img
نفحة من عيد الأضحى المبارك.. إنه التسليم المطلق لله
img
Print pagePDF pageEmail page

نفحة من عيد الأضحى المبارك.. إنه التسليم المطلق لله

تهل علينا أيام عيد الأضحى المبارك لتذكرنا بقصة إسماعيل الذبيح (عليه السلام)، وخلاصة القصة أن إبراهيم- خليل الله- رأى في المنام أنه أُمر بذبح ابنه إسماعيل (عليهما السلام)، وكانت المنامات عند الأنبياء والرسل نوعًا من الوحي، صدع إبراهيم بالأمر، وعَرَضَ الأمر على ولده، فأبدى رضاءه بأمر الله، وتسليمه له، وشجَّع أباه على أن يحقق منامه، فلما همّ إبراهيم بذبح ابنه، رأى المُدْيَة تهوي على كبش عظيم ساقه الله فداءً لإسماعيل، وفي الآيات التالية من سورة الصافات وردت القصة: (وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (99) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (100) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (108) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (109) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (110)) (الصافات).

وهذه القصة التي ستظل خالدة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها تقودنا إلى عدد من القيم الإيمانية الإنسانية، التي يجب أن يتحلى بها المؤمن، وأهمها وأجلّها “التسليم المطلق لله”، وهي صفة لا تتحقق إلا بتحقيق تكاليفها التي تشتد وتعلو، بعلو مقام النبوة وجلالها، ومعنى “التسليم” في هذا السياق- كما جاء في لسان العرب- بذل الرضا بالحُكْم، أو الانقياد التام بلا معارضة..
وعرّفه علي بن محمد الجرجاني في كتابه “التعريفات” بأنه: “الانقياد لأمر الله تعالى، وترك الاعتراض فيما لا يلائم”، وعرفه كذلك بأنه: “الثبوت عند نزول البلاء، واستقبال القضاء بالرضاء”، وهذا ظاهر في قوله تعالى: (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا (65)) (النساء).

وهذا يعني أن التسليم صفة نفسية، ولكنها لا توجد إلا مبنية أو مترتبة على واقعة- أو وقائع- يكون للإنسان تجاهها موقف مصحوب بشعور معين، وهذه المقولة يوضحها المثال التالي من حياتنا اليومية:

1- تاجر يَعْرِض سلعة معينة (واقعة).

2- مواطن يرى السلعة فيشتريها (موقف).

3- الشراء تم برضاء المشتري، واقتناعه التام بجدواها وحاجته إليها، ومعقولية سعرها (تسليم).
ولكن عنصر “التسليم” يتخلف إذا ما تم شراء السلعة تحت وطأة ضرورة، أو إكراه على عيب فيها أو ارتفاع سعرها.                   **********

وفي قصة الذبيح إسماعيل- كما عَرَضَها القرآن الكريم- نرى سمة “التسليم المطلق” متوافرة- بأجلّ صورها- في الشخصيتين المحوريتين: إبراهيم وإسماعيل (عليهما السلام):

أولاً- الأب: إبراهيم (عليه السلام):

لقد لاقى من قومه ما لاقى، وهو الآن في غربته الحادة يحتاج إلى ولد يؤنسه، ويُعينه في شيخوخته، فيدعو الله أن يرزقه بابن صالح، فاستجاب الله لدعوته، ورزقه بابن صالح تقي نقي يصبر على الشدائد، وبلغ الابن السعي أي القدرة التي تمكنه من مصاحبة أبيه، ومساعدته في واقع الحياة.

رأى إبراهيم (عليه السلام) في المنام أنه يذبح ابنه الوحيد إسماعيل، ورؤيا الأنبياء نوع من الوحى، فَسَلَّم بما رأى تسليمًا مطلقًا، وعلى وجه السرعة كان هذا التسليم، فلم تغلبه عاطفة الأبوة، ولم يقل ما قال نوح (عليه السلام): (إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي) (هود: من الآية 45)، ولم تأخذه خالجة من تردد، ولم يفكر في أن إسماعيل هو ولده الوحيد، وأنه مؤنسه في وحشته، وأنه مساعده ومعينه في شيخوخته، وأن إسماعيل في الثالثة عشرة من عمره، سن التفتح للشباب والحياة.

ويوحي بسرعة استجابته لربه أن المنام- في السياقة القرآنية- لم يرد بطريقة الحكاية على النسق التالي (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ (رأى في المنام أنه يذبحه) قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102)) (الصافات).
ولكنه جاء بطريقة الرواية أو الحوار المباشر (يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ)، وجاء تأكيد مصداقية هذا المنام بمؤكدين على لسان إبراهيم (عليه السلام) هما:

أ- “إنَّ”، “أنَّ” مضافتين إلى ضمير المتكلم “إني أرى … أني أذبحك”.

ب- الفعل المضارع (أرى) مع أن المنام- من الناحية الزمنية، تم وانتهى (… أرى في المنام)، فالأصل أن يستعمل الفعل الماضي (رأيت)، ولكن المضارع يستخدم بديلاً للماضي للاستدعاء والاستحضار، لأهمية المستحضر وتأكيده وتمثيله حيًّا، كأن تقول: “إني أرى حطين تشهد بعظمة صلاح الدين، وبطولة المسلمين”، بدلاً من: “إني رأيت حطين شهدت”، وجاء المضارع هنا (أرى .. أذبحك) لاستحضار “الرؤيا” التي تظل قائمة إلى أن تتحول إلى “رؤية” وتخرج إلى حيز التنفيذ.

ومن تمام التسليم المطلق قيام إبراهيم (عليه السلام) وهو يهم بذبح ابنه بأن (تلّه للجبين) أي كبّه على وجهه؛ حتى لا يرى عينيه أثناء الذبح، فتغلبه عاطفة الأبوة، فيخالف وحي ربه في أمره، أو متعلق من متعلقاته بالتراجع، أو التردد، أو تأخير الذبح.

ثانيًا- الابن الذبيح إسماعيل (عليه السلام):

1- ظهرت الاستجابة السريعة الفورية من إسماعيل (يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ)، فلم يجادل أباه، ويسأله عن تفاصيل الرؤيا، ومكانها، وزمانها، ووقت التنفيذ، والحكمة من أن يذبح الأب ابنه الوحيد.

2- وحتى يدفع أباه إلى الإقدام على ما أمر الله، أبلغ أنه قادر على تحمُّل آلام الذبح، فلم يُبْدِ خوفًا أو ترددًا، بل قال (سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ).

3- وكانت كلماته الأخيرة- زيادة على كونها مظهرًا من مظاهر التسليم المطلق- دليلاً على حبه والديه، وبره بهما، قال ابن عباس: “فلما عزم (إبراهيم) على ذبح ولده، ورماه على شقه، قال الابن: يا أبت اشدد رباطي حتى لا أضطرب، واكفف ثيابك (أبعدها أو ارفعها) لئلا ينتضح عليها شيء من دمي، فتراه أمي فتحزن، وأحِدَّ شفرتك (سكينك) وأسرع بها على حلقي ليكون الموت أهون عليَّ، وإذا أتيت أمي فأقرئها مني السلام، وإن أردت أن ترد عليها قميصي فافعل، فإنه عسى أن يكون أسْلى لها عني” (أي يسليها ويعوضها عن فقدي).

وقال أحد السلف (رضي الله عنهم): “والحكمة من هذه القصة أن الله اتخذ إبراهيم خليلاً، فلما سأل ربه الولد، ووهبه له، تعلقت شعبة من قلبه بمحبة ولده، فأمر بذبح المحبوب ليظهر صفاء الخلة، فامتثل أمر ربه، وقدّم محبته على محبة ولده”.

وهذا “التسليم المطلق” يقتضي أن يقصد العبد بكل أعماله وأقواله وجه الله (قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162)) (الأنعام)، ورضاء الله هو ما يسعى إليه المؤمن، ولا مكان لما سواه، وما أصدق رسولَ الله (صلى الله عليه وسلم) إذ خاطب ربه بقوله: “إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي“.

وجوهر التسليم المطلق “حب الله ورسوله ودينه والقيم التي جاء بها، فلا يُقدَّم عليه عَرَض دنيوي، أو نسب بشري (قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24)) (التوبة).

**********

إن الأعياد والمناسبات الإسلامية تحمل من الدروس والقيم والتوجيهات ما يحقق صلاح المسلم في الدنيا، وسعادته في الآخرة، ولكن على المسلمين أن ينظروا ويعتبروا، ويأخذوا أنفسهم بشرع الله، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضى ويسلموا تسليمًا.

Print Friendly, PDF & Email
مقالات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

img
القائمة البريدية
img