img
يومياتي في أمريكا: بلاد الكلاب .. والخضرة .. والآيس كريم (3)
img
Print pagePDF pageEmail page

يومياتي في أمريكا:

بلاد الكلاب .. والخضرة .. والآيس كريم

(3)

(3) رسالة إلى لمياء

بنتي الحبيبة لمياء .. السلام عليك ورحمة الله وبركاته ، عظيم شوقي إليك وإلى أخويك ياسر وسامح , وشقيقتيك  حنان وعبير .. وقبل هؤلاء جميعا أمك الطيبة  شريكة عمري فى المنشط والمكره ، والسراء والضراء  . وأقسم ياحبيبتي لو تحولتُ إلى شوق يسعى إليك لكنتُ بـ” كلي” عندكم , ولم يبق مني هنا شىء .

حبيبتي لمياء , أنا أعرف أنك هذا العام ” في عنق الزجاجة ” أي في السنة النهائية من الثانوية العامة .. وأنا حريص  جدا  على أن تنتفعي بكل دقيقة من وقتك . ولكن ما حيلتي وقد  استحلفتني أن تكون أول رسالة أبعث بها موجهة إليك, أشرح لك فيها وضعي الجديد ، وأعتقد أن اهتمامك الأكبر موجه إلى ” المسكن ” . فاطمئني ياحبيبتي فقد تسلمت المسكن وعنوانه الذي ستراسلونني عليه هو 354 Canner St.   : العمارة  على ربوة … وهي من طبقات  ثلاث : الأرضي والأول والثاني  وكل طابق يضم قرابة ست شقق .. تسلمت المفتاح من مدير الإسكان  وهو زنجي طيب – وهو يرعي شئون العمارة من مكتبه في العمارة  . شقتي تتكون من صالة استقبال … وفي ركن على يسارها مطبخ  ثابت به مانسميه فى مصر بوتاجاز ، ولكنه يعمل بالكهرباء وبجانبه ثلاجة ، ومنضدة  متوسطة لتناول الطعام. أما صالة الاستقبال فتضم عددا من الكراسي المبطنة بالجلد .. وفي الداخل حجرة النوم والحمام . وحجرة النوم بها سرير كبير ودولاب في الحائط  ، وقد لاحظت  أن النوافذ هنا من طبقتين من الزجاج بينها  فراغ قرابة 15 سم حتى يحفظ الحرارة ، ويمنع برودة الجو  أن تتسرب من الخارج  إلى الشقة . وفوق الفرن جهاز إنذار للحرائق .. وعلى الفرن مؤشر يًـضبط تبعا للصنف المطهو ، ويتوقف آليا عند نضج ما بداخل الفرن . ولي فى الدور الأرضي صندوق بريد يستغرق الزجاج قرابة نصف بابه . نظرت إليه من الخارج فوجدت مظروفا كتب عليه ما يعد أكبر مفاجأة لي: جملة بالانجليزية بخط كبير نصها   Mr.Komeha win one million dollar إنها مفاجأة عجيبة . أحقا كسبت مليون دولار . ثم قفز الشك  إلى نفسي إذ تذكرت القاعدة الإنجليزية التي توجب وضع حرف “S ” بعد الفعل المضارع فيصير الفعل ًWins . وفتحت الصندوق على عجل فإذا  به اعلان نصه Mr. K. Can win إذا واظب على قراءة المجلة الأسبوعية The Plain Truth  ، واجاب على أسئلة أعداد شهر نوفمبر 1981 . وعنوان المجلة معناه : الحقيقة الواضحة . وهي مجلة دينية مسيحية ، تعالج مسائل الدين بطريقة جذابة ومنهج واضح . وهذا ولا شك فن  من الإعلان المبتكر .

**********

المبنى الذي أشغل إحدى شققه  عنوانه354 Canner St.  ويقع على ربوة ترتفع تدريجيا , ولا يحس الإنسان بهذا الارتفاع إلا إذا نظر من النافذة .. إنه يرى مدينة نيوهافن  بما فيها الجامعة – راقدة في مستوى منخفض .. والعمارة يالمياء كأنها شجرة ضخمة  جدا  في عالم سحري من الخضرة …  لاترى عيناك بجوارها وعلى امتدادها  إلا خضرة ساحرة . وبينها وبين الجامعة مسيرة عشر دقائق سيرا على قدمي , أو عشرون دقيقة ( بالباص) لأنه يمر بعدة أماكن قبل أن يصل إلى الجامعة  .

وأنا أوثر السير على قدمي كنوع من مزاولة الرياضة, ولأمتع عيني بالسحر الأخضر  على جانبي الطريق وأنا أسير بين تلين منخفضين … مكسوة أرضهما بالحشائش الخضراء .

وأرى في هذه التلال حيوانا لطيفا هو السنجاب … وهو يشبه الأرنب إلى حد كبير .. وإذا رأى بشرا أسرع إلى أقرب شجرة وصعد إليها , وعيناه على من يرى من البشر .

  وهو حيوان غير مخرب  .. فلا يأكل إلا القشور الجافة والحب الساقط من الشجر … كما أنه لايدخل البيوت أبدا … وما أجمله يالمياء وهو يمرر رجليه الأماميتين أو إحدى رجليه في هيئة من يمسح فمه وخصوصا بعد أن ياكل شيئا!! .

**********

ولا أنسى أن أثني في هذه الرسالة على استاذ عظيم اسمه ” البروفيسور بوب” , إذ أصر الرجل على أن يحضر لي تليفزيون من بيته . والرجل يتقن العربية خطا لانطقا .. ومنه علمت أنه مكث فى الأردن مدة طويلة للتنقيب عن الآثار .. ولم أطرح عليه مزيدا من الأسئلة .. فقد يكون هناك  ما يتعلق  بإسرائيل , والرجل للحقيقة – لا أعرف ديانته حتى الآن .

**********

  تسلمت جهاز التليفون   وركبته في الشقة وبعد نصف ساعة جاءت الحرارة

**********

  بالأمس كان ميعاد ” اللنش ” LUNCH , كان الطلاب قرابة عشرين- طالبة وطالبا – وفي الثانية عشرة قادنا دكتور روزنتال إلى مطعم الجامعة .. وعلى الزبائن تطبيق قاعدة ” أخدم نفسك بنفسك ” Serve Your Self : يحمل الزبون ” صينيته ” ويمر على الأصناف المختلفة يأخذ منها ما يريد .

  قال لي د. روزنتال :

  ـ أسمح لي أن أنتقي أنا لك أصناف طعامك .

  ـ لا .. وشكرا … يكفيك أن تحمل أنت صنيتك بطعامك .

  ـ الهدف هو أن تتفادى أي صنف داخل في طهوه دهن الخنزير؛ فهذا حرام في الإسلام . وشكرت الرجل على هذه اللفتة الطيبة .

وبعدها جلسنا قرابة ساعة في نقاش متواصل . وكانت الموضوعات التي يثيرها الطلاب والطلبة  تدور حول المحاور الآتية :

·  مصر ومركزها السياسي  والاقتصادي في المنطقة العربية ، وبين دول العالم .

·  الحل الذي تراه للقضية الفلسطينية .

·  تقولون إن الإسلام دين العدل والتسامح والسلام , فلماذا لانجد العنف والدموية  والدكتاتورية إلا في البلاد العربية والإسلامية؟؟ .

·  مستقبل العرب في ضوء المواضعات المستجدة في العالم .

·  ماذا فعلت الحكومة المصرية لحل مشكلات الشباب ؟؟.

·  نعتقد أنك عاصرت في مصر نوعين من الحكم : الحكم الملكي ثم الحكم العسكري من أيام ناصر حتى مبارك , فأيهما كان أفضل لمصر من وجهة نظرك ؟

**********

وعدت  إلى سكن الحبيب فى الثانية عصرا .. ومررت بالجرين ، وهو ساحة خضراء واسعة جدا .. أمام كنيسة البلدة .. يمرح فيها أعداد كبيرة من الحمام ” السمين ” … وسال لعابي… وخطرت لي فكرة قد أنفذها في يوم من الأيام القادمة إن شاء الله .

**********

حبيبتي لمياء أدعو الله أن ينقذك من عنق الزجاجة على خيرما تحبين ونحب .. كما  آمل أن تكوني على عهدك الذي قطعته على نفسك , وهو حفظ جزء من القرآن في شهر أو شهر ونصف ، وحفظ أربعة أحاديث كل شهر . حفظ قرابة صفحة من ” رسالة الشباب ” للإمام الشهيد حسن البنا  . فأنت معجبة بها , ومقبلة عليها ، وحفظك لها يقـوِّم  أسلوبك ، ويكسبك كثيرا من القيم الدينية والخلقية  والنفسية ، وأذكرك بآخر جزء حفطته منها. وهو:

( أيها الشباب : إن الله قد أعزكم بالنسبة إليه, والإيمان به, والتنشئة على دينه ، وكتب لكم بذلك مرتبة الصدارة من الدنيا, ومنزلة الزعامة من العالمين , وكرامة الأستاذ بين تلامذته  ( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ) (أل عمران 110 ) ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ) (البقرة 143)  .

فأول ما يدعوكم إليه أن تؤمنوا بانفسكم ، أن تعلموا منزلتكم , وأن تعتقدوا أنكم سادة الدنيا وإن أراد لكم خصومكم الذل ، وأساتذة العالمين وإن ظهر عليكم غيركم بظاهر من الحياة الدنيا . والعاقبة للمتقين .

فجددوا أيها الشباب إيمانكم ، وحددوا غايتكم وأهدافكم ، وأول القوة الإيمان,  ونتيجة هذا الإيمان الوحدة ، وعاقبة الوحدة النصر المؤزر المبين ، فآمنوا, وتآخوا, واعلموا , وترقبوا بعد ذلك النصر .. وبشر المؤمنين .

إن العالم كله حائر يضطرب ، وكل ما فيه من النظم قد عجز عن علاجه, ولا دواء له إلا الإسلام ، فتقدموا باسم الله لإنقاذه ، فالجميع في انتظار المنقذ ، ولن يكون المنقذ  إلا رسالة الإسلام التي  تحملون مشعلها وتبشرون بها ).

***

حبيبتي لمياء أذكرك ببعض كلمات أمي… جدتك , رحمها الله ….“الغُربة كربة … ربنا ياابني ينصرك في غربتك” . وهل تذكرين آخر ما قلته لك وأنا اودعك إلى المطار؟؟  قلت لك يالمياء قرأت لشاعر عربي قديم ما قاله لابنه الراحل في سفرة طويلة : يابـني

أودعًك الرحمنَ   في  غربتكْ               مرتقبا رُحماهُ في أوبَتِِِكْ

فلا تُـطلْ حبْـل النوى إنني               أشتاق  والله إلى  طلعتك

وطلبت منك يا لمياء أن تردديهما  بعدي عدة مرات ,  ففعلت , لكني أعتقد أنك نسيتهما , لذلك اسجلهما لك  فاحفظيهما .

*********

كما أوصيتك بإتقان اللغة العربية ….لغة القرآن . وحدثتك طويلا عن عمر بن الخطاب  رضي الله عنه , وكلمات قالها . أرى أن أسجلها لك مرة أخرى .

رحم الله عمر بن الخطاب ـ ورضي الله عنه ـ حين أمر أحد ولاته بضرب كاتبه؛ لأنه أخطأ في كلمة واحدة في رسالة موجهة من الوالي إلى الخليفة عمر ـ رضي الله عنه ـ إنها غيرة متدفقة معه على لغة القرآن الكريم. ومن كلماته الخالدة “تعلموا اللغة العربية، فإنها تثبت القلوب، وتزيد في المروءة”.

 والتوجيه العمري يعني أن تعلم اللغة العربية يحقق نتيجتين، كلتاهما من أنبل وأجل الصفات الإنسانية والتربوية:

النتيجة الأولى: تثبيت القلوب.

والنتيجة الثانية: زيادة المروءة.

**********

والقلب ـ في اللغة بصفة عامة، وفي الاستعمال القرآني بصفة خاصة ـ يستخدم بمعنى “العقل” ويستخدم بمعنى الجانب الشعوري والعاطفي في الإنسان. هذا زيادة طبعًا على استخدامه بمفهومه العلمي بمعنى “العضلة الضاخة للدم” . أما “المروءة” ففسرها صاحب الصحاح بالإنسانية.

وعودًا على ما سبق تكون النتيجة الأولى: هي تثبيت النفس والشعور والعقل. أما النتيجة الثانية فهي زيادة الملامح والصفات الإنسانية في الإنسان.

ولكن كيف يتم تحقيق هاتين النتيجتين عن طريق تعلم اللغة العربية، والإجابة تتلخص ـ بقدر فهمي ـ في آن من يتعلم العربية، ويتعمقها، ويُخْلص الود لها بفروعها المختلفة، ووجوهها المعنوية والجمالية سيكون همه منصرفًا إلى القرآن الكريم ببيانه المعجز، وأبعاده الفكرية والروحية، وقيمة الاجتماعية والنفسية: يفهم كل ذلك، بل يعايش كل ذلك، فيكون تثبيت القلب، وزرع الطمأنينة فيه، مصداقًا لقوله تعالى: (أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) الرعد28  . ومن معاني الذكر: الدعاء، والصلاة، والقرآن الكريم.

كما أن تعمق اللغة العربية، ومعرفة أسرارها، ووجوهها الجمالية سيقود الإنسان إلى معايشة النماذج الشامخة النبيلة من الشعر والنثر. وصدق رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذ قال ” إن من البيان لسحرًا، وإن من الشعر لحكمة “ وقد أكد عمر ـ رضي الله عنه ـ هذا المعنى بقوله: “ارووا الأشعار، فإنها تدل على الاخلاق”.

وكل أولئك سيؤدي إلى تهذيب الذوق، وصقل النفس، وتصفية الروح، وزيادة المروءة. وقد رأيت صدق مقولة عمر بنفسي، وأنا طالب في الجامعة، فقد كان أضلع أساتذتنا في اللغة العربية، وأحرصهم على التزام الفصحى في الشرح والحديث هم أكرمهم أخلاقًا، وأنبلهم عاطفة، وأحياهم ضميرًا.

ورحم الله عبد السلام هارون، وعلي الجندي، وأحمد الحوفي. وبارك الله جهود من سار على دربهم اعتزازًا بالعربية، وعملاً على الحفاظ عليها، والنهوض بها، ورفعة شأنها.

**********

حبيبتي لمياء , أنا أعلم أن وقتك ضيق ؛ فأنت في عنق الزجاجة , أي في السنة النهائية من المرحلة الثانوية ,ولم يبق إلا القليل لتجتازي هذه المرحلة باتوفيق والتفوق إن شاء الله . والآن يودعك قلمي , ليتوهج شوقي . تحياتي المعطرة لوالدتك ولأخويك وشقيقتيك . وفقك الله , وإلى اللقاء في رسالة أخرى, بمشيئة الله .

**********

هذا…وأعتقد أن من حق القارئ أن أزيده قربا من جامعة ” يـل ” YALE التي أؤدي مهمتي العلمية فيها لمدة عام ( 1981ـ 1982 ) , وكذلك يزداد قربا من أهم أساتذتها , ليعرف ما لم يكن يعرف , بل يعلم ما لم يكن يعلم . فإلى اللقاء في يومية قادمة , إن شاء الله.

Print Friendly, PDF & Email
مقالات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

img
القائمة البريدية
img