img
يومياتي في أمريكا: بلاد الكلاب .. والخضرة .. والآيس كريم (11)
img
Print pagePDF pageEmail page

يومياتي في أمريكا:

بلاد الكلاب .. والخضرة .. والآيس كريم

(11)

طوابع ومواقف وتقاليد

وما اسجله في السطور الآتية  يعتمد على مشاهدات ميدانية ، لا تخفى على أحد ، وهي في مجموعها تبين عن بعض ملامح المحتمع الأمريكي .

ولأبدأ بالطالب الأمريكي :

الطالب الأمريكي – وخصوصا طالب جامعة يل – يتسم بالنشاط ، والإقبال على الدراسة والعمل ، ويستغل وقته استغلالا مثمرا نافعا .

وقد لاحظت أن كثيرين من هؤلاء الطلاب يعملون في المحلات التجارية القريبة من الجامعة ، وذلك في أوقات الفراغ بين المحاضرات ، فالعمل هنا – كما هو معروف – بالساعة لا باليوم وبالشهر .

وبعض الطلاب يعمل في مرافق الجامعة … في مكتباتها  … وأعمال الحدائق … وقيادة سياراتها  ، على ألا تزيد ساعات عمل الطالب على 14 ساعة أسبوعيا . حتى لا يجور وقت العمل على واجبات الدراسة .

وقد سألت أحد الطلاب وهو من أسرة مشهورة بغناها في الولايات المتحدة – ويعمل سائقا لأحد ” باصات ” الجامعة … سألته : لماذا تعمل مع أنك من أسرة غنية جدا ؟ فكان جوابه : ولماذا لا أعمل مع أنني من أسرة غنية جدا ؟ .

فأدركت أن هؤلاء الطلبة يعملون بجانب دراستهم بهدف التدريب والاستزادة من الخبرة ، وكذلك كنوع من التغيير والتنويع ، وأخيرا للكسب المادي .

*************

التاج سيل      Tag Sale 

ومعنى هذا التركيب : أوكازيون الأشياء المستعملة .

وصورته : أن الأسرة التي تنوي ترك مسكنها ، لتنتقل إلى بلد ، أو دولة أخرى ، تبيع مقتنياتها من ملابس وكتب ، وأجهزة كهربية ، وأدوات مكتبية وآلات موسيقية … الخ .

والأسرة تُـخْرج إلى حديقة المنزل ما تريد بيعه.. وتعلق إعلانات على الشجر  بعنوان المنزل , ويتصدر الإعلان- بخط كبير – عبارة Tag Sale . وأحيانا تكتب أنواع الأشياء المعروضة , وغالبا ما يكون ذلك في أيام السبت.

وفي حديقة المنزل نرى ربة الأسرة وأبناءها وقد توزعوا على المعروضات … كل منهم يبيع ما يخصه: فربة البيت تعرض ملابس وأدوات منزلية ،وأبناؤها الشباب يعرضون ما يخصهم من أدوات مكتبية ورياضية . والصغار يعرضون  لعبهم وكتبهم . ومن أغرب ما رأيت مشهد طفل صغير من الأسرة أمامه وعاء زجاجي كبير  مملوء بعصير الليمون( صناعة منزلية ) يبيعه للزبائن ” في أكواب  ورقية , تلقى في سلة قمامة صغيرة بجانبه بعد انتهاء الشرب ”

وعرفت بعد ذلك أن كل فرد من أفراد الأسرة له ” دخل” مبيعاته. وأذكر أنني ـ في وأحد من هذا التاج سيل ـ أعجبت  بكتاب ضخم من كتب الأطفال وعنوانه The Big StorY Book . وقلت في نفسي أشتريه ، وأترجم قصصه إلى العربية…  فموضوعاته طريفة ,  كما يظهر من عناوين القصص ،كما أن المكتبة العربية فقيرة  في أدب الأطفال ، والكتاب مصنف إلى تسعة محاور أهمها :

Puppy Stories – TraiN Stories  -Horse Stories – Kitten Stories

Funny Stories,

وكل محور منها يندرج تحته عدد من القصص تجمع بين الطرافة والهادفية والأخلاقية , كما تصور كثيرا من ملامح  المجتمع الأمريكي .

وساومت الطفل على ثمنه فأصر على ألا يبيعه بأقل من خمسة عشر دولارا. ورفض أن يخفض السعر إلى عشرة دولارات، فقصدت أمه لتكون في صفي ، ولكنها أجابت: لا .. لا هذه أشياؤه  His Items  , ولا أتدخل في أموره , فهو حر يبيع ما يملك  بالثمن الذي يراه. مع ملاحظة أن  سنه لا تزيد على سبع سنوات . وخضعت لقرار الطفل واشتريت الكتاب الذي يضم بين دفتيه 576 صفحة  ، وقلت في نفسي . ياليتنا نغرس في نفوس أطفالنا هذه الروح الاستقلالية، والثقة بالنفس .

وتخلص الأسرة من هذه الأشياء لداعي السفر يكسبها حرية الحركة من ناحية ، وتوفير تكاليف النقل من ناحية ثانية ، والتخلص من أشياء أصبح أغلبها ” موديلات قديمة ” لاتساير روح العصر من ناحية ثالثة.

***********

وأذكر في هذه المناسبة أننا كنا نردد في بلاد الغربة مثلا مؤداه : ” إذا أردت أن تعرف المصري في أي مطار من مطارات العالم فانظر إلي حقيبة يده : His Hand Bag  ” . فإذا كانت ضخمة ثقيلة فهو مصري .

وأذكر بأنني رأيت أحد المصريين في مطار كراتشي بباكستان ، بعد انتهائه من عمليات الميزان ” شحن مامعه على الطائرة التي سيستقلها “… رأيته قد نحّى بعيدا عن عيني رجل الميزان ” حقيبة ثقيلة جدا بها ما يقل عن ستين كيلو جرام , فسألته في  دهشة :ماهذا ؟ فأجاب في هدوء وبرود : والله دي شنطة … بس أنا  بسميها  ” هاند باج “. قلت في نفسي ” صحيح المصري يعرف من حمولاته ” .

 وادعو الله أن نتخلص من هذه العادة الغريبة المستهجنة .

عيد الشكر

يأتي عيد الشكر (Thanksgiving) في الولايات المتحدة في رابع يوم خميس من شهر تشرين الثاني من كل عام (في كندا الأثنين الثاني من تشرينالأول) ، وتنشغل النساء الأمريكيات بإعداد ما لذ وطاب من الأطعمة المتنوعة التي يأتي على رأسها الديك الرومي. وعيد الشكر هو عيد قومي علماني وليس مناسبة دينية كما يبدو من أسمها، وفي هذا اليوم يتقدم الأميركيون بالشكر لله لإنقاذ الأمريكيين الأوائل من المجاعة والهلاك. ويعتبر من أهم المناسبات التي تلم شمل الأسر والأصدقاء.

ولكن لماذا يحتفل الأمريكيون بعيد الشكر ؟

يعود الاحتفال بعيد الشكر إلى أوائل القرن السابع عشر عندما بدأت هجرة الأوروبيين إلى القارة الأمريكية هربا من اضطهاد الكنيسة الانجليزية لهم. وهاجر بعضهم من بريطانيا إلى هولندا ومن ثم إلى الساحل الأمريكي على متن قارب خشبي اسمه ماي فلاور Mayflower، وكانت الرحلة طويلة وشاقة، مات فيها الكثير منهم.

ووصلت الرحلة في النهاية إلى الشاطئ الشرقي لولاية ماساتشوستس في شهر تشرين الثاني من عام 1621.

غير أن وصولهم تزامن مع دخول فصل الشتاء الذي يتميز بالبرد القارس والأمطار الغزيرة علاوة على الثلوج التي أهلكت معظمهم الذين جهلوا طرق الصيد والزراعة

ومن المثير للدهشة أن نجاة الأمريكيين البيض الأوائل جاءت على يد اثنين من الهنود الحمر الذين تعرضوا للإبادة على أيديهم فيما بعد.

والإثنان هما “ساموسيت” و “سكوانتو” اللذان شرعا في تعليم الأوربيين البيض صيد الطيور والحيوان والسمك وزراعة الذرة.

من هنا قرر الأمريكيون الأوائل الاحتفال بالنعمة ووجهوا الدعوة إلى الهنديين والقبائل التي ينتمون إليها للاحتفال بما أسموه حينذاك عيد الشكر وتناولوا فيه الديك الرومي وطيورا أخرى،

غير أنه وبمرور الوقت اقترف الأوروبي الأبيض العديد من  المذابح ضد الهنود الحمر وأمعنوا في قهرهم و قمعهم طمعا في الاستيلاء والاستحواذ على المزيد الأراضي التي كانت تقع تحت سيطرتهم.

وتحول الاحتفال بالنجاة من الهلاك إلى حدث سنوي حتى أعلنه الرئيس أبراهام لنكولن عام 1863عيدا رسميا للبلاد , أطلق عليه عيد الشكر, ويحتفل به في الخميس الأخير من شهر نوفمبر من كل عام.

وماذا يفعل الأمريكيون في عيد الشكر ؟

يعتبر عيد الشكر عطلة رسمية في الولايات المتحدة الأمريكية، ويحتفل به المسيحيون والمسلمون واليهود بنفس الصورة. وتغلق جميع المحلات والأسواق بالإضافة إلى المؤسسات الحكومية والخاصة أبوابها، وتجتمع العائلة الأمريكية في هذا العيد , ويلتئم شمل الأسر والأصدقاء في كل أنحاء الولايات المتحدة. ويسافر في هذا العيد أكثر من 43 مليون أمريكي جوا وبرا داخل وخارج الولايات المتحدة. وتقدم الأكلات والأطباق الخاصة بهذه المناسبة على مائدة عامرة تحتوي على الوجبة الأساسية المتمثلة في الديك الرومي.

الرئيس الأمريكي وعيد الشكر

لا ينجو من الذبح سوى ديك رومي واحد يقدم هدية سنوية تقليدية للرئيس الأمريكي في البيت الأبيض. ويضع الرئيس يده برفق على هذا المخلوق الضعيف , ثم يصدر أمرا رئاسيا بالعفو عنه وإعادته لمواصلة حياته في إحدى المزارع.

عيد الشكر والجمعة السوداء

يستهلك العالم حوالي 40 مليون ديك رومي في العام، تذبح منها 11 مليونا في أعياد رأس السنة وعيد الميلاد .وحسب الإحصائيات، وصلت أعداد الديوك في الولايات المتحدة عام 1975 إلى نحو 124 مليون طائر. وأصبح عددها سنة 2003 حوالي 269 مليون طائر. أي بما يقدر بديك رومي واحد لكل مواطن أمريكي داخل الولايات المتحدة.

يفتتح عيد الشكر موسم الأعياد في الولايات المتحدة وهو الموسم الذي تفتح فيه المحلات والأسواق منذ ساعات الصباح الأولى وحتى منتصف الليل وتعج فيه الأسواق بالحركة والنشاط.

ويعد اليوم الذي يلي الاحتفال بعيد الشكر ويعرف بالجمعة السوداء (Black Friday) أكثر الأيام التي يقبل فيها الأمريكيون على التسوق والشراء، وتقدم المحلات التجارية والشركات تخفيضات كبيرة في الأسعار سعيا إلى جذب اكبر عدد ممكن من المستهلكين.

العرب وعيد الشكر في الولايات المتحدة

وبالنسبة للمهاجرين العرب، فتختلط مشاعر الحيرة والقلق والحنين إلى الوطن بالمغتربين العرب في مواسم الأعياد والمناسبات الأمريكية بصفة عامة، فمنهم من تأقلم مع المجتمع الأمريكي وصار جزءا منه، ومنهم من لا يزال يشعر بالغربة في الاحتفال بالأعياد الأمريكية .

**********

اليوم الذي اسجل فيه يوميتي هذه بأخرة من الليل هو يوم الخميس 26 من نوفمبر سنة 1981 :

إنها المرة الأولى التي أدخل فيها بيتا أمريكيا:  فاليوم عيد الشكر وفيه يشكر الأمريكيون ربهم  , ومن أشهرالتعليلات أن الرواد الأوائل الذين نزلوا أمريكا الأرض البكر لأول مرة زرعوا القمح في مثل هذا الشهر  من مئات السنين , فأنتجت محصولا وافرا يكفيهم لعام آخر, بعد أن استبدت بهم الفاقة , وأذلتهم الحاجة , فاتجهوا إلى الله شاكرين..  فصار عيدا قوميا , جديرا بشكر الله شكرا عمليا , وذلك بطبخ ديك رومي ضخم , ودعوة أخرين لتناول الطعام.. وكنا أنا وأسرة القسيس جندي..صديقي وجاري من المدعوين…  أما الداعية فهي طالبة بكلية اللاهوت وزوجها الضابط الكبير في البحرية الأمريكية .. وغادرنا بيوتنا في الثانية ونصف مساء بسيارة السيدة الداعية , وانطلقنا إلى بلدة (مدسن ) التي تبعد عن نيو هافن بقرابة ثلاثين ميلا  … مررنا بالغابات على الجانبين ، ورأينا البلاج الجميل في البلدة ، على شاطىء الأطلانطي .

وصعدنا .. نعم صعدنا  إلى بيت الداعية … إنه منزل جميل … في مكان شاعري رائع أنشىء على ربوة عالية ، ولا يجاوره منزل آخر . والغابات تحيط بالبيت من كل مكان .. اشجار فارعة مستقيمة ، نفضت عنها كل أوراقها ، فبدت كعمدان من فضة , لا يأتي البصر على نهايتها .

وضغطت السيدة على زر في ” ريموت كنترول ” معها في السيارة ، فانفتح باب الجراج . وحضر الزوج بعد ساعتين  فقد كان في سفر . وجلسنا نتسلى باطباق اللوز والجوز وبعض الحلوى ، الزوج شخصية لطيفة جدا ، مبتسم الوجه مشرق الأسارير ، عملاقي الجسم , كأنه مخلوق اسطوري .

كل ما هنا جميل … البيئة  والمنزل والأسرة . والمدفئة التي تعمل بالخشب .وكل ماهنا آلي  الكتروني : المطبخ .. غسالة الأطباق .. الحمام … الخ.

وفي السابعة مساء جلسنا حول الديك الرومي ، وتشابكت الأيدى , وتلى الزوج دعاء الشكر في خشوع . الطعام طيب جدا وقد نجح الزوج في  تقطيع الديك الرومي تقطيعا فنيا بحيث ترك عظام الديك كما هي ،  فأصبحت كأنها  هيكل سفينة خشبية  ، وكان ألذ ما في الوجبة سلطة لذيذة المذاق ,لا أعرف مكوناتها , واصر أهل االبيت على أن يعطوني كمية منها، وقالت ربة البيت في ابتسامة هادئة ” “لاتخف إنها لم يدخلها لحم خنزير ولا دهن خنزير” .

قلت لها : لي طلب عندكم أهم من هذا , وهو الإجابة على سؤال مؤداه : إذا أمطرت السماء , أو هطل منها الجليد ، فكيف تصعدون إلى بيتكم  وهو على مرتفع شديد ؟ ، فكان الجواب : نسلسل العجل ، أي نضع سلاسل خشنة نلفها حول العجلات الأربع فتعطيها خشونة وتكتيفة تمنع السيارة من الانزلاق إذا صعدنا بها.

*****************************

قطرات نفس : رسالة إلى مغرور

” أيها السيد ، أكتب إليك هذه الرسالة وأنا أسميها  ” الرسالة الصادقة” , وتسألني عن الرسالة السابقة التي بعثت بها إلي هل كانت كاذبة ؟ وأشهد الله : نعم كتبتها بلسان المجاملة ، لا بمنطق الاقتناع ، فنحن نعرفك جيدا أيها السيد ، وللأسف أنت لاتعرف نفسك ؛ فمعرفة النفس مهمة من أشق المهام ، وخصوصا بالنسبة للمغرورين الأدعياء من أمثالك : نعم أنت مغرور أيها المولى وتعيش في وهم سخيف , وهو أنك لم تؤتَ ما أوتيت إلا بموهبة ” لدنية” , وأنك بكل ما تؤتي جدير.

وخلطت – أيها المغرور- بين ضربات الحظ التي تعيش بها ولها ، وبين موهومات العبقرية . وحياتك كلها ضربات حظ علم الله . نعم أنت في حياتك محظوظ وأخطأ بل أجرم من قال : إنك موهوب  .

وكم يؤلمني – إيها المغرور – ويؤلم القيم الإنسانية العليا أنك لاتفهم نفسك، ولا تعي واقعك العقلي ، وواقعك الروحي , وتوهم نفسك  أنك ” عملاق”  ؛ لأنك تستطيع أن تبصق إلى أعلى ،وتعيش في وهم “العالِمية ” ـ بكسر اللام ـ ، وأنت جاهل  نعم جاهل . ومن عجب أنك تقحم نفسك في مسائل علمية لم تخلق لها .

ثم أنت حقود … نعم أنت أيها القزم حقود ، لاتطيق أبدا أن ترى نجما يسطع إلا نجمك ، تريد أن تنفرد  بسماء الكون ، مع أنها تتسع لآلاف من أمثالك  وأمثالي ، بل ممن يفوقونك آلاف المرات . ولكن ماذا أقول للحقد الأسود الذي انطبعْتَ عليه ، وأصبح جزءا منك ؟ أستغفر الله .. بل أنت هو, وهو أنت .. قد تقول كيف أحقد على من هو أقل مني في المرتبة الوظيفية  ؟ …

المسألة أيها المولى ، ليست مسألة مراتب ، والحاقد حينما يصبح الحقد عنده طبعا ومرضا وغريزة … لا يبحث عن موضوع الحقد بقدر ما يحرص  على أن يأخذ تيار حقده طريقه بلا توقف . المهم أن يغذي حاقديته بأي شكل ,  وبأي ثمن .

وأنت أيها المولى ، ” دعيّ قيم ” إن صح هذا التعبير  … تتحدث عن الصدق والأخوة والمحبة والأمانة ، وأنت أبعد الناس عن كل أولئك . أما الأمانة في العمل ، واقتضاء الثمن ، فحدث عن ذلك ولا حرج ، فأنت كلما رأيتك ، وكلما رأيت كشوف الحساب قفز إلى ذهني  قول الشاعر الجاهلي عن الغنيمة وحظ الزعيم منها :

لك المرباع منها والصفايا         وحكمك والنشيطة والفضول

Print Friendly, PDF & Email
مقالات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

img
القائمة البريدية
img