img
يومياتي في أمريكا: بلاد الكلاب .. والخضرة .. والآيس كريم (18)
img
Print pagePDF pageEmail page

يومياتي في أمريكا:

بلاد الكلاب .. والخضرة .. والآيس كريم

(18)

بين الجليد الأمريكي والجليد العربي

 وأنا في مغتربي الأمريكي أرى الجليد في كل مكان ، البياض يوشح كل جانب من جوانب الأرض ، ما أبهر المنظر … ماأجمله … وما أبهاه !!!

 تجلت قدرة قدرة الخالق هنا وهناك ، ومن أجمل المناظر ، وأكثرها جاذبية صورة بعض الأشجار الدائمة الخضرة ، وقد تغطت بعض رؤوسها وجوانبها بالجليد ، فاختلط البياض الناصع بالخضرة الحانية , وأشهد أنني لم أر في حياتي أنصع من هذا اليباض . ألا ما ابلغك يا سيدي ، يا رسول الله ـ صلى الله عليك وسلم ــ حين كنت تدعو للميت قائلا ” اللهم غسله بالماء والثلج والبرد . اللهم نقه من الخطايا كما ينقي الثوب الأبيض من الدنس ” .

 ومن عجب أن الجليد حينما “يأخذ حقه ” في الهطول يبدأ الجو في الاعتدال إلى حد كبير ، و الأمريكيون لا يقلقهم الجليد في حد ذاته ، ولكن الذى ” يعكنن عليهم ” هو البرد الشديد من ناحية ، والعواصف الشديدة من ناحية أخرى . والعواصف الشديدة تؤدي إلي كوارث تنزل بالسيارات والطائرات ، كما تؤدي إلي كثير من الحرائق والدمار

 وربما كان أول جليد رأيته يوم الاثنين 14 من ديسمبر 1981 وفي يومية هذا اليوم كتبت :

” في السابعة من مساء اليوم استيقظت من نومة الظهيرة علي جلبة أطفال أمام المسكن ، فنظرت من نافذتي الزجاجية لأري أجمل منظر يمكن أن تشهده عيناي ، إن السماء أهدت الأرض ثوبا من الفضة … اختفت خضرة الارض ، وسواد الشوارع … كل شيء مغطي بالجليد … خلال ساعتين أو ثلاث … هبطت موجات من ندف الجليد فغطت كل شيء . الأطفال فرحون سعداء بهذا البياض ، بعضهم كان معه زحافات يجلس ، أو يقف عليها ، ويتزحلق . وبعضهم يكومون في أيديهم كورا من الجليد ويتقاذفون بها . كانت ندف الجليد مازالت تنزل متهادية من السماء .

 لبست أثقل ثيابي و طاقيتي الصوفية ، وخرجت ومعي مظلتي إلي شارع ” بروسبكت ” حيث المنخفضات على اليمين والمرتفعات علي اليسار ، لأشهد مولد عيد حقيقي من أعياد الطبيعة ، كانت ندف الجليد تهبط ، فتنعكس عليها أشعة مصابيح الشارع ، فتبرق بريق قشور من الفضة ، وسعدت لأن حذاء الجليد الذي كنت أنتعله اجتاز التجربة بنجاح . كنت أشعر أنني أمشي في مدينة من القطن الطبي … كل شيء قد اكتسي بالبياض: الأرصفة … الحشائش الخضراء … الأشجار التي نفضت عنها كل أوراقها … السيارات الجاثمة أمام المنازل .

 وخرجـت بعــض الأســر ومعــها كلابـها تشهد مولد الجليد الذي تأخر هذا العام

 ــ كما يقولون ــ . وكنت منبهرا أمام هذا السحر الساحر ، فلم أفتح مظلتي إلا بعد أن رأيت بعض المارة يرفعون مظلاتهم علي رؤوسهم .

 ووجدتنى أهتف في نفسي لنفسي : أين أنت يا لمياء ؟ فأنت علي استعداد ــ كما اعتقد ــ أن تدفعي كل ما تملكين في سبيل رؤية هذا المنظر ، واعتقد ــ وسامحيني ــ انك علي استعداد ان تدفعي سنة من عمرك الطويل لتعيشي بنفسك هذا المنظر .

 ونسيت نفسي فوجدتني ــ وأنا في طريق العودة إلي مسكني ــ أجمع بعض الجليد بين يدي ، وأصنع منه كرة كالاطفال … أعبث بها … أقذفها في الهواء ، ثم أستقبلها باليد او اليدين ، ولم اتركها الا أمام مسكني ، وأنا أهم بالصعود” .

 وسجلت في يومية الثلاثاء 15 من ديسمبر 1981 الكلمات الأتية : “كان أول ما فعلت حال استيقاظي من نومي في العاشرة و النصف صباحا أن أزحت ستار نافذتي الزجاجية ، ونظرت إلي المنطقة المحيطة بالمسكن لأجد بعض الجليد قد انكشف عن الشارع ، وعن الرقعة الخضراء ، ولكن أغلب الجليد ما يزال يغطي الأرض المرتفع منها و المنخفض ، فظهرت الطبيعة بألوان ثلاثة : سواد الشارع ، وخضرة المروج ، وبياض الجليد . وكلها ألوان لامعة بارقة . كنت أشعر بجوع ملح لأستئناف النوم ، ولكني تحاملت علي نفسي وجلست إلي مكتبي ، ثم خرجت إلي مشيتي المعتادة ، بحيث كانت مناظر الشوارع مازالت تأخذ بالأبصار : السواد… الخضرة … البياض الغالب . ما أجلك ، وما أعظمك ، يا خالق الكون فأنت جميل ، تحب الجمال .

 وفي يومية الأحد العاشر من يناير سنة 1982 سجلت هذه الكلمات:

” الأرض كلها مفروشة بالجليد الذي يغلف كل مكان ، ولا يكاد يظهر من الأرض إلا الطرق التي تنساب سوداء هنا وهناك ، بعد أن ازال العمال الجليد عنها ورشوها بالرمال الخشنة ، حملت ” الكاميرا ” وخرجت باحثا عمن يلتقط لي بعض الصور في الجو الجليدي الساحر ، كانت البرودة طاغية ، واذكر انني ــ منذ قدومي ــ ما واجهت مثل هذه البرودة القاسية ، أحسست أن أطرافي ستتجمد ، وضعت يدي في أعماق جيب معطفي وحفظت الكاميرا في داخل الجيب . وعثرت على هندي كان معه طفله الصغير, استجاب لى والتقط لي أكثر من عشر صور ، بعد أن أخبرني أنه بارع في التصوير ، واكتشفت بعد ذلك انه صور كل شيء إلا “أنا ” .

 وأمام البيت من الناحية المقابلة كان هناك بضعة أطفال يتزحلقون علي الجليد بزلاقاتهم التي تشبه القوارب الصغيرة ولكن بلا أعماق ، وكانوا يندفعون بها من ارتفاعات لا تقل عن عشرة أمتار . ولم أتحمل البرد فعدت إلي مسكني .

 وفي يومية الاربعاء 13 من يناير 1982 كتبت الكلمات الآتية :

” العواصف الثلجية من يومين تسود أنحاء عديدة في الولايات المتحدة ، البرد اللاسع في كل مكان . بلغت درجة الحرارة بالأمس في شيكاغو 70 تحت الصفر, وهي درجة لم تشهد أمريكا لها مثيلا من 120 سنة كما يقولون . قام حريق في مصنع , فأتي علي كل ما فيه ما عدا الحيطان فقد حماها الجليد المتراكم عليها ، وعجز رجال الإطفا ء عن القيام بمهمتهم بسبب تجمد الماء في الأنابيب . درجة الحرارة عندنا في ولاية ” كنكتكت ” بلغت 13 تحت الصفر … علا الجليد في الشوارع كلها بكل ما فيها بشكل لم أشهده من قبل ، وكان منظر السيارات المدفونة تحت الجليد يدعو للعجب و ألأسى في وقت واحد .

 وفي يومية 23 من يناير 1982 : ” الجليد … الجليد نزل اليوم بغزارة ، ثم هطلت الأمطار فتحول الجليد ” Snow ” إلي ثلج “Ice ” ومعنى ذلك أن الجليد الذى كان منفوشا وسهلا ويسمح للسائرين و السيارات بالسير عليه أصبح ثلاجا متجمدا متماسكا كالبلاط الزلق مما يجعل السير عليه ضربا من المستحيل . لذلك نري العمال بالعشرات يحاولون شق طريق للسيارات في هذا الركام العالي من الثلج .

 **********

مع الجليد العربي

 ولقد كان الثلج أو الجليد خيرا وبركة للمسلمين من إثني عشر قرنا . ولنعش مع القارئ صفحة من التاريخ تشرح هذه الحقيقة :

” اتفقت الملكة ريني ملكة الروم سنة 790 م مع هارون الرشيد ( 145 هـ – 193 هـ ) علي الصلح و المهادنة مقابل جزية تقوم بدفعها .

 وفي سنة 802 م تولي الحكم بعدها ” نقفور ” الذي خلعها بالقوة ، وكتب إلي هارون الرشيد كتابا يدل على سوء الأدب ومنه ” … إذا قرأت كتابي هذا فاردد ما حصلته من أموال ريني ، وافتد نفسك بما يقع به المصادرة لك ، وإلا فالسيف بيننا وبينك ” فلما قرأ الرشيد الكتاب استفزه الغضب حتي هاب كل من في مجلسه أن ينظروا إليه من شدة غضبه ، ودعا بدواة وكتب على ظهر كتاب نقفور ” بسم الله الرحمن الرحيم من هارون أمير المؤمنين إلي نقفور كلب الروم ، قد قرأت كتابك , و الجواب ما تراه دون أن تسمعه ياابن الكافرة . و السلام “.

 ثم شخص من يومه بجيش كبير حتي وصل إلي بلاد الروم ، ففتح ، وغنم ، واصطفي ، وأفاد ، وخرب ، وحرق ، واصطلم . فطلب نقفور الموادعه على خراج يؤديه كل سنة ، فأجابه هارون إلي ذلك . فلما رجع من غزوته وصار بـ “الرقة ” نقض نقفور العهد وخان الميثاق ، وكان البرد شديدا والأرض مفروشة بالجليد في منطقة الرقة وما وراءها ، وجاء الخبر بنقضه العهد ، فما جرؤ أحد أن يخبر الرشيد من شدة هيبته ، فاحتيل بشاعرا يكني ” أبا محمد عبد الله بن يوسف ” فقال قصيدة منها الأبيات التالية :

نـقـض الذي أعطيته نقفورُ
أبـشـر  أميرَ المؤمنين فإنه
فـلقد تباشرت الرعية أن أتي
ورجت يمينك أن تعجل غزوة
وعـلـيه  دائرة البوار تدور
فـتـح  أتـاك به الإله كبير
بـالـنقض  عنه وافد وبشير
تـشفى النفوس مكانها مذكور

فلما فرغ الشاعر من إنشاده قال الرشيد : أو قد فعلها نقفور ؟! ولم يمنعه الجليد من أن يعود بجيشه لينزل بنقفور هزيمة نكراء .

**********

وهناك فضل كبير للجليد والثلوج على الادب العربي يتمثل في “حماسة أبي تمام “

” ونعيش مع حماسة أبي تمام أي (ديوان الحماسة) الذي يجمع بين دفتيه قرابة أربعةِ آلاف بيت، اختارها أبو تمام: حبيبُ بن أوْسٍ الطائي منْ أشعارِ العرب، لعشراتٍ من الشعراءِ في أغراض مختلفة، وقد قسَّم أبو تمامٍ هذه المختارات الشعرية إلى عشرة أبواب هي: بابُ الحماسة ـ باب المراثي ـ باب الأدب ـ باب النسيب ـ باب الهِجاء ـ باب الأصنافِ والمديح ـ باب الصفات ـ باب السَّيْرِ والنُّعاس ـ باب الملح ـ وأخيرًا باب مذمَّةِ النساء.

إنّ أبا تمام يُعدُّ من أشهر شعراء العصر العباسي مع انه لم يعش إلا قرابة أربعين عامًا من سنة 190 إلى سنة 231 هجرية (من سنة مائة وتسعين إلى سنة إحدى وثلاثين ومائتين) وهو صاحب مذهب فني ملأ الدنيا، وشغلَ الناس.

لكنْ ما الذي دفَعَ أبا تمام إلى جمع هذه الأشعارِ في ديوان واحد؟

إن الفضلَ الأول في ذلك يرجع إلى الثلج.. نعم إلى الثلج:

فالتاريخ يروي أن أبا تمام قصد عبدَ الله بن طاهرٍ بخُراسانَ فمدحه، فلما لم يجدْ الحظوة التي كان يتطلع إليها تركه إلى العراق، وفي طريقه مرَّ بهمَذَان، وفي هذه الأثناء هَطلَ ثلجٌ غزير” عظيمٌ قَطعَ الطريق، فاستبقى أبو الوفاء أبا تمام عنده، وهو سعيدٌ بذلك، ومَكنَهُ منْ خزانة كتبه، وكانتْ غنيةً عامرة، فأخذ أبو تمام يقرأ ويُصنِّف، فاختارَ من أشعارِ العرب ما رأى أنه أحسُنها وأجملها , وجَمَعَهُ في ديوان واحدِ سمَّاه (الحماسة) استغرق من الديوان قرابةَ ثُلثْه، فهوَ أطولُ الأبواب.

ـ لأنَّ الحماسةَ جاءتْ أولَ الأبواب ترتيبًا.

ـ أو لأنَّ الحماسةً لها مكانةٌ رفيعة عند العرب فهي تعني الشجاعة، والقوةَ والثباتَ والمنعة.

***

وقد آن لنا ـ يا عزيزي المستمع أن نعيش مع قُطوفٍ من حماسة أبي تمام:

قال الحارثُ بن وَعْلَةَ الجَرْمِي:

قَوْمِي  هُمُ قَتَلُوا أُمَيم أخِي        فإذا  رمَيْتُ  يُصيبني سَهْمي

فلَئِنْ عَفَوْتُ لأَعْفُوَنْ جَللاً        ولَئِنْ سَطَوتُ لأُوهِنَنْ عَظْمِي

وفي المعنى نفسه يقولُ أعرابيٌُّ قَتلَ أخوه ابنًا له:

أقولُ  للنفسِ  تأساءً  وتعزيةً        إحدى  يديَّ أصَابتْني ولَمْ تُرِدِ

كِلاهُما خَلَفٌ مِنْ فقْدِ صاحبهِ        هذا أخي حيَن أَدْعُوهُ وَذَا وَلَدِي

ونلجُ بابَ المراثي لنلتقي بالشاعر متمم بن نويرة، الذي ظل يبكي أخاه مالكًا طيلة حياته، وبلغ من حزنه أنه كان يبكي على أي قبر يراه، فلما لاموه على هذا الإسراف قال:

لقدْ لامني عندَ القبورِ على البُكا
وقـالَ  أتـبكِي كلَّ قبر رأيتَهُ
فقلتُ له “إن الشجا يبعثُ الشَّجا
رَفيقي لتذْراف الدموعِ السوافِكِ
لقبرٍ ثَوَى بيْنَ اللِّوى فالدكادِكِ؟
فـدعـنـي فهَذا كلُّه قبرُ مالكِ

ــــــــــــــــــ

23 من يناير سنة 1982

Print Friendly, PDF & Email
مقالات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

img
القائمة البريدية
img