img
ملحمة الأذنين والقرنين
img
Print pagePDF pageEmail page

ملحمة الأذنين والقرنين

عجيب غريب منظر هذا الحيوان الضخم الذي يرقد على جانبه الأيسر أمام دكان “قاسم العطار” وهو يلتقط نفسه بصعوبة بالغة، والناس ينظرون إليه في اشمئزاز، ولا يجرؤ واحد من الأطفال أن يقترب منه.

ومصدر الاشمئزاز والغرابة هو رأس هذا الحيوان: رأس كبير بيضاوي الشكل وقد سلخ جلده تمامًا، ولا وجود للأذنين .

أما العينان فقد غطاهما الورم حتى يخيل إليك أنهما قطعتان من اللحم اللزج الدامي غرستا في محجر العينين، وينتهي الوجه المزعج الغريب بفكين يقودان إلى فم فيه بقايا أسنان، ويقطر لعابًا أخضر مختلطا بالدم.

أما الجسم فضخم تتناثر عليه جروح في أماكن مختلفة. وكأنه في ضخامته جسم حمار.

إنه حقًّا حمار..

واكتشف أن هذا الملقى اللاهث المثخن بالجراح حمار حقيقي… إنه حمار “قاسم العطار” ومن خلال قواه الخائرة بدأ يستعيد الهزيع الأخير من أيامه التي ختمت بمأساته التي يعيشها الآن.

لقد عاش عند قاسم العطار ثلاث سنين يحمل صاحبه كل يوم، وعلى ظهره خُرْج العطارة ماضيًا إلى القرى المجاورة يعرض فيها قاسم عطارته، وبعض الأدوات المنزلية الصغيرة. وعند الغروب يعود به صاحبه إلى “مخزن عطارته”، فيرتمي من الإعياء، ويبيت ليلته والجوع يمزق أحشاءه، فعيدان البرسيم القليلة لا تخفف من حدة جوعه، ثم تعود الكرّة كل يوم: قاسم العطار … الخُرْج … العطارة … القرى المجاورة.

والذي لا يهون

كل ذلك يهون أمام استهانة قاسم به، وضربه بعصاه اللاسعة اللاذعة، كي يسرع في مشيته، وبعد عودته يأتي ابنه الصغير فيلطمه بكفه ويركل وجهه بقدمه، والحمار عاجز عن أن يرد عن نفسه ولو قليلاً من هذه الإهانات.

ويجتر الحمار بعض الأحداث التي وقعت به، فهو لا ينسى أنه فكر في سبب الاستهانة به، فاكتشف أنه الضعف والعجز، ثم ألقى نظرة إلى بعيد على زريبة عم غانم التي كانت تضم قرابة خمسين ثورًا، ولا ينسى أن عم غانم جاء ذات يوم يجر ثورًا إلى خارج الزريبة، فقاومه الثور بقرنيه، مما دفع عم غانم إلى الاستعانة ببعض الجيران.

قال الحمار في نفسه: عرفت السر، ومفتاح السر، إنه القرون… نعم القرون، فلو ملك قرنين كأي ثور؛ لاستطاع أن يرهب بهما قاسم العطار، وغير قاسم العطار. واتخذ الحمار قرارًا بأن ينزع من أحد الثيران قرنيه، ويركبهما في رأسه، ثم بعد ذلك يقول: هل منكم من يتحداني؟ ويخدش كرامتي!.

الأذنان والقرنان.

وذات مساء والثيران راقدة، غائبة في نومها، في مربض عم غانم، وقف الحمار وتسلل إلى هذا المربض، ووقف بين الثيران، وفجأة ضرب بأسنانه رأس أحدها، محاولاً انتزاع قرنيه، ووقف الثور وخار … بصوت شنيع، فقامت الثيران كلها، واتجهت إلى الحمار وجعلت منه طعامًا لقرونها: فانتزعت أذنيه وجردته من جلد وجهه، وصارت تنطحه وهو عاجز عن النهيق، ثم تركته حطامًا بوجهه الغريب، مجردًا من أذنيه وجلدة وجهه، مثخنًا بالجراح، وأخذ يزحف إلى أن وصل إلى المكان الذي كان فيه أمام مخزن عطارة قاسم العطار.

واشتهر بين الناس مثلٌ عجيب نصه: “ذهب الحمار يطلب قرنين، فعاد بلا أذنين”.

وهذا المثل يضرب لمن طمع في شيءٍ هو عاجزٌ عن الوصول إليه، أو بلوغ بعضه، ويمكن أن يضرب لحال الحكام الذين باعوا شعوبهم وكرامتهم، وارتموا في أحضان أمريكا طمعًا في أن تمنحهم (قرونًا) تعزز مكانتهم، وتحميهم من شعوبهم، ولكنهم للأسف فقدوا أمام الصلف الأمريكي كرامتهم، وعزتهم، وقوتهم، وأصبحوا مجردين من حرية اتخاذ القرار إلا بإجازة أمريكا.

بل يضرب لأمريكا نفسها التي غزت العراق، وهي تطمع أن تبرز قرونها، وتسيطر بها على المنطقة، وتكون العراق نجمة أخرى في علمها، فكانت النتيجة أنها فقدت الكثير والكثير والكثير، من المال، والرجال، وأصبحت كحمار بلا أذنين ولا قرنين، وهي في مأزق حرج حاد، وهو الوصول إلى القدرة على مغادرة العراق.

بين المثل والحكمة..

يقول إبراهيم النظام: يجتمع في المثل أربعةُ لا تجتمع في غيره من الكلام: إيجاز اللفظ، وإصابة المعنى، وحسن التشبيه، وجودة الكناية، فهو نهاية البلاغة.

ويقول ابن المقفع: إذا جعل الكلام مثلاً كان أوضح للمنطق، وآفق للسمع، وأوسع لشعب الحديث.

فالمثل قولٌ موجز حكيم، يرد في حادثة ما، ويذيع على الالسنة، فيضرب به في حالةٍ تشبه الحالة الأولى التي ورد فيها.

ومن ثم يرتبط المثل ـ باعتبار استعماله ـ بحادثتين الأولى: ذكر فيها المثل لأول مرة وتسمى (مورد المثل)، والثانية: التي يستشهد فيها بالمثل وتسمى (مضرب المثل)، ومن ذلك نستطيع أن ندرك ما يلتقي فيه المثل والحكمة وما فيه يختلفان: فالمثل يشبه الحكمة في الإيجاز، وإصابة الفكرة، ولكنهما يختلفان من وجوه تتلخص فيما يأتي:

1ـ انفراد المثل بالارتباط بمورد ومضرب.

2ـ الحكمة ذات مضمون فكري وإنساني وأخلاقي، وذات طبيعة توجهيه سلوكيه، فهي لا تصدر إلا عن طائفة من ذوي الثقافة العالية، والتجارب الطويلة: فشخصية قائلها لها اعتبار.

أما المثل فالاعتبار الأولى (للحادثة) لا لشخصية قائله ومركزه، الاجتماعي وحظه من الثقافة والتجربة.

مختارات من الأمثلة..

ـ إن من البيان لسحرًا.

ـ تزاوروا ولا تجاوروا.

ـ الثكلى تحب الثكلى.

ـ جزاء سنمار.

ـ أجود من حاتم.

ـ جنة ترعاها خنازير.

ـ حظ في السحاب، وعقل في التراب.

ـ أخطب من سحبان وائل.

ـ الدراهم مراهم.

ـ الذئب خاليًا أسد.

ـ الزريبة الخالية خير من ملئها ذئابًا.

ـ السنور- القط – الصياح لا يصطاد شيئًا.

ـ شر أيام الديك يوم تغسل رجلاه.

ـ طعن اللسان كوخز السنان.

ـ ظاهر العتاب خير من باطن الحقد.

ـ غاب حولين وجاء بخفي حنين.

ـ قد ضل من كانت العميان تهديه.

ـ لو كان في البومة خير ما تركها الصياد.

ـ يبني قصرًا، ويهدم مصرًا.

*****

وإذا كان للأمثال قيمتها الفنية كأقوال موجزة مركزة قوية البيان آسرة التصوير، فإن لها أهميتها الكبرى من جوانب أخرى:

1ـ فهي تنم على ذكاء قائلها ونفاذ بصيرته، ودقة ملاحظته وبراعته في التصوير والتركيز.

2ـ وهي وعاء حفظ على مدار التاريخ، أسماء مشاهير العرب، وسماتهم النفسية، والعقلية، وقدراتهم المختلفة في مجالات السياسة، والحرب، والبلاغة. ويأتي ذكر هؤلاء: فمنهم الفائقون في الفضائل ومعالي الأمور فيقال: أخطب من سحبان وائل ـ وأكرم من حاتم الطائي، وهما قمة الفصاحة والكرم في التاريخ العربي، كما يقال: أبخل من مادر. وأفهّ وأعيي من باقل وهما النموذجان المقابلان…

3ـ والأمثال بعد ذلك هي أصدق ما صور ملامح الحياة الاجتماعية، والسياسية في الحرب، والسلم. ورافد الصدق هنا أنها تصدر بصورة عفوية، لا تلكف فيها ولا تصنع، حتى ليمكن للباحث أن يستخلص من هذه الأمثال تضاريس وافية للحياة العربية بكل ملامحها.

***

إن الأمثال والحكم ثروة تراثية ضخمة تربط بين الماضي والحاضر، ولا أبالغ إذا قلت إننا في وقتنا الحاضر، لا نستطيع أن نعثر على مثل إلا وهو يمكن أن يضرب على منحى من حياتنا الحاضرة، في السياسة، والاقتصاد، والاجتماع، والقادة، والأسرة … إلخ.

لذلك أرجو ألا أكون مسرفًا إذا دعوت إلى تدريس مادة (الحكم والأمثال) في المرحلة الثانوية من تعليمنا، أو في بداية المرحلة الجامعية.

Print Friendly, PDF & Email
مقالات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

img
القائمة البريدية
img