفي جو جليدي ،

 ورأيت كيف يتساقط الجليد والثلج ، وفي جو ربيعي صاف ، وأيضا في أيام شديدة الحرارة . وفي كل هذه الأجواء يعمل الأمريكان بهمة ونشاط ، ولا يعوقهم اختلاف الجو إلا نادرا .

4-        وكشفت أبعاد الطالب الجامعي في الولايات المتحدة … فهو طاقة كبيرة من النشاط ، ولا يسمح لنفسه بالاسترخاء ، أو إهدار الوقت . والطالب يحضر محاضراته ، ويشغل نفسه  في الأوقات الخالية من المحاضرات  بالعمل في المحلات المجاورة والقريبة من الجامعة ، والعمل هناك بالساعة . كما أن الجامعة تسمح لطلابها بالعمل داخل الجامعة وفي مرافقها ، بأجر مجز على ألا تزيد ساعات العمل في الأسبوع على 14 ساعة . فتجد من هؤلاء الطلاب من يعمل سائقا في سيارات الجامعة ، ومنهم من يعمل في حدائقها ، ومنهم من يعمل في مكتباتها … الخ . وقد طرحت على أحد الطلبة السؤال التالي  وهو من أسرة غنية جدا على المستوى العالمي ويعمل في الجامعة سائقا  : لماذا تعمل ، مع أنك من أسرة ثرية ،ولا تحتاج للأجر الذي تتقاضاه ؟ فكان جوابه :” ولماذا لا أعمل ؟” .

5-        والجامعة تنظر في تشغيل الطلبة إلى جانب تربوي بجانب الكسب المادي ، وهو تدريب الطلاب على مواجهة الحياة ، والإقدام على العمل ، والتفاعل مع المجتمع الذي يعيش فيه ، بصرف النظر عن غنى الطالب أو فقره . ولكن الطلاب يستغلون عطلة نهاية الأسبوع استغلالا يعود عليهم بالصحة الجسمية والصحة النفسية ، فيخرجون في رحلات إلى الشواطئ ، وإلى الحدائق ، ومعهم آلاتهم الموسيقية ، فيعودون بعد عطلة نهاية الأسبوع إلى الجامعة طالبا وعاملا وهو يتدفق صحة ونشاطا .

6-                         واستطعت بحمد الله أن أستغل وقتي استغلالا طيبا جدا في محاور متعددة تتلخص فيما يأتي :

أ‌-  المحور الدعوي ، بإلقاء محاضرات في مساجد الشباب المسلم ، وبعض المراكز الإسلامية ، وفي اللقاءات المفتوحة في الرحلات المختلفة . وأحمد الله سبحانه وتعالى أن رأيت هؤلاء الشباب على وعي وتفتح ، وقدرة على استيعاب ما يقال ، وتطلع دائم وشوق لا ينقطع إلى كل جديد من المعرفة . وكنت أتعمد انتقاء موضوعات في صلب العقيدة ، وتربية الشباب وقيمة التراث الإسلامي العقدي والفكري .

ب‌-         المحور الشخصي التحصيلي : وأقصد به قرءات متعددة متنوعة في مكتبات الجامعة ومنها :

  فصول من دائرة المعارف الإنجليزية ، وخصوصا الفصول التى تتحدث عن الإسلام والعرب ، وصورت عددا كبيرا من صفحاتها .  مخطوطات متعددة مثل ديوان عمر بن الفارض ، وديوان المثقب العبدي ، وديوان عبد الله بن قيس الرقيات ، وديوان أبي فراس الحمداني ، وغير ذلك .

ج  المحور الشخصي الإنتاجي : فقد ترجمت كثيرا من المقالات من الإنجليزية إلى العربية ، كما ترجمت كتابا قصصيا ضخما 576 صفحة عنوانه ( The Big Story Book ) وهو يضم مجموعة كبيرة من قصص الأطفال .

 كما كتبت عددا من الدراسات والمقالات ، وكنت حريصا على أن أسجل يومياتي … يوما بيوم .

7-        تعرفت على عدد كبير من الطلاب العرب والمسلمين ، والذين يعملون في الولايات المتحدة ، أو هاجروا إليها بصفة نهائية . ومن هؤلاء على سبيل المثال الدكتور هشام حافظ الأستاذ بجامعة يل ، وهو الذي عقدت عقده على “كارولين” الأمريكية ، وعلى يدي أسلمَت ْ. والأخ . جمال مقلد ، وهو يعمل عاملا فنيا في أحد المصانع وهو مصري الجنسية .

والأخ إبراهيم المعتاز الذي حضر من السعودية للحصول على درجة الدكتوراة من جامعة يل . والأخ بدر القصار الذي جاء من الكويت للحصول على درجة الماجستير،

 والأخ سعود الكليب (سعودي) . والأخ سعيد بدران (سعودي) . والأخ عبد الله مكاوي (لبناني) .والأخ أحمد منصور (مصري) ومن الكويتيين : أبو سالم . وعبد الرحمن المطوع.

وأغلب من يبعثون يكونون في تخصصات أكاديمية تجريبية كالكيمياء، والطبيعة والطب والهندسة، ورصيدهم من العلوم الإسلامية ضئيل للغاية، كما أن حظهم من اللغة الأجنبية  التي تمكنهم من الدفاع عن دينهم وقيمه  ضئيل؛ لأن “اللغة الفقهية”، والمصطلحات الدينية مجهولة عندهم، فتركيزهم الأساسي  قبل بعثاتهم  كان على “اللغة العلمية” التي تمكنهم من تحقيق ما يبغونه من دراستهم.

وهؤلاء المبعوثون منهم من ينكسر أمام الإغراءات الشيطانية، فينهار أخلاقيًّا، ولا يبقى له من دينه إلا اسمه، ومنهم من يرزقه الله القدرة على الصمود، والتمسك بدينه، ومع ذلك يبقى عاجزًا عن التصدي لما يوجه من مفتريات الصهاينة والصليبيين والملاحدة ضد الإسلام، وقرآنه، ونبيه، إما لضعف ثقافته الدينية، وإما لضعف “لغته الأجنبية” ، وإما للسببين معًا.

وقليل جدًّا من هؤلاء رأيتهم متمكنين من دينهم، ولغتهم، ولغة البلد المبعوثين إليه، فكانوا دعاة ثابتين قادرين، وحرصوا على تلقف الشباب المسلم الوافد لتوعيته، والحفاظ عليه، وحققوا غير قليل من النجاح في هذا المجال، ولكنه يبقى مع ذلك محدودًا دون المرجو المطلوب.

ولتحقيق الحصانة الدينية لهؤلاء الشباب المبعوثين إلى الخارج أوصي بما يأتي:

أ  تقديم دراسة جادة مكثفة للطالب المبعوث في الدين والشريعة بلغة البلد الذي سيبعث إليه لا تقل عن عام أو عامين، بحيث لا يسمح له بالبعثة إلا إذا تلقى هذه الدراسة، واجتاز بنجاح الامتحان فيها شفويًّا، وتحريرًيا قبل سفره.

ب  وصْل هؤلاء المبعوثين بالمراكز الإسلامية في الخارج للاشتراك  بالتلقي والعطاء  في نشاطها الديني والثقافي، وتوعيتهم بملامح المجتمعات الجديدة التي هبطوا إليها.

 8  ومن ناحية أخرى توصلت إلى الحقائق الثلاث الآتية :

 الحقيقة الأولى: اعتقادنا الخاطئ أن الآخرين من غير المسلمين – فى أوروبا وأمريكا بخاصة – يعرفون جوهر الإسلام وقواعده، ويعرفون واقع قضايانا، ولكنهم يغالطون ويسلكون سبيل الشيطان والباطل تعصبًا وتعاميًا، مع أنهم – فى أغلبهم – يجهلون حقائق ديننا ومبادئه، وأبعاد قضايانا.

 والحقيقة الثانية: أن المسلمين – على المستوى العالمى – فقراء فى الدعاة، ومن الإحصائيات المفزعة أن عدد الدعاة المسلمين العالميين لا يزيد على ثلاثة آلاف داعية، مقابل ربع مليون مبشر مسيحى، يتقن كل منهم عددًا من اللغات، زيادة على مهارات وتخصصات فى الطب، والطب البيطرى، وأمور الزراعة والبناء والهندسة، وتحت أيديهم إمكانات مادية هائلة.

وقد انتشروا فى كل أنحاء العالم، وخصوصًا أحراش آسيا، ومجاهل أفريقيا، وهم يجدون مرعاهم الخصيب فى أوساط الفقراء من المسلمين والوثنيين.

 والحقيقة الثالثة والأخيرة خلاصتها أن أغلب دعاتنا المحليين لا يصلحون لنشر الدعوة على المستوى العالمي، لافتقارهم للغات الأجنبية – من جانب – وللثقافات العصرية من جانب آخر؛ لذلك يجب أن تتكاتف الحكومات العربية والإسلامية لإنشاء أكاديمية الدعوة الإسلامية العالمية لتخريج دعاة متخصصين لمثل هذه الدعوة، مسلحين برصيد ضخم من العلوم الدينية والعلوم العصرية، واللغات الأجنبية، حتى يرتفع صوت الأذان فى كل مكان، وتكون كلمة الله هى العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى.

9  وأخيرا أقول إنني اكتسبت فضيلة الصبر في صورتها الصادقة ؛ ففي هذه الغربة كنت أقوم بمهمتي الدراسية والتدريسية ، وأقوم بالقراءة والكتابة ، كما كنت أقوم بشئون مسكني بنفسي : من تنظيف إلى طبخ ، إلى غسل الملابس ، أي كنت أقوم بعمل يحتاج إلى عدة أشخاص وخصوصا ربة بيت ، وهذا ما أعني به الصبر في صورته الزاهية الصادقة ، وأصبحت أي صعوبة بعد ذلك تقابلني أتغلب عليها بإذن الله وبما حلى الله به نفسي من صبر في هذه الغربة القاسية .

قطرات نفس

 حديث إذاعي للإمام الشهيد

أذاع أمس حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ المرشد العام بدعوةٍ من هيئة وادي النيل العليا لإنقاذ فلسطين الحديث الآتي:

أيها المستمعون الكرام:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: فحديث هيئة وادي النيل العليا لإنقاذ فلسطين معكم الليلة عن “ثمن الحياة”، وعجيب أن يكون ثمن الحياة هو حب الموت ولا ثمنَ لها إلا هذا.

ولهذا كان فيما أوصى به أبو بكر- رضي الله عنه- خالدًا في بعض غزواته: “يا خالد أحرص على الموت توهب لك الحياة“.

والقرآن الكريم يقرر أن الفناء في الحقِّ هو عين البقاء، وأن ذات الموت في سبيل الله هو حقيقة الحياة فيقول﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ(169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ(170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (171) (آل عمران من 169 إلى 171 ) .

وتأمل هذه الإشارة اللطيفة في تلك الآيات الكريمة﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ (243) وَقَاتِلُوا في سَبِيلِ اللهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (244مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245 ( البقرة من 243 إلى 245)، لتعلم أن الموت ثمن الحياة، وأن حبَّ الحياة نذير الموت، وأن الأمةَ التي تريد أن تعيش كلها لا بد أن تموت كلها؛ لأنها لم تدفع من دمها ضريبة الحياة.

وليس حب الموت ثمن الحياة وحدها ولكنه ثمن الحياة، وثمن النصر وثمن العزة وثمن الخلود، وهي أطيب ما في الحياة، وهذا قانون لم يتخلف من قِبل ولا يتخلف اليوم ولن يتخلف من بعد لأنه سنة الله ﴿فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَحْوِيلاً﴾ (فاطر: من الآية 43.

أيها المستمعون الكرام:

لقد أدرك أسلافنا هذه الحقيقة فحرصوا على الحياة العزيزة الكريمة بالإقدام على الموت في ساحات المجد والبطولة وأغراهم بذلك قول الله تعالى﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ في سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ (التوبة: من الآية 111)، وقوله:﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ في سَبِيلِ اللهِ﴾ (التوبة: من الآية 41)، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: “ما ترك قوم الجهاد إلا ذلوا” (1) وقوله: “لوددت أن أقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل” (2).

وبذلوا الثمن غاليًا من دمهم وأرواحهم، وكان أحدهم يندفع إلى القتال حاسرًا لا يُبالي أوقع على الموت أم وقع الموت عليه، أو يقذف بنفسه من فوق الأسوار على الآلاف من جنود الأعداء، لا يرهب بأسهم ولا يخشى صولتهم، وليس له من رفيقٍ إلا السيف ولا من درع إلا الإيمان.

 وقف أبو دجانة (3) يوم الحديقة وقد تحصَّن فيها مسيلمة وأصحابه يقول: “ما وقوفكم معشر المجاهدين وعدوكم يجد ما يشاء من طعامٍ وشرابٍ ولا عليه أن تطول بكم هنا الساعات والأيام، فقالوا: ماذا نصنع وها أنت ترى ضخامة الأبواب وعلو الأسوار؟ فقال: “ضعوني فوق الجحفة وارفعوها على أسنة الرماح واقذفوا بي إلى الداخل بحذاء الباب ويكون الفتح إن شاء الله” فأنفذوا رأيه.

 وفوجئ مسيلمة وأصحابه بصاعقة تنزل عليهم من السماء، ولم يدعهم أبو دجانة يفيقون من هول المفاجأة، بل أعمل فيهم السيف حتى وصل إلى الباب وتمكَّن من فتحه، وتدفق المجاهدون فكان الفتح.

 وكان أبو دجانة وحده بهذا الرأي فرقة “الكوماندو” أمام المهاجمين، وأول مَن هبط “بالباراشوت” على المحصورين، وكان الإقدام والفداء ثمن هذا الانتصار على الأعداء.

 أيها المستمعون الكرام:

هذه سنة أسلافكم من قبل. وها أنتم اليوم تدعون لتدفعوا ضريبة الحياة بعد أن اضطركم عدوان العصابات الصهيونية الآثمة على الآمنين من إخوانكم عرب فلسطين ، وما ارتكبوه معهم من فظائع تقشعر منها الأبدان، إلى أن تهبوا لنجدتهم، وتنهضوا لنصرتهم ، وتؤدوا حق الروابط العزيزة التي تربطكم بهم، وتصونوا مقدسات الإسلام والمسيحية من فظائع هؤلاء المعتدين الذين لا يرقبون في مؤمن إلاًّ ولا ذمة.

فبادروا أيها القادرون إلى أداء الواجب كاملا غير منقوص، وابذلوا من مالكم وأرواحكم ومن أعز ما لديكم ما تشترون به كرامة الحياة وشرفالوجود. والله معكم ولن يتركم أعمالكم. وسيكون لكم النصر بإذن الله﴿إِن يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ﴾ آل عمران: (160 ) . 

أيها المستمعون الكرام:

ليس في العالم منذ فجر التاريخ إلى اليوم قضية أفضل من القضية التي تنتصرون لها، ولا حقَّ أوضح من الحق الذي تطالبون به، ولا ظلم أفدح من الذي تقاومونه، ولا عدوان أفظع من هذا العدوان الذي تقفون في وجهه.

ومهما تجمعت قوى الباطل عليكم وأبت الدول الاستعمارية الطامعة إلا أن تجحد حقكم، وتتنكر لصلتها بكم، وتهول بقوتها عليكم، فإن الله أقوى وأعز وأكبر وأجل، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

وليكن جوابنا لهم اليوم ما أجاب به المؤمنون من قبل﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾(آل عمران 173) ، وستكون عاقبتنا كعاقبتهم ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللهِ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ﴾(آل عمران 174)، ولن يعدو أمرهم هذا الوصف﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ (آل عمران 175)، فلا تخافوهم وخافوا الله وحده وعنده النصر وهو ولي التوفيق.

أيها المستمعون الكرام:

إن هذا الموقف الجديد المجيد الذي تقفونه اليوم يَفرض عليكم أن تصدقوا التوجه إلى الله عزَّ وجل، وأن تسألوه من فضله التأييد والنصر، وأن تستعينوا على ذلك بالطاعة وعمل الخير والبعد عن المنكر والإثم، وأن تزنوا كل قول وعمل بميزان التبصر والحكمة والعقل، وأن تتطوعوا بالإنفاق والبذل، وأن تتجهزوا لمقتضيات القتال والغزو، فمن كان مستطيعًا فبنفسه، ومَن لم يستطع فيجهز غيره، ومَن جهَّز غازيًا أو خلفه في أهله بخير فقد غزا(4)، وإنه لأمر له ما بعده ولن يكون بعده إلا الخير إن شاء الله، ويأبى الله إلا أن يتم نوره، ومتى دفعتم الثمن فقد ضمنتم الجزاء.. ﴿وَمَنْ أَوْفي بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِى بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾(التوبة: من الآية 111).

وسلام الله ورحمته وبركاته على المجاهدين الأعزاء ورضوانه ومثوبته وجنته للشهداء الأوفياء. 

 والله أكبر ولله الحمد.

هذا المقال نشر بجريدة الإخوان المسلمين اليومية، العدد (632)، السنة الثالثة، 12 رجب 1367- 21 مايو 1948، ص(1، 5).

** الحواشي:

(1) أخرج الطبراني في “الأوسط”، (2 / 228)، من طريق أبي بكر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: “ما ترك قوم الجهاد إلا عمهم الله بالعذاب”، وقد صححه الألباني في “السلسلة الصحيحة، (6/352).

(2) أخرجه البخاري عن أبي هريرة في الجامع الصحيح

(3) سها الإمام رحمه الله بعزو هذا الموقف لأبي دجانة سماك بن خرشة، ولكنه للصحابي الجليل البراء بن مالك رضي الله عنهما. [انظر: ابن عبد البر: الاستيعاب في معرفة الأصحاب، (1/48(.

(4) يشير الإمام البنا إلى حديث الرسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم “مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا في سَبِيلِ اللَّهِ فَقَدْ غَزَا وَمَنْ خَلَفَهُ في أَهْلِهِ بِخَيْرٍ فَقَدْ غَزَا،والذي أخرجه البخاري في “الْجِهَادِ وَالسِّيَرِ”، باب: “فَضْلِ مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا أَوْ خَلَفَهُ بِخَيْرٍ”، ح (2631)، ومسلم في “الإِمَارَةِ”، باب: “فَضْلِ إِعَانَةِ الْغَازِي في سَبِيلِ اللَّهِ بِمَرْكُوبٍ وَغَيْرِهِ وَخِلافَتِهِ فِي أَهْلِهِ بِخَيْرٍ”، ح (3511، 3512(

الجمعة 4 من المحرم 1403 (22 من اكتوبر 1982)

Print Friendly, PDF & Email
مقالات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

img
القائمة البريدية
img