img
نحن ودار النصارَى
img

نحن ودار النصارَى

 

في أقصى شمال الدلتا، تقع مدينة “المنزلة” وهي مسقط رأسي، وفيها نشأت .

وأعود بذاكرتي إلى ما يزيد على السبعين عامًا، كان عدد الناس في هذه المدينة قرابة خمسة آلاف ,  وكانت تعتمد على التجارة والصيد، والبحارة – أي النقل بالسفن الشراعية، إلى مدينة بورسعيد التي تبعد قرابة خمسة وعشرين ميلاً، أي بطول بحيرة المنزلة . وكانت البلدة ـ التي زاد عدد سكانها حاليًّا إلى نصف مليون نسمة ـ تحمل شوارعها أسماء الأسر، أو أسماء المهنة .. وعلى سبيل المثال كان الشارع الذي نقطن فيه مع الأسرة، والأعمام والأخوال، والأصهار، يسمى “حارة القمايحة” أي آل قميحة؛ لأنهم العنصر الغالب في شغل هذه الحارة بالمساكن، وبجانبنا مباشرة: حارة المنايسة أي آل منيسي، ثم حارة الطيور، أي آل الطير.

وعلى غرب حارتنا مباشرة شارع القفاصين أي الذين يصنعون  من جريد النخل  أقفاصا للفاكهة والطيور، وكذلك يصنعون القفف والمقاطف من خوص النخل.

وعند التقاء حارتنا بشارع القفاصين كان هناك بيت من دور واحد ذو مساحة كبيرة يؤدي بابة الرئيسي إلى باحة واسعة بلا سقف ثم عدد من الحجرات بعد ذلك، تملكه وتقطنه أسرة قبطية . كنا جميعًا رجالاً ونساءً وأطفالاً نطلق على هذا البيت “بيت النصارى” , وأهم رجال الأسرة “بسخريون” الذي يعمل مصورًا بآلة التصوير الخشبية الكبيرة التي تقف على قوائم، وله دكان داخل سوق البلدة , “وحنا” وهو يملك “عربة كارو” و “حصانًا” ويتخذ ركنًا من باحة البيت كاسطبل للحصان. والشاب “ميلاد” ويعمل حدادًا.

        وأهم من هؤلاء جميعًا عميد الأسرة “إسكندر” الذي قارب السبعين آنذاك.. وكان طيلة النهار يجلس أمام البيت يدخن السجاير (اللف) بكثرة عجيبة حتى اصفر شاربه الأبيض الكث من ناحية منخاريه،كان الرجل ربعة متوسط القامة شحيمًا إلى حد ما.. يبدو في كلامه، وحركاته، وقار وتثاقل، وكان مبتسم الوجه دائمًا. ومن الصبحة الباكرة يجلس أمام البيت ولا يدخله إلا لتناول الطعام، أوقضاء الحاجة. فإذا ما غابت الشمس تحول إلى داخل البيت، ثم يتكرر هذا السيناريو كل يوم دون انقطاع.

واذكر أن والدي ما مرّ به إلا وحياه : صباح الخير، أو مساء الخير، أو إزيك يا خواجه اسكندر.

فيرد التحية، ولكنه كان يخصني بعبارة لم تتغير: “وأنت إزيك يا قميحة يا صغيَّر” وأحببت الرجل لاهتمامه بي، ولابتسامته التي لا تفارق وجهه. وكان هذا هو شعورنا وشعور كل جيراننا نحو الرجل، وفي شهر رمضان من كل عام يختفي “الخواجه اسكندر” تماما ولا يظهر أمام الدار إلا بعد المغرب لساعة أو ساعتين , ثم لا نراه إلا بعد المغرب من كل يوم من أيام رمضان.

وكان السبب أن الرجل يراعي شعور المسلمين، ولا يجاهر بالتدخين الذي لا يستطيع أن ينقطع عنه , فآثر أن يقبع في بيته طيلة “نهارات” رمضان ليتمتع بسجائره اللف.

وقد يقال: أو لم يكن من الممكن أن يجلس مجلسه المعروف أمام البيت فإذا أراد أن يدخن دلف إلى البيت واستتر ثم يعود إلى مجلسه الأول.

ولكن هذا مستحيل؛ لأن هذا يقتضيه أن يدخل ويخرج أربعين أو خمسين مرة ـ على الأقل ـ في اليوم الواحد وصحته ـ في مثل سنه – لا تحتمل ذلك.

كانت  “أنصاف” هي كبرى بناتهم. وأذكر أنها كانت علىعلاقة طيبة جدًّا مع نساء الحارة كلها، وكانت كثيرة الزيارة لنا، وفي النصف من شعبان تقوم أسرتنا بما يسمى “خبيز رمضان” أي خَبز كمية كبيرة من الخُبز في فرن البيت يكفي الأسرة ما لا يقل عن شهر ونصف، ويخرج الخبز من الفرن ويترك مفرودًا قرابة يومين  ليجف، حتى لا يتعفن، ثم يحفظ في “سحارة” وهي تشبه صندوقا خشبيًا ضخمًا جدًّا، له باب يسمح بدخول من تقوم “برص الخبز” وكانت أنصاف تحضر ونساء أخريات من الحارة لمساعدة والدتي في خبيز رمضان، وتصر أنصاف على أن تقوم هي بالمهمة الصعبة،  ، وهي الجلوس أمام الفرن للقيام بعملية إنضاج الخبز الذي تتناوله عجيبًا” من النبات والنساء مبططًا. وتصنعه بمهارة على صاجة الفرن الكبيرة، وتقوم كذلك بتغذية الفرن بالوقود من حطب، وقش، وسِرس (قشر الأرز بعد ضربه) وهما عملان يحتاجان  لقدرة وصبر ومهارة  . ولا أنسى ذلك اليوم الحزين في حياة أبي وحياة أسرتنا، وحياة الحارة كلها. لقد مات الخواجه اسكندر، وبكينا عليه جميعًا.

وخرجت أسرتنا والحارة كلها في جنازته، يودعونه إلى مثواه الأخيرة، وأذكر أن أبي كلما مر بدار النصارى، وقد أغلق بابها الخارجي الكبير.. هز رأسه وقال بصوت منهدج : الملك لله.. الملك لله.

*  *  *

إنها صورة واقعية عشتها بكل خطوطها من سبعين عامًا تمثل في صدقية لا تزييف فيها ما كان بين المسلمين والأقباط من محبة، وحسن عشرة، وتكافل وتوحد وجداني، وهذه هي “المواطنة، بمفهومها العملي الصادق الأصيل، ولم يكن هناك وجود لما يسمى بالفتنة الدينية، بل كان هناك ـ كما ذكرت –  الحب والتسامح والتعاون وحسن المعاملة , وما أصدق القرآن الكريم إذ قال (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ وَمَا لَنَا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ) (المائدة: 82 ـ 84).

وقد نزلت في وفد النجاشي القادمين عليه من الحبشة، قرأ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عليهم سورة يس، فبكوا وأسلموا، وقالوا: ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى.

ولا ننسى في هذا السياق حزن المسلمين لتغلب الفرس –  وهم عباد أوثان –  على الروم، وهم أهل كتاب، وكيف كان مشركو مكة يهددون المسلمين قائلين: لنهزمنكم كما هزم الفرس الروم، ثم فرح المسلمون  بعد أن انتصر الروم على الفرس، بعد سبع سنوات من هزيمتهم، وهذا ما ذكره القرآن في قوله (الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) (الروم: 1 ـ 6).

ونذكر في هذا المقام أنه لما اشتد الأذى بالمسلمين في مكة، كانت هجرتهم الأولى إلى الحبشة التي يحكمها ملك نصراني.. قال عليه السلام للمسلمين، وهو لا يستطيع أن يمنعهم، مما هم فيه من البلاء : ولو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإن بها ملكًا لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجًا مما أنتم فيه .  فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم إلى أرض الحبشة مخافة الفتنة، وفرارًا إلى الله بدينهم، فكانت أول هجرة في الإسلام.

وكانت وصايا النبي ـ صلى الله عليه وسلم وخلفائه إلى قادة الجيوش والمبعوثين إلى الخارج في مهام مختلفة، توصي بالنصارى وتؤكد حقوقهم وإنسانية معاملتهم.

*  *  *

وعاش المسيحيون أزهي عصور التسامح، والحرية، والعدل في ظل الإسلام بكل عهوده. ولا ننسى في هذ السياق الإنسانية المتدفقة التي تعامل بها صلاح الدين الأيوبي مع الصليبيين، بعد فتح القدس، على الرغم من أنهم أراقوا دماء آلاف المسلمين. ومن مظاهر هذا السلوك الإنساني:

1 ـ أعطى صلاح للصليبيين مهلة طويلة للخروج من بيت المقدس مدتها أربعون يومًا، ولهم الحق أن يحملوا معهم ما يشاءون من أموالهم وأملاكهم (عدا السلاح والخيل)، وسمح لهم أن يبيعوا ما لا يمكنهم حمله من أمتعتهم وذخائرهم، وأموالهم، وعقاراتهم.

2 ـ على كل صليبي يغادر بيت المقدس أن يدفع مبلغًا زهيدًا، قدره عشرة دنانير للرجل، وخمسة للمرأة، وديناران للطفل.

3 ـ أمَّن نساء ملوك الفرنجة وأمرائهم، وسمح لهن بالخروج، ومعهن من الخدم، والحشم، والعبيد والجواري، والأموال، والجواهر النفيسة الكثير.. والكثير.

4 ـ أطلق ملكة القدس، ومعها خدمها وحشمها، وأموالها، وكان زوجها يحكم نيابة عنها، وأسره صلاح الدين، وحبسه بقلعة نابلس، فاستأذنت صلاح الدين في المسير إلى زوجها هناك، فأذن لها، وأقامت عنده.

5 ـ كان صلاح الدين قد قتل “أرناط (رينو دي شاتيون) بيده بعد أسره؛ لأنه خان الميثاق الذي عقده معه، وقام بقتل أسرى المسلمين، وهدد بالزحف إلى مدينة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ونبش قبره، فأتته زوجته، فشفعت في ولد لها مأسور، فوافق صلاح الدين على إطلاقه، بشرط أن يسلم له الصليبيون قلعة “الكرك” فسارت إلى الكرك، ومعها أموالها، وعبيدها، وحشمها. ولكن الفرنجة رفضوا طلبها.

6 ـ سمح صلاح الدين بخروج البطرك الأكبر، ومعه من الأموال، والمتاع ما يصعب وصفه وإحصاؤه، وأشار عليه بعض قواده أن يأخذ ما معه ليقوي به المسلمون، فرفض، وقال “لا أغدر به أبدًا” ولم يأخذ منه إلا عشرة دنانير، كأي واحد من عامة الصليبيين.

7 ـ وخوفا  من قطاع الطرق على سلامة المغادرين، أرسل صلاح الدين معهم قوة من جيش المسلمين تحميهم إلى أن يصلوا إلى مدينة صور، وللأسف خانوا وغدروا وانضموا إلى قوات الصليبيين بها، وقاتلوا معهم جيش صلاح الدين الذي حاصر المدينة بعد ذلك , وعجز عن إسقاطها.

8 ـ أما النصارى من أهل القدس فسمح لهم صلاح الدين بالبقاء في المدينة، ودفع الجزية.

*  *  *

ونذكر في هذا السياق كذلك واقعة وقعت في عصر الملك الكامل، وتتلخص في أن “فرنسيس الأسيزي” ـ (ت 1226م) مؤسس رهبنة الفرنسيسكان، قام برحلة تبشيرية إلى مصر في سنة 1219م، حيث وصل إلى دمياط في زمن الحملة الصليبية السادسة (بقيادة جان دي بريين في عهد الملك الكامل الأيوبي)، والتقى هو وزميله “الوميناتو” بالملك الكامل في تشرين الثاني 1219م، وأخذ فرنسيس يشرح للملك معنى الثالوث، وهو يصغي برحابة صدر، وإذ شعر الأسيزي برحابة صدر الملك المسلم، وتسامحه الكبير، بادر بدعوة الملك إلى اعتناق المسيحية، مع استعداده للبقاء إلى جانبه لكي يعلمه حقائقها. وبطبيعة الحال لم يقبل الملك الكامل التحول إلى المسيحية؛ لأن إيمانه بالإسلام وعقيدته أقوى بكثيرجدا من إيمان فرنسيس بالمسيحية.

*  *  *

إنها حقائق وخواطر ثابتة على مدار التاريخ، وقد قفزت إلى ذهني، وأنا أكتب عن دار النصارى في المنزلة، وكيف كانوا يعيشون بيننا، كأنهم أسرة منا، وما أحوجنا إلى تذكر هذه الصور الوضيئة في عصرنا الذي كثرت فيه الفتن، واختلت فيه المعايير، وضاعت فيه القيم… عهد ضيعت فيه الأمانة، ووسد الأمر غير أهله. وأعتقد أن أصل الداء، وسر البلاء نجده في قول بشار بن برد:

أعمى يقود بصيرًا لا أبًا لكمو               قد ضل من كانت العميان تهديهِ

مقالات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

img
القائمة البريدية
img