img
مع لمحات نجيب الكيلاني
img
Print pagePDF pageEmail page

مع لمحات نجيب الكيلاني

المسيرة .. والرؤية .. والقيم ..

(يونيو 1931 ـ مارس 1995)

مدخل :

بين يدي هذا البحث المتواضع أرى من اللازم أن نلقي أضواء سريعة على أهم ملامح نجيب الكيلاني وتوجهاته في تركيز شديد ، كطبيعة المداخل والتوطئات .

ثم التعرف في إيجاز شديد أيضا على النوعية الموضوعية والفنية التى تنتسب إليها سيرته الذاتية . كل أولئك خلوصا إلى ما تعكسه وقائع هذه السيرة الذاتية :من دروس وتوجيهات، وما يُستخلص منها من قيم إنسانية ، وخلقية ،ودعوية . ( 1 )

* * *

مع الكيلاني في مسيرة حياته :

ولد نجيب الكيلاني في 1 / 6 / 1931 ، بقرية شرشابة ــ غربية . كان والده يعمل بالزراعة ، والتحق نجيب بكتاب القرية في الرابعة من عمره وحفظ القرآن وقواعد القراءة والطتابة ومبادئ الحساب ، ثم التحق بالمدرسة الأولية . ولكنه ظل وفيا للكتاب . وقد قال في ذلك “… وإني مدين في تأسيس حيلتي لكتاب الشيخ محمد درويش رحمه الله … ” ( 2 )

والتحق بعد ذلك بمدرسة الأمريكان الابتدائية بسنباط . وعن هذه الفترة من حياته يقول ” إن خروجي من قرية شرشابة إلى مدرسة سنباط كان بداية الرحلة الطويلة … الرحلة التى امتدت إلى آفاق الدنيا ويا لها من رحلة ” . ( 3)

وإن لم تخل هذه المرحلة من مشاق إذ كان يشارك الأسرة في أعمال الحقل كنقل السماد البلدي ، وزراعة القطن والقمح والذرة ، وإدارة الطنبور وحصد البرسيم والقمح والذره ، والإصابة بالبلهارسيا والإنكلستوما ، وفقر الدم … الخ ( 4 )

* * *

وكان لقريته شرشابة مكانة كبيرة في قلبه طيلة حياته ، فظل وفيا لها ، يقدم لها خدمات جليلة في المجالات الإنسانية ومجال الطب ، على شدة المتاعب والعقبات التى وقفت في طريقه ، وقد صور ذلك في روايته ( الذين يحترقون ) . كما انعكس عشقه لقريته في مطـولة شعرية من خمسين بيتا نظـمها سنة 1956 وهو في السجـن بعنوان ” القرية العذراء ” . ( 5 )

* * *

وانتهي نجيب من المرحلة الابتدائية وحصل على شهادتها بتفوقق ، والتحق بمدرسة كشك الثانوية بمدينة زفتى ، وانتقل منها إلى مدرسة طنطا الثانوية ، ومنها حصل على شهادة التوجيهية . والتحق بكلية الطب بجامعة فؤاد الأول ( جامعة القاهرة الآن ) سنة 1951 ، استجابة لإصرار والده، مع أنه كان يتمنى أن يلتحق بكلية الآداب أوالحـقوق . ( 6 )

وفي سنة 1947 تأثر نجيب بما كان يراه ويسمعه في حفلات الإخوان في المناسبات المختلفة ، كالهجرة والمولد النبوي والمسرحيات الإسلامية .

ولكن تأثره الأكبر كان بالأحداث الثلاثة الأتية :

1-ما رآه من أفواج متطوعي الإخوان المتجهين إلى الجهاد في فلسطين .

2-نشر مجلة الإخوان في عام 1948 أول قصيدة له وكانت بعنوان ” النور بين أيادينا ” .

3-استشهاد الإمام حسن البنا برصاصات غادرة في فبراير 1949 .

وزاد من تأثره التفاصيل التي رواها أستاذ اللغة العربية عبد الستار عجور الذي كان نجيب يحبه . وفي هذا كتب نجيب فيما بعد “وفي هذا اليوم الأسود الحزين تصرفت كعضو في جماعة الإخوان وبكيت يومها بحرارة … وانخرطت في سلك الإخوان في أقسى أيامها … وخلعت رداء الحزبية القديمة إلى الأبد . ( 7 )

* * *

والتحق نجيب بكلية الطب 1951 وكان متفوقا ، كما كان له حضوره الإخواني القوي داعية ، وشاعرا ، وخطيبا وخصوصا في أيام ديكتاتورية عبد الناصر . وله عبارات مأثورة في خطبه . كما ألقى كلمة الطلبة في المؤتمر الكبير الذي عرض في كلية الطب إبان أزمة محمد نجيب وجمال عبد الناصر في سنة 1954 . كما كان نجيب واحدا من قادة المظاهرة الضخمة التى ضمت عشرات الألوف من طلاب الجامعة يوم 28 / 2 / 1954 والتى خرجت ضد عبد الناصر ورجال الثورة ودكتاتورية الحكم ، وتطالب بعودة محمد نجيب للرئاسة .

ولكن الأمر استقربعد ذلك لعبد الناصر، واعتقل نجيب الكيلاني وهو في الرابعة من كلية الطب ، وقدم للمحاكمة وحكم عليه بالسجن لمدة عشر سنوات بتهمة الاشتراك في نظام سري مسلح يعمل على قلب الحكم بالقوة ، وقضى في السجن ثلاث سنوات ، وأفرج عنه إفراجا صحيا أواخر عام 1958 .

وأعيد اعتقاله مرة أخري سنة 1965 ، وأفرج عنه سنة 1967 ( 8 )

* * *

وعمل نجيب طبيبا بعد تخرجه ، ولكنه عاش مغرما بالقراءة والكتابة . ويوضح نجيب أن عمله الطبي في مختلف المواقع أوحى إليه بكثير من القصص القصيرة وبعض الروايات والمقالات . وخلال عمله طبيبا في الإمارات ، وخصوصا في الستة عشر عاما الأخيرة قبل بلوغه سن التقاعد ، استطاع أن يعتمد أسلوبا أدبيا يمتزج بالحقائق العلمية في عمل النشرات الصحية التثقيفية والتقارير والمواد العلمية .

وانعكست حياته الطبية في كتب وقصص مثل : ” حكايات طبيب “، وفي برامجه التى كان يقدمها في إذاعة الشارقة بدولة الإمارات العربية “( 9 )

* * *

وفي 31 من مارس 1968 غادر مصر للعمل طبيا بدبي وعاد إلى مصر عودة نهائية عام 1992 .

وفي الأجزاء الخمسة التى كتبها نجيب ترجمة ذاتية له بعنوان ” لمحات من حياتي ” ، ومن عجب إنه لم يتناول بالحديث الفترة التى قضاها بالخليج وهي تقارب ربع قرن ، مع أنها أثري مراحل حياته إنتاجا في مجالات القصة والرواية ، والتنظير للأدب الأسلامي .

ولا شك أن شعوره بالأمان والاستقرار النفسي والأمني والمادي كان له دخل كبير في تغزير إنتاجه في هذه الفترة . ومن الخليج بدأ نجيب يأخذ طريقه إلى العالمية ، وخصوصا على المستوى العربي والإسلامي ، بعد أن كتب روايات تدور موضوعاتها خارج الحدود المصرية والعربية .

وتوفي نجيب بعد مرضى عضال عانى منه أشد المعاناة ، وأجريت له عدة عمليات جراحية إلى أن وافاه الأجل في مدينة طنطا بمصر في الخامس من شوال سنة 1415 ، الموافق السادس من مارس سنة 1995 يرحمه الله . ( 10 )

* * *

طبيعة السيرة الذاتية فنيا وموضوعيا :

للسيرة الذاتية عدة إطلاقات منها : السيرة الشخصية ، الترجمة الشخصية ، الترجمة الذاتية وهي المعروفة في الإنجليزية بـ Biography. وهي في إيجاز تلك التي يتناول الكاتب فيها حياته بقلمه ، ويكشف بها عن ملامحه ، وسيرورة حياته .

وقد تكتب على هيئة سرد تاريخي منتظم الوقائع . وقد تأتي في شكل :

مذكرات : يعنى فيها الكاتب بتصوير الأحداث التاريخية أكثر من عنايته بتصوير واقعه الذاتي ، كما نرى في ” مذكراتي في نصف قرن ” لأحمد شفيق باشا .

ذكريات : وهي التى تكتب معتمدة على الاجترار الذهني والنفسي . بأن يعتمد الكاتب على استعادة وقائع الحياة بالتذكر ، وقد يكون قد مر عليها عشرات السنين .

يوميات : وهي التي يسجل فيها الكاتب واقع حياته مياومة … أي كل يوم ، أو في أيام متقاربة ، وتكتب في حينها . وغالبا ما يلتزم فيها الكاتب الانتظام الحدثي المتتالي ، بعيدا عن الاستطراد .

اعترافات : وفيها يكشف الكاتب عن خباياه ، ويعري فيها نفسه ومجتمعه . وربما كان أشهرها اعترافات ” جان جاك روسو ”

رواية فنية : يعرض الكاتب فيها صورة حياته بطريقة قصصية كما نرى في ” الأيام” لطه حسين ، و ” عودة الروح ” لتوفيق الحكيم . ( 11 )

وقد يتوارى كاتب السيرة الذاتية فيتحدث بضمير الغائب ، وتبرير هذا أن الإنسان بطبعه يرفض غالبا فكرة الكشف الكامل عن حياته وأهوائه وأخطائه ( 12 )

وقد يكثركاتب السيرة الذاتية من الأحداث التاريخية ، وملامح المجتمع في عصره ، ولا ضير في ذلك إذا كان للكاتب حضور قوي في غمار هذه الوقائع والأحداث ، بحيث لا تضعف من وجوده وحضوره .

ومن أهم التراجم الذاتية في العصر الحديث : ” حياتي ” لأحمد أمين ، وترجمة أحمد شوقي بقلمه في مقدمة الجزء الأول من الشوقيات ، و ” أنا ” لعباس العقاد ، و ” تربية سلامه موسى ” ، و ” الأيام ” لطه حسين . و ” مذكرات الدعوة والداعية ” للإمام الشهيد حسن البنا .

وهناك ملاحظة مهمة جدا وهي أن الترجمة الذاتية الكاملة لم تكتب بعد ، ولن تكتب أبدا ، بل ينتهي منها الكاتب قبل وفاته بأشهر أو سنوات .

وقد يوزع الكاتب سيرته على أجزاء متعددة بأسماء متفقة ، أو مختلفة يمثل كل منها قطاعا من حياته وتوجهاته . فمثلا نرى عباس العقاد السياسي في كتابه ” في عالم السدود والقيود ” . ونرى العقاد العاشق وسيرته العاطفية في ” سارة ” ، ونرى العقاد الكاتب المفكر في كتابيْ ” أنا ” و ” حياة قلم ” . كل هذه الكتب تمثل ترجمة متكاملة ــ ولا أقول كاملة ــ من أجزاء أربعة .

* * *

نجيب الكيلاني وملامح منهجه :

وفي إيجاز مكثف مُبين عرض نجيب في مقدمة الجزء الأول من ” لمحات من حياتي ” طبيعة السيرة الذاتية وأهميتها ، ومنهجه الذي اتبعه في كتابتها . ونستطيع أن نلخص ما ذكره في هذه المقدمة :

1-ملامح أي عصر في أية منطقة تتحدد من خلال معطياته الثقافية ، وأوضاعه الاجتماعية والاقتصادية ، وإنتاجه الفني ، ووقائعه السياسية . هذا هو الاساس .

2-مع التسليم بهذه الحقيقة يظل النموذج ” الفرد ” بفكره ، وقوله ، وفعله ، وعقيدته ، وتجاربه ، تعبيرا حيا عن زمنه ومكانه ، مع تفاوت أهمية الأفراد تبعا للأدوار التى يؤدونها .

3-يبقى الفنان ــ أديبا أو رساما أو ممثلا ــ صورة نابضة لزمنه وبيئته .

4-تعتبر السيرة الذاتية من أصدق الألوان أو الأنواع الفكرية والأدبية في تصوير المبدع وإبداعه ومجتمعه .

5-ترتبط القيمة العلمية و الفكرية للسيرة الذاتية بالمكانة الاجتماعية والسياسية او العلمية لصاحبها . بشرط البعد عن تزييف الواقع ، وضعف آليات التعبير ، والحرص على تحقيق المجد والشهرة والمال .

6-من آثار الاوضاع السياسية الدكتاتورية لجوء كاتب السيرة إلى التواري ، والرمز والإسقاطاط السياسية .

7-وإذا اقتربنا أكثر من نجيب الكيلاني عثرنا على ما يأتي :

أ – ما قدمه في اللمحات يعتبرها مقتطفات . وقد ذكر أنه كان يتهيب كتابة سيرة ذاتية من قبل اعتقادا منه بأنها خاصة بالأعلام البارزين وحدهم .

ب ــ لجأ إلى كتابة هذه اللمحات أمام رغبات الأبناء الأعزاء في الدول العربية والإسلامية الذين يعدون رسالات الماجستير والدكتوراه في عدد من الجامعات عن الأدب الاسلامي ، وخصوصا الروايات الإسلامية التى كتبها باعتبارها تطبيقا عمليا لما دعا إليه في كتابيه ” الإسلامية والمذاهب الأدبية ” و “حول الدين والدولة”.

جـ ــ واستعرض حياته بينه وبين نفسه ، فوجد فيها من الأحداث الشخصية والعامة ما يمكن أن يعطي مادة طيبة يستقي منها هذه اللمحات . ويقول نجيب أنها تمثل مقتطفات ” من حياة مسلم … فلاح … طالب علم … طبيب … سجين … مهاجر … صديق للقلم … عاش في الثلثين الأخيرين من القرن العشرين الميلادي ، وليس لهذه اللمحات قيمة سوى أنها شاهد على عصره . ” … (وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ” (البقرة 283 ) . ( 13 )

* * *

مع لمحات الحياة :

كان نجيب الكيلاني ُطلعَة يحب القراءة ، ويعشقها ، ولا ينفصل عن الكتاب . وكان موسوعي الثقافة … تعددت معارفه في التاريخ ، والأدب والنقد ، والسياسة ، والنظم الإسلامية ، والاجتماعيات …الخ

لذلك تعددت كتاباته ، وضربت بسهم وافر في ميدان هذه المعارف : فكان أديبا ، شاعرا ، ناقدا ، منظرا ، وكاتبا متفردا في الإسلاميات ، وكتاب السيرة الذاتية .

وكل هذه المعارف تضافرت ، وصنعت نسيج شخصيته ، وتفاعل بعضها مع بعضها الآخر تأثيرا وتأثرا بصورة طبعية ، لا افتعال فيها ، ولا تكلف ، ولا تعسف . ولكن الحكم المتولد في نطاق سيرته الذاتية هو أننا نجد في كل هذه السيرة حضورا قويا للكاتب بطوابعه القصصية ، والدرامية ، ومعطيات الشعر المرتبط بالواقعة ، وعلائقه الاجتماعية

والعقدية ، والسياسية . ففي ترجمته الذاتية نجد نجيب الكيلاني المؤرخ … القصاص … الشاعر … الخطيب … الداعية ، مع اختلاف في درجة حضور هذه النوعيات .

وقد استعرضنا من قبل مسيرته في أرض الواقع بوقائعها ، وأحداثها : الحلو منها والمر . ولنلق الضوء فيما يأتي على شخصيات كان لها حضور في حياته .

وقبل ذلك نشير إلى أن القصة معرض لأشخاص جدد يقابلهم القارئ ليتعرف عليهم ، ويتفهم دورهم ، ويحدد موقفهم ، ومن هنا تأتي أهمية التشخيص Characterization

( 14 )

والشخصية في العمل الفني ــ أيا كلن نوعها ــ كائن حي له جوانب وأعماق وأبعاد . وهذه الجوانب وتلك الأبعاد تتمثل في ثلاثة هي :

1-الجانب الخارجي أو البراني : ويتمثل في الصورة الحسية والمظهر العام ، والسلوك الظاهري للشخصية ، أي في صفات الجسم المختلفة ، من طول وقصر ، وبدانة ونحافة ، وعيوب وشذوذ .

2-الجانب الداخلي أو الجواني : ويشمل الملامح والأحوال النفسية ، والفكرية ، والروحية ، والرغبات ، والآمال ، والعزيمة ، والفكر ، وكفاية الشخصية بالنسبة لهدفها ، ويتبع ذلك المزاج من انفعال وهدوء ، ومن انطواء أوانبساط … الخ

3-الجانب الاجتماعي : ويتمثل في المركز الذي تشغله الشخصية في المجتمع ، وظروفها الاجتماعية ، وعلائقها مع الأخرين ، وانتمائها إلى طبقة معينة ، وعمل الشخصية ، وملابسات العصر ، وصلتها بتكوين الشخصية . ( 15 )

* * *

شخصيات في حياة الكيلاني :

عرض نجيب في لمحاته لعدد من الشخصيات التى كان لها أثر كبير في مسيرة حياته ، وتوجيهها بصورة مباشرة ، أو غير مباشرة وهذه الشخصيات كثيرة ، وقد عرض نجيب منها شخصيات قد تبدو غريبة عن القارئ ، أو ليس لها حظ كبير من الشهرة ، وهذه الشخصيات توافر لها ما ذكرناه من أبعاد الشخصية الثلاثة كما يقتضيه ” فن التشخيص ” . ومن هذه الشخصيات :

1-الحاج محمد الشافعي : ابن عم والدته ، وهو أول من اعتنق مبادئ الإخوان في قرية شرشابة ، وكان رجلا شجاع الرأي ، صريحا في كلامه ، لا يداري ، ولايحابي ، ولا يتهيب أن ينتقد أقرب المقربين إليه عندما يراه ينحرف . وكان مؤمنا أعمق الإيمان بمبدئه ، وكان على علاقة وثيقة بالشيخ حـسن البنا رحمه الله . وعن طريقه قرأ نجيب مطبوعات الإخوان التى كان الشيخ يحتفظ بها ، وكان يقرأ مجلة الإخوان الأسبوعية التى تصل إلى الشيخ عن طريق البريد ، فيطلب من نجيب أن يقرأها أولا .

ويمكن القول أن الفضل الأول ــ بعد الله ــ يرجع إلى هذا الرجل في تجذير ولاء نجيب لمبادئ الإخوان ، وتعلقه بهم ، وخصوصا أنه كان يأنس لخاله هذا ، ويقضي معظم وقته معه ، مع أن فارق السن بينهما كان كبيرا ، إذ كان في عمر والد نجيب . ( 16 )

2-الشيخ محمود أحمد المداح : شيخ الطريقة الصوفية الأحمدية . ويصفه

نجيب بأنه كان رجلا وسيما ، نظيفا ، رقيقا ، كأنه ملاك ، وكان أنيقا في جبته الجميلة وقفطانه ، وكانت مجرد مشاهدته توحي بالراحة والاطمئنان والإجلال .

وكان الشيخ يحب ” نجيب ” ، ويعجب به لتواجده بالمسجد كثيرا ، ولتفوقه في الدراسة ، حتى إنه اختاره دون غيره لكي يملي خطاباته الخاصة عليه ، وهي

الخطابات التى يرسلها لأخوانه ، وأصدقائه ، ودراويشه في مختلف الأنحاء … وكان نجيب يحضرمعه مجالس الذكر والحضرات منـــــذ الصغــر . يقول نجيــــب ” وكان لأعجابي وارتباطي بهذا الرجل الكثير من الفوائد والسلوك الإيجابي في تلك الفترة . ( 17 )

3-الشيخ سيد الوكيل : ويعترف نجيب بأن هذه الشخصية غيرت مجرى حياته وهي شخصية الشيخ سيد الوكيل ، وإن ارتبط وجودها بواقعة واحدة فقط في حياة نجيب . وهي ــ كما يرويها نجيب في لمحاته ــ أنه كان يقضي عطلة الصيف في قريته شرشابة عام 1951 ، بعد ان انتهى من السنة الإعداية في كلية الطب . وقصد أحد أعيان القرية ولد نجيب ليطلب من ابنه أن يعطي ابنته ” أنصاف ” طالبة الثانوية العامة درسا خصوصيا ، وكان نجيب يعتبر أنذاك داعية من دعاة الإخوان ، على مستوى بلدته ومنطقته .

واستجاب نجيب لهذه المهمة ، وبدأ قلبه ينبض بـ ” الحب الأول ” في حياته ، وزا د اقترابه من الفتاة الجميلة ، وبدأ زملاؤه يتغامزون ، وامتلأت القرية بالشائعات ، ومنها أنه ستعلن خطبته على ” أنصاف ” في وقت قريب . وغضبت أمه وزوجة جده ؛ لإنه سيتزوج غير قريبته بنت الأصول . واعتبرت أمه ذلك كارثة ، وأن ابنها نجيب وقع ضحية مؤامرة من تدبير نسوة تعرفهن .

وتزداد الإشاعات والغمزات في القرية ، ويرفع أحد الإخوان شكوى ــ أو تصويرا لهذه الحال ــ إلى مركز الإخوان الذي يكلف الشيخ سيد الوكيل بعلاج الموضوع ، وإنقاذ نجيب من هذه الورطة العاطفية .

ويستدعى نجيب إلى زفتى ، ويستطيع سيد الوكيل أن يعالج المسألة بالأسلوب الإسلامي العظيم ، وهو منهج الرسول صلى الله عليه وسلم في التربية والتوجيه ، فبدأ حديثه إلى مجموعة الإخوان وفيهم نجيب عن واجب الدعاة وما يجب أن يتسموا به من خلق رفيع ، وسلوك طيب ، والتزام أوامر الله ونواهيه .

وبهذا التوجيه العام لم يشعر أحد أن الشيخ سيد قد حضر خصيصا من أجل ” مشكلة نجيب ” . ثم دعاه الشيخ لتناول الغداء في اليوم التالي ، وأخبرالشيخ ” نجيب ” بالشكوى ، وما أثاره درس ” أنصاف ” من قيل وقال ، وأنه لا نجاة من هذه الورطة إلا بالثقة بالله والنفس ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه ” . وختم حديثه إلى نجيب بقوله ” إن مجال الخدمات الإنسانية واسع ، ومتعدد الجوانب ، وليس قاصرا على درس خصوصي لفتاة ، والحمد لله انتهت العطلة الصيفية ، أو كادت ، ويمكنك منذ اليوم وقف هذه الدروس لمصلحتك ومصلحة دعوتك … وهناك كثيرون وكثيرات ــ غير نجيب ــ يستطيعون أن يقوموا بهذه المهمة ” .

وبقي جزء من المشكلة وهو الشكوى وكاتبها ، وقد يسيء نجيب الظن ببريء … ولكن أحد الإخوان من شرشابة نهض في انفعال وقال : ” أنا الذي تقدم بالشكوى حرصا على كرامة دعوتنا ، بعد أن تحدثت ألسنة السوء ” .

فيرد عليه الشيخ الوكيل : ” لا تهول في الأمر ، إنها ليست شكوى ، بل نصيحة : فالمؤمن للمؤمن كاليدين تغسل إحداهما الآخرى . وبذلك لا مشكلة ولتستأنفوا برنامجكم كالمعتاد ، وكأن شيئا لم يكن ” .

ويتحدث نجيب عن هذه التجرية والدروس التى خرج بها:

“…. لقد كتبت أثناء الدرس أبيات رومنسية في الغزل ، وأتذكر أن نظرتي الأولى كانت تطول وتطول وتتبعها نظرات ، واتذكر كيف أن أيام الانقطاع الأولى عن دروس أنصاف قد أورثتني الأرق والكآبة . لقد كانت ليالينا بريئة لم تخرج عن ذلك ، ولكن يكذب من يدعي أن نفسه لا تحدثه بشيء ، وهو يجلس منفردا مع امرأة حتى ولو كان بينهما منضدة رخامية سميكة ، فالعفة صراع شديد ، والحرمان نار تتلظى … تلك هي الحقيقة … ولذلك فقد رسخت في ذهني عقيدة لا تتزعزع ألا وهي : الزواج المبكر متى توفرت أبسط الإمكانات لذلك “.

* * *

ولولا الشيخ الوكيل بمنهجه العملي السديد في علاج هذه المشكلة ما اهتدى نجيب إلى زوجته الصالحة ” كريمه محمود شاهين ” التى ملأت حياته حبا ، وأغنت دنياه بالبهجة والسعادة والاستقرار ، ووقفت إلى جواره تساعده وتسانده برأيها وفكرها ، وتمده بما يحتاج إليه من مراجع ، وتراجع ما يكتب مراجعة دقيقة .

وعن قصته مع أنصاف يقول نجيب ” وأمام اشتعال الشباب في مثل هذا المأزق لا يكون أمام المسلم إلا أمران يجب على المسلم أن يأخذ بهما ، ولا ثالث لهما :

أولهما : إتخاذ الأساليب والطرق الوقائية للبعد عن المزالق .

وثانيهما : الزواج إذا توفر الحد الأدنى من متطلباته . “( 18 )

4-الشيخ محمود شاهين : الذي تعرف عليه نجيب بعد انتقاله من قرية

” القرشية ” التى يعمل بها إماما وخطيبا إلى مسجد بالقاهرة ، وبصفه نجيب بأنه كان ” رجلا سمحا ، واسع الأفق ، حجة في فقه الأمام الشافعي ، خبيرا بشئون الحياة ، عميق النظرة ، ذا رأي سياسي واضح ، ولكنه يرفض المشاركة في الصراعات الحزبية ” . ( 19 )

ومن سعة أفقه وبعد نظره : أنه في بداية الثورة كان ينذر بأن الأمور لا تسير في مسارها الصحيح ، وأننا مقبلون على كارثة ، وربما كوارث ، وكانت كلمته الشهيرة عن عبد الناصر ” بكره يخربها ويقعد على تلها ” .

وكان نجيب يرتاح لمجلسه ، ويسعد بحديثه ، وكان يعرض عليه بعض كتاباته الإسلامية ، ويسمع توجيهاته ، ورأيه فيها باهتمام ، وكان يزوده ببعض الكتب والنصوص التي تتعرض لذات الموضوع . وكانت ثقته بنجيب تجعله ينيبه عنه في إلقاء خطب الجمعة في المسجد الذي يخطب فيه إذا ما سافر في إجازة .

وكان يعامل نجيب كواحد من أبنائه ، ويسر إليه ببعض خصوصياته دون حرج ، كما كان نجيب ينظر إليه كوالده ويعرض عليه ما يصادفه من مشكلات . ومن الوقائع التى ذكرها نجيب في لمحاته أكثر من مرة أنه حينما وقعت الواقعة بين الإخوان والثورة عام 1954 عُقد مؤتمر بكلية الطب بالقصر العيني ، واختاره إخوانه ليلقي الكلمة الرئيسية في المؤتمر ، وفي خطبته قام بشن هجوم شديد على الثورة وعلى جمال عبد الناصر ، ثم ساعده إخوانه في الإفلات من باب خلفي بالكلية ، وقرر نجيب أن يختفي عند الشيخ محمود شاهين الذي رحب به بشدة ، وخصص له حجرة في منزله ، وشدد في التنبيه على أفراد أسرته ألا يذيعوا سر وجوده بينهم حتى تمر الأزمة ، ولم يكن نجيب قد أصهر إليه بعد ، ولم يهتم الشيخ بالأخطار التى يمكن أن تلحق به .

5-الأستاذ تحفة : ” كتب نجيب كان في مدرستنا الثانوية ” الأستاذ تحفة ” ، وهو رجل طلق اللسان ، حلو الأسلوب ، دفاق العاطفة ، يهوم بنا في أفاق عليا من الأمجاد الإسلامية ، وأحداث التاريخ الباهرة وخاصة في مناسبات الهجرة والمولد النبوي وغيرهما ، وكنا ننتظر كلمته على أحر من الجمر ، فإذا تكلم أصاخت الأسماع ، وحملقت العيون ، ثم تلتهب الأكف بالتصفيق ، وتنشق الحناجر بالهتاف والتكبير والتهليل ، ” ولا شك أن مثل هذه الشخصية كان لها أثر كبير في توجه نجيب إلى الطوابع الدينية والبلاغية في الخطابة . ( 20 )

* * *

هذه شخصيات قد تكون مجهولة للقارئ العادي لذلك كان من اللازم أن نعرض لها ، وما أكثر ما كتب نجيب عن الأمام الشهيد حسن البنا ، وعن سيد قطب رحمهما الله ، وغيره من القيادات الإخوانية .

ويظهر فن التشخيص بطوابعه القصصية ، وأسلوبه المتدفق في شخصية لها شهرة في التاريخ الإخواني وهو إبراهيم كروم ، مع أنه لم يحصل على مؤهلات ، ولم يكن من رجال الفكر ، والحديث عنه يبين منهج نجيب في التشخيص التصويري الفني .

كتب نجيب ” …ولفت نظري بين المعتقلين رجل طيب ، يصفق بيديه كما يفعل الرجل الشعبي الأصيل ، ويرحب بنا في حرارة ، ويلقي بكلمات تعبر عن الحب والتقدير بالنسبة لنا ، ولم يحاول السجانة ، او حتي الضابط أن يمنعه من ذلك ، وحاولت أن أتذكر من هذا الرجل ولكن حيرتي لم تطل فقد قال أحد الإخوان : إنه الحاج إبراهيم كروم .

وعلمت أن للرجل قصة طريفة يعرفها إخوان القاهرة ، فقد كان من الرجال القساة الأشقياء ، وكان ” فتوة ” شهيرا لحي من أحياء القاهرة العريقة استطاع أن يفرض سطوته على قطاع عريض من الناس ، بل تخطى سلطانه حدود الحي الذي يحكمه … وكان يفرض الإتاوات ، ويطيح بالأقوياء ويؤدب المناوئين له ويريق الدماء ، ويحرق ويدمر ، وكانت الشرطة تعمل له ألف حساب ، وتتجنب الاصطدام به وبرجاله ، ويعتبرون العلاقة الطيبة به من وسائل الاستقرار واستتاب الأمن . كما كان رجال الاحزاب في الحي يجاملونه ويتقربون إليه من أجل الانتخابا ت، في عهد ما قبل الثورة ، ويتسابقون لإنقاذه إذا وقع في ورطة مع الحكومة حتى يكتسبوا رضاه ، أو تأييده .

وعندما اتسع المد الإخواني وأصبح لحسن البنا تأثير كبير في الشارع المصري ، استدعاه أحد رجال الأحزاب وعقد معه صفقة ، مؤداها : أن يدفعوا له مبلغا كبيرا من المال ، وأن يحموه من بطش السلطة ، وذلك إذا استطاع أن يذهب إلى المركز العام للإخوان في أحد أيام الثلاثاء أثناء إلقاء المرشد درسه الأسبوعي على جموع الإخوان في ميدان الحلمية الجديدة وأن يعتدي على البنا ، ويفسد الاجتماع . وكان هذا أمرا عاديا بالنسبة لإبراهيم كروم ، فوافق على الصفقة فورا .

وفي اليوم المعهود أخذ رجاله وسلاحه وقصد إلى ميدان الحلمية ، وكانت الحشود تجلس على الأرض في هدوء عجيب ، وكأن على رءوسهم الطير ، وكان الإمام الشهيد يتحدث عن مبادئ الإسلام وأمجاده ، بأسلوبه المؤثر الساحر ، ولم يكن يقطع هذا المشهد الرائع إلا الهتافات والشعارات المعروفة لدى الإخوان ” الله أكبر ولله الحمد … الله غايتنا ، والرسول زعيمنا ، والقرأن دستورنا ، والجهاد سبيلنا ، والموت في سبيل الله أسمى أمانينا ” .

وتعلقت عينا إبراهيم كروم بالرجل الطيب … ونسي تماما ما جاء من أجله ، وفي لحظة من اللحظات ، وجد إبراهيم كروم نفسه يهتف مع الهاتفين ويردد الشعارات كما يرددها الألاف ، وما أن انتهي المرشد من حديثه حتى اندفع إليه إبراهيم في حماسة وحب ، ثم احتضنه ، وأخذ يقبل رأسه ولحيته ، ويحاول تقبيل يديه ، … وكان هذا بداية وثيقة بقيت حتى استشهد الإمام وتاب إبراهيم وودع حياة الدماء والعدوان والخمر والمخدرات ، وبدأ عهدا جديدا من الطاعة والصفاء ، فكان يبدأيومه بالمسجد في صلاة الفجر ، وينهيه في المركز العام للإخوان مستمعا إلى الأحاديث الطيبة ، بعد أن أصبح اثيرا لدي الإمام البنا رحمه الله .

وانصرف إبراهيم ــ بعد أن حج بيت الله الحرام ــ إلى التجارة الحلال ، فكثرت أمواله ، واستقام سلوكه ، وأصبح من المشهود لهم بحسن العبادة ، وكرم الأخلاق والعطف على الفقراء . ( 21 )

* * *

ولكن هناك شخصيات ووقائع فكاهية تناثرت في تضاعيف هذه السيرة ، وجاءت في مكانها المناسب . ومن هذه الشخصيات : المهندس محمود عجوة ، وكان هو المسئول عن مكتبة السجن بعد الحكم عليه . ومحمود شاب طيب القلب ، يتمتع بقوة بدنية خارقة ، وبشجاعة يحسد عليها ، وقضية ” الجبهة الوطنية ” قضية مضحكة ، وقد قبض على مجموعة متنافرة من الطلبة ــ أغلبهم من جامعة عين شمس ــ لاشتراكهم ــ كما قيل ــ في بعض المظاهرات أو التحريض عليها . ولم يستطع المحققون أن يكتشفوا أدنى رباط بين أفراد هذه المجموعة ، إذ وجدوا فيهم الإخواني ، والوفدي ، واللا منتمي ، كما بدا واضحا أنه لا يوجد ما يمكن أن يطلق عليه تهمة ، فما كان من أحد كبار رجال الأمن إلا أن استدرج أحد المتهمين بالوعد والوعيد ليلقي التهمة علي المهندس محمود عجوة ( طالب هندسة آنذاك ) لكي يكون المتهم الأول ، وكان السبب في وضع هذه التهمة في رقبته أنه أثناء دخوله كلية الهندسة التى تحاصرها الشرطة تعرض له أحد الضباط ومنعه من الدخول . وكان محمود شابا انفعاليا صريحا ، فخطف الضابط وحمله على كتفه ، وجرى به إلى داخل كلية هندسة عين شمس ، ولما أمسك به أحد جنود الشرطة ـ وهو يحمل الضابط ـ ضغط محمود على إصبعه فكسرها … وأخيرا وصل إلى الداخل ، وبعدها ترك الضابط حرا ثم ذهب إلى المدرج لحضور المحاضرات ، وفي المساء قبض عليه في بيته بشارع الشيخ قمر ، وحكم عليه بالسجن خمس سنوات …

وقضى محمود عجوة خمس سنوات كاملة بسجن مصر أمينا للمكتبة ، ولما أخذوه إلى التجنيد كتب ضد نفسه شكوى قائلا أنه من الإخوان المسلمين أساسا وأن في وجوده بالجيش خطرا على الدولة ، فسرحوه فورا . ( 22 )

ومن الوقائع المضحكة قصة محمد البكري السجين في بني سويف ، إذ قاسى كثيرا من آلام وتورمات في إحدى ركبتيه ، ولماعجز من الحصول على دواء ناجع أرسل شكوى ” لجمعية الرفق بالحيوان ” . طالبا من مسئوليها أن يعتبروه حيوانا ، وأن يساعدوه في العلاج كما يعالجون الحيوانات !! … ( 23 )

ومن المواقف المضحكة كذلك ما حدث يوم الحريق الكبير الذي شب في قرية

” شرشابة ” يقول نجيب ” … كان الصديق الترزي ” منصور السروجي ” يكاد يجن وهو يرى الحريق يلتهم منزله ، وحاول مرارا أن ينقذ ماكينة الخياطة التى يرتزق منها ، فلم يستطع أن يقتحم النار ، فجرى صوب أحد رجال الإطفاء ، وأخذ ينتزع منه الخرطوم عنوة ، وتشبث الشرطي بخرطومه ، فجذب منصور الخرطوم جذبة عنيفة ، فأفلت من يدي الشرطي ، لكنه اصطدم بعين منصور اليسرى ، فرمى الخرطوم ، وهو يستنجد بأخيه ــ : ” عين أخوك طارت ياواد يا كامل … الحقني ” .

فقدم كامل حاملا فأسه ، يريد أن يهوى بها في رأس رجل الإنقاذ ، ولكن منصور كان قد أفاق فاعترض طريق أخيه ، وأمسك به ، ومنعه … “ ( 24 )

ومن هذه المواقف ما يحكيه نجيب ” … كان بين المعتقلين الصعايدة فلاح طيب يهوى الميكانيكا ، فصنع بيديه بندقية بدائية وما أن انتهى من صنعها حتى فكر في تجربتها فوضع فيها بعض الطلقات ، لكن التجربه فشلت تماما ـ فاعتقلوه بتهمة إحراز السلاح ، وحاول أن يدافع عن نفسه أثناء المحاكمة فقال :

هذه ليست بندقية .

بل هي بندقية .

إذا كان الامر كذلك فضعوا فيها رصاصة ، ثم أطلقوها علي ، فإذا أصابتني في مقتل ، فسيكون ذلك جزائي ، وأموت وينتهي الأمر ، وإذا لم تخرج منها الطلقة فأنا بريء .

وأجريت التجرية ونجا أخونا من الاتهام ، لكنهم أحالوه على المحقق . ( 25 )

وهذه الشخصيات عالجها نجيب بجوانبها الثلاثة ، وإن كان اهتمامه الأكبر بالجانب النفسي الجواني ، ثم بالجانب الاجتماعي .

* * *

الملامح والطوابع الفنية :

السيرة الذاتية التى كتبها نجيب تمثل عملا قصصيا دراميا كبيرا ، يستغرق أغلب سنوات العمر ، وتنساب فيها معطيات السياسة ، والشعر ، والإسقاطات السياسية والاجتماعية .

وفي داخل هذا العمل الكبير بعض القصص المتكاملة . ومنها ما يصلح أن يكون قصة فنية قصيرة ، استوفت كل عناصر هذا الفن كحكاية فؤاد جاسر التى عرضها نجيب في الجزء الخامس من لمحاته ( من 88 ــ 95 ) .

وقد حظيت أيام السجن بوقفات فنية بارعة ولا غرابة في ذلك ؛ فإن السجين يمر بمعاناة تفتق طاقته الإبداعية ، فيصور ما يقع له ومنه ، والأنماط البشرية تصويرا أخاذا .

ويلجأ السجين الأديب كذلك إلى الربط بين حياة السجن ، وما في المجتمع من إختلالات سياسية ، واجتماعية ، وغالبا ما يلجأ إلى الرمز والإسقاط المتواري .

ومن ناحية الاستشراف النفسي المستقبلي تتراوح نظرة الأديب السجين بين أمل مشرق يتدفق بالتفاؤل ، وبين يأس مطبق يصبغ كلماته بلون قاتم حاد .

وكثير من هذه الإبداعات تنزع نزعة روحية عقدية في تبريرات محنة السجن ومعاناته ، والنظر إلى هذه التجربة على أنها ابتلاء وتربية نفسية وروحية بعيدة المدى . ( 26 )

* * *

وقد استهل نجيب ترجمته بعرض واف لمسرح الأحداث” قريته شرشابة “فقد عاش يتغزل فيها طيلة حياته ، وخصوصا في أيام السجن ، فنظم فيها سنة 1956 قصيدة من خمسين بيتا ، بعنوان “القرية العذراء ” ومطلعها

أنا المشتاق للأنسام والأنغـام والعطــــــــر ِ

إلى شرشابةِ الخضراءِ ذاتِ الحبِّ والسحر

إلى حاراتها السمحاء ، أو أبياتها السمـْـر ( 27 )

وتتعدد مسارح الحياة بعد ذلك ارتباطا بالوقائع المتصاعدة في حياة الشاعر وارتباطا بالشخصيات التى تدب عليها ، والوقائع والتطورات المتوالية .

وقد أخذ نجيب نفسه بما يجب أن تتسم به هذه الوقائع . ومن أهم هذه السمات :

1-تناسبها مع طبيعة الزمان والمكان ، فلا تكون غريبة متنافرة مع روح العصر ، ومقحمة على الواقع .

2-تفاعلها بعضها مع بعضها الآخر ، بحيث تتفق مع النمو الفني للعمل وصولا إلى النهاية .

3-تفاعلها مع الشخصيات ، فلا يساق حدث إلا إذا كان له ارتباط عضوي حي متلاحم بشخصيات العمل الفني . ( 28 )

* * *

فهذه السيرة في مجموعها ليست ” تاريخ حياة” بقدر ما كانت ” قصة حياة ”

وقد ختمها نجيب بـ ” نهاية مفتوحة ” ، ذات أسلوب شعري متوهج الوجدان ، تشي بذلك سطورها الأخيرة وهو يستقل الطائرة مودعا أسرته في القاهرة ، متجها إلى دبي ، بعد المحن القاسية التى نزلت به في القاهرة التى كانت تئن تحت وطئة الحكم العسكري الديكتاتوري :

” … قبلت الأطفال الثلاثة ، وقلبي ينوح بصوت مكتوم … إن صورة الأحباب تتجلى في مخيلتي : أبي … أمي … زوجتي … أطفالي … إخوتي وأخواتي … أعمامي وأقاربي … زملاء العمل … حتى الأماكن التى ألفتها … ورأسي يثقل وأكاد أنام ، وأنا أتملى تلك المشاهد والصور … وأنظر عبر نافذة الطائرة ، فأرى السماء الزرقاء الصافية توحي بالسلام والأمان …

وتقدم إلينا المضيفة الجميلة ، وتقول وهي باسمة :

” ماذا تطلب من الشراب ؟ ”

قلت وأنا أتذكر الرؤيا التى رأتها زوجتي في منامها ذات مساء :

عصير مانجو ” .

وغدا يوم جديد

وفجــر جــديــد

والأيام تمضــي

والقافلــة تسيـــر ( 29 )

***********

والدراسة الفنية الشاملة لهذه الترجمة وما فيها من عناصر قصصية تحتاج لبحث أو كتاب مستقل ، ولكننا نكتفي بالوقوف وقفات سريعة أمام بعض العناصر القصصية التى وظفها نجيب في سيرته .

فمنها الحوار … ومعروف أن الحوار أهم عناصر المسرحية ،فالمسرحية ــ كما هو معروف ــ عمل قصصي يؤدى بالحوار . والحوار يقوم فيها برسم الشخصيات وإبراز أعماقها الدفينة ، وأحاسيسها الكامنة ، وخلق التلاحم بين الشخصيات ، كما يقوم بخلق التفاعل بين الشخصيات والأحداث ، وتطوير أحداث المسرحية وتعميق الصراع ، وإنمائه وصولا إلى القرار الحاسم . ( 30 )

ولكن الحوار قد يرد في القصة ليقوم ببعض هذه الأدوار في صورة جزئية .

وقد استعان نجيب بالحوار بنوعيه الخارجي ، والداخلي .

فمن الحوار الخارجي ما كتبه نجيب في السطور الآتية :

… كان أحمد حامد متين البنيان ، قصير القامة ، تبدو عليه سمات الشجاعة والثقة ، وعدم الاكتراث بشيء . فحينما رأى الدموع في عينيَّ بسبب ما نلقاه في السجن قال :

المؤمن الحق قوي بربه …

أجل …

وقضاء الله نافذ ، ولن تغيره الدموع …

صدقت …

والله أقوى منهم …

إنهم لا يعرفون الله

ولكننا نعرفه ونستعين به . ( 31 )

* * *

و الحوار الداخلي يعني حديث الشخص مع نفسه،وعرضه لهواجسه وما يدور في أعماقه : ومن هذا اللون :

“… وأنا غارق في هواجسي وأحزاني وجزعي ، قلت لنفسي : أين الإيمان؟؟ أين الصبر ؟؟ أكنت تظن أن الأمر مجرد رحلة ممتعة سلسلة ؟؟ ألا تؤمن بأنه لابد من التضحيات ، وأن الخير والشر في صراع دائما ؟ ألم تقرأ : ( … أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ؟؟ ) (العنكبوت 2) .إن الأزمة لا شك عنيفة ومباغتة ، لكن لابد من الصمود والتحمل مهما كان الأمر ، والموت لابد أن يأتي اليوم أو غدا ، ففيم الخوف و الأسى والحسرة … ” ( 32 )

ومن الحوار الداخلي المؤثر ( وقد رأى نجيب مظاهر التعذيب الوحشي الذي يقع على الإخوان :

“… كان مشهدا رهيبا … اهتزله جسدي وقلبي … أين المخرج من هذه الكارثة ؟؟ وهل كل الناس هنا مثلي ؟؟ ومن الأمور المضحكة أن يفكر الإنسان في أمر يبدو غير ذي قيمة في هذه اللحظات .. مثلا .. قلت لنفسي : لو كتبت لي الحياة ، فإني أعاهد الله أن أنقل هذه الصورة بقلمي للأجيال التى تعاصرني ، والتى سوف تأتي من بعدي . كان مجرد التفكير في هذه اللحظات بالذات ، وفي مثل تلك الموضوعات يبدو عبثا … لماذا ؟ لأن المأساة التى أوجد في قلبها أكبر من أي وصف ، ولأن الجلادين هم الآن أقوى وأرسخ بصورة تدعوا إلى اليأس من التخلص منهم ، بل التغلب عليهم ، ثم من أدراني أنني سوف أفلت من هذا الجحيم ؟ لو نجوت … فسيكون ميلادا جديد … بل عمرا زائدا كتبه الله لي … “( 33 )

* * *

ونرى ” نجيب ” في سيرته هذه ذا حاسة لاقطة تحول المادة إلى صورة ممتدة فيها من البراعة الفنية الكثير والكثير وخصوصا فيما واجهه في السجون أثناء المحنة ، والأمثلة أكثر من أن تعد في هذا المجال . ونجتزئ بقليل من الأمثلة في هذا المجال ، كتب نجيب :

” إن طبيعة الحياة في السجون متقلبة ، يكتنفها الخوف ، وتعصف بها المفاجآت ، فمهما صفت السماء ، وبدت الأمور مستقرة ، فإن ذلك أن يكون خدعة ، أو إجراء مؤقتا ، وسرعان ما يحدث التوتر ، وتقع الواقعة ، فيتعرض النزلاء لشتى أنواع العقوبات كالضرب … أو الحرمان من الخروج إلى الفناء ، … يضاف إلى ذلك قطع الكهرباء عن الزنازين في المساء ، وبذلك يظل السجناء قابعين في الزنازين ، لا يملكون غير السترة الزرقاء وسروالها ، والبرش ، وبطانية واحدة ، وجردلا لماء الشرب وآخر لقضاء الحاجة ، ولا تمنح الفرصة لأحد كي يستحم في الأسبوع مرة … “( 34 )

وظهرت براعة نجيب في تصوير المشاعر النفسية بعاطفة متأججة صادقة ، كما نرى في السطور الآتية : .

” … وشعرت بدموعي تنسكب تحت جنح الظلام والصمت ، كنت أشعر بحرقة الظلم القاهر ، وأشعر أن الإنتقام الذي حاق بنا فوق ما يتصوره عقل ، ولم يكن هناك مبرر لما اتخذوه ضدنا من إجراءات عنيفة ، ولا لما نعامل به من إهمال غريب ولم نستطع الوضوء ؛ لأن كمية الماء المتوفرة لدينا تكفي بالكاد للشرب ، ولهذا أشار علينا أحد الإخوة بالاستعاضة بالتيمم عن الوضوء ، وكانت أصوات الأئمة المصلين تنبعث في عرض العنبر داخل جميع الزنازين في خضوع وخشوع ، وكانت كلمة ” آمين ” أثناء قنوت الصلاة تتردد عالية قوية في إلحاح … ” ( 35 )

ومما قاله ” نجيب ” في وصف ساحة التعذيب :

” لا أريد أن أطيل في وصف المكان والناس والإجراءات ، حسبي أن أشير إلى الأجساد العارية التي مزقتها السياط ، والتى تنزف دما ، وإلى أصوات الاستغاثة والبكاء والدموع والضراعات والاسترحام … وإلى المربوطين في ” العرائس الخشبية ” ، وإلى المغشي عليهم فوق الرمال الصفراء ، وإلى الأسئلة التى يلقيها المحققون والأجوبة التى يخرجها المتهمون . ( 36 )

وعن المعاملة الوحشية يروي ” نجيب القصة ” الآتية :

” … وجاء وقت العشاء ، فذهبنا وكل واحد معه طبقه ، والعسكر يوزعون ضربات السياط هنا وهناك ، كان العشاء فاصوليا مطبوخة ، ويجب أن يمسك المعتقل بالطبق جيدا لأنه لو سقط منه فستكون كارثة … حدث أن الأخ محمد خليل الطويل ـــ وهو طالب بكلية طب عين شمس ــ كان يجري ذات مرة وبيده طبق العدس ، فسقط الطبق وانقلب ما فيه على الأرض ، فوقف حائرا لا يدري ماذا يفعل ، وأتى العسكري مسرعا وهوى بالسوط على رأسه قائلا :

اجلس ، والحس العدس بلسانك … كالكلب …

تباطأ محمد قليلا ، لكن توالي السياط جعله يقعي على ركبتيه ورجليه ، ثم ينكس رأسه ويلعق العدس ممزوجا بالتراب … حتى أصبحت الأرض نظيفة تماما ، ثم وقف . وقال العسكري وهو يضحك :

شبعت ؟

قال محمد وهو يؤدي التحية العسكرية ــ حسب الأوامر ــ ويضرب قدميه الحافيتين إحداهما بالأخرى :

الحمد لله يافندم ( 37 )

وصور نجيب محنة الشعب والإخوان في العصر الناصري ومما كتبه “… وفسدت الحياة الاجتماعية والأسرية بصورة غريبة ، وإني لأذكر هذه الواقعة بكل أسف ، فقد كان لي صديق من القيادات العمالية في نقابة السكك الحديدية ، هو الأخ ” على الشربيني ” ، وكان له ابن متزوج اسمه مصطفى ، تربطني به هو الآخر علاقة حميمة ، وذات يوم اكتشفت أن هناك قطيعة تامة بين الأب ” على ” وابنه ” مصطفى ” وبطبيعة الحال حاولت القيام بمساعي الصلح بينهما لكني فشلت مرارا وتكرارا ، وذلك لأني لم أستطع معرفة سبب القطيعة ، وذات يوم ألححت على الأب إلحاحا شديدا كي يشرح لي سبب ما حدث ، وبعد محاولات وضغوط ، قال الأب في غضب وعيناه تدمعان :

هذا الكلب كاد يسلم عنقي لحبل المشنقة … كتب فيَّ تقريرا سريا للمخابرات يتهمني فيه بعداء النظام ، وباستغلال نفوذي … ولولا انهم في التحقيق أعطوني الفرصة للدفاع والتدليل على كذب الاتهام ، واستدعاء الشهود لكنت انتهيت … “.( 38 )

وقد انعكست هذه الواقعة وغيرها في الشعر ، وذلك في دواوين نجيب : أغاني الغرباء ، وعصر الشهداء ، وكيف ألقاك ؟

وبهذا العطاء أصبح من الحقائق في ــ عالم الأدب ــ اعتبار نجيب من أدباء السجون ومن هذا اللون من الأدب : ديوان وراء حسك الحديد ، للشاعر العراقي محمد بهجة الأثري الذي نظمه خلال السنوات الثلاث التى قضاها معتقلا في سجون الفاو والعمارة وسامراء من 28 / 10 / 1941 الى 27 / 8 / 1944 وديوان في غيابة الجب لعلي الفقي ، وديوان في غيابة الجب لمحمد الحسناوي ، وعالم السدود والقيود لعباس العقاد ، وكتاب مذكرات واعظ أسير لأحمد الشرباصي ، وكتب مصطفى أمين : سنة أولى سجن ــ وسنة ثانية سجن ــ وسنة ثالثة سجن ، وكتاب المناضل العراقي محمود الدرة : حياة عراقي من وراء البوابة السوداء ، وكتاب : في الزنزانة للدكتور على جريشة ، وأيام من حياتي لزينب الغزالي . ( 39 )

* * *

والأداء التعبيري لنجيب يعتمد على ما يمكن أن نسميه بــ ” أسلوب التصوير المرسل ” فهو ينطلق في ترجمته كأنه يحكي حكاية مرتبطة الأفكار، متصاعدة الوقائع بطريقة عفوية لا تكلف فيها ، وذلك بأسلوب سهل متدفق ، أجمل ما فيه القدرة التصويرية الأخاذة التى صاحبها دائما وجدان حي متوهج ، فهو بعيد عن التقعر بعده عن الابتزال . وإن كانت لغته الفصيحة لا تخلوا من بعض القوالب العامية ، كما نرى في لمحاته ( 3 ــ 97 ) و (3 / 171 ) ، ولكن يشفع له أن هذه العبارات ــ وهي قليلة ــ إنما وردت على ألسنة الشخصيات التى التقى بها في ترجمته ، وكأنه يضم إلى واقعيته الفنية ــ وهي الأساس ــ

واقعية لغوية ، ومــن محاسنه أنــه يوثــــق أحداثه ووقائعه بطريقة الاجترار من الماضي (Flash Back ) كما نرى في قوله :

” … سعدت بالدفء أكثر وأنا أجلس متلفعا بالبطانية جالسا فوق البرش الخشن ، ولكن السعال يشتد … ويمتد ليل الشتاء البارد ، وأنا أجوب الماضي البعيد بخيالي وفكري ، وأتذكر تفاصيل حياتي التى تبدو كشريط سينمائي طويل … القرية … الأهل … مكتب تحفيظ القرآن … الحقول الخضراء الواسعة … الصراعات السياسية … والمعارك الطاحنة … الثورة … الإخوان … السجن الحربي … ونظرات الذئاب من رجال الأمن والسياط والدماء والموت … ( 40 )

واسترجاع الماضي أثناء القص حيلة فنية نجدها عند كثير من الروائين وهي مستساغة بشرط الاقتصاد والاعتدال ، حتى لا تجور على الخط الموضوعي والفني .

و لكنا نأخذ على نجيب الإكثار من الاستطراد ، مما يخرج بالكاتب عن خط الترتيب الحدثي كما نرى في لمحاته ( 3 / 112 و 159 و 248 ) ( 41 )

* * *

القيم والأعطيات الإنسانية والدعوية

في كلمات موجزة نقول : إن نجيب الكيلاني كان ” شخصية رسالية ” : داعيـــــة ، ومفكرا ، وأديبا ؛ فقد كان يرى أن الأدب وسيلة لا غاية ، فالأدب ــ في نظره ــ يجب ألا يساق لمجرد الإمتاع وبعث النشوة في نفس المتلقي ، ولكن لكي يؤدي رسالة إنسانية تربوية ، تتلخص في غرس القيم العليا ، وتهذيب النفوس ، وتربية السلوك .

وقد بسط الكيلاني رأيه هذا في كتبه التى نظَّــرَ فيها للأدب الإسلامي ، وفي محاضراته ، وأحاديثه عن الفن والأدب . كما أنه أخذ نفسه بما نظر ، وكان أدبه تطبيقا عمليا لما قاله وكتبه على سبيل التنظير . ( 42 )

ويقول صراحة : ” إنني أديب داعية ، يستشعر عظم المسئولية ، وأهمية نشر الرسالة الخالدة ” . ( 43 )

فلا عجب ــ إذن ــ أن يصرح الكيلاني في شعره أنه يرفض الأدب القائم على الكذب ، والزيف ، والضجيج ؛ فمثل هذا الأدب لا يمت للفن بأية صلة ، وذلك لأن :

الكاذب لا يخلـــــق فنا

يفرز أنغــــاما تتعثـــرْ

يتغنى باللحن الميــــت

والشعر قواف تتحشرجْ

لا شـــــــيءَ يكــــــــونْ

الكــــــــــــل خــُـــــواءْ ( 44 )

وباللغة السائدة في الأوساط الأدبية نقول : إن ” نجيب الكيلاني ” كان ” ملتزما ” في فكره وأدبه وقيمه .والتزام الأديب المسلم هنا يختلف عن الالتزام المادي الذي نراه في الأدبين الشيوعي، والوجودي، وما دار في فلكهما، وأدق توصيف له هو أنه “إلزام” لا التزام.

إنه التزام الأديب المسلم يعد جزءًا لا يتجزأ من عملية الإلهام الفني، وليس خاضعًا لعنصر الاختراع الواعي المتعمد.. إنه جزء من نسيج التجربة التي هي لب الأدب، وكأن الالتزام في الأدب الإسلامي يعني تجارب حية في وجدان الأديب المسلم، وفكره اللذين تشربا التعاليم الإسلامية، بحيث صارت هذه التعاليم وحدها قرارًا طبيعيًا لتجاربه التي تتسع لكل معاني الوجود والحياة”.

فالتزام الأديب المسلم إذن إنما هو استجابة لفطرته السوية من ناحية، وتشربه القيم الإسلامية عقيدة، وديانة، وعلمًا، وثقافة من ناحية أخرى، حتى أصبحت “ميزان” الأشياء في كل شئون حياته، وأصبح الالتزام ـ شكلاً وموضوعًا ـ هو الطابع الأساسي ـ بل الوحيد ـ في مسلكه الخلقي والفني، وما عداه يعد نشوزًا وخروجًا على الأصل النبيل الكريم.

* * *

ومن معايشتنا سيرة نجيب الكيلاني المسماة ” لمحات من حياتي ” بأقسامها الخمسة ، نرى ” نجيب ” ملتزما بالمفهوم السابق ، وإن كنا نؤثر وصف “الرسالية” ، فهو أقرب إلى الروح الإسلامي . ويرى الكاتب في كل ما كتب يحرص على أن يعكس الدروس والعبر والقيم والأخلاقيات التى يسهل على القاريء أن يستخلصها من سيرته : لقد قدمنا رحلة سريعة في أعماق هذه السيرة ، وقدمنا رؤية ” نجيب ” فيما يسوقه من وقائع وأحداث ، كما قدمنا في الصفحات السابقة رؤيتنا فيما قدم . وبقي ما نعده أهم الشرائح التى تتمخض عنها هذه الرؤية ، فنقدم فيما يأتي ” نجيب الكيلاني ” بملامحه النفسية والخلقية المستخلصة من وقائع حياته ، وكلها تصلح أن تكون نبراسا يضيئ الطريق أمام القراء والإخوة ، وخصوصا الدعاة :

عاش نجيب يتسم بالشجاعة الأدبية دونما خوف ، ووجل ، فرأيناه يخطب خطبة متوهجة في الجامعة يهاجم فيها عبد الناصر والحكم الديكتاتوري ، ورأيناه يقود مظاهرة الإخوان في 12 فبراير 1954 ، معرضا نفسه لرصاص السلطة .

ومن شجاعته الأدبية الاعتراف بالخطأ وهو ما نسميه ” النقد الذاتي “ ، ونشر هذا في لمحاته ( في القسم الرابع صــ 181 ) . فكتب ” نجيب ” عن روايته التى ندم عليها ، وشدد في عدم طبعها :

” …أما رواية ” ليل الخطايا ” فإن قرائي لا يرونها الآن ، ذلك لأني منعت إعادة طبعها ، ولهذا لم تطبع إلا مرة واحدة … والسبب في منع نشرها هو أن هذه الرواية كانت بها جرعة زائدة من تصوير المشاعر والعواطف بين المرأة والرجل ، كما أنها تتعرض لمشكلة الخيانة الزوجية التى أمقتها أشد المقت وقد اندفعت بكتابتها تحت فورة غضب وحماس بالغين ، لأني عرفت أبطال هذه القصة ، وألممت بالخيانة التى آلمتني ، فقررت أن أكتبها رواية ، وكأني أنتقم أو أحاكم هؤلاء الخونة الذين لا يرعون في الله إلا ولا ذمة … “ ( 45 )

* * *

ومن صفات ” نجيب “ العدل ، والإنصاف في الحكم على الآخرين ، حتى هؤلاء الذين قد يكون رافضا لبعض أفكارهم وأدبهم ، وتوجههم السياسي . وفي تضاعيف اللمحات أمثلة كثيرة في هذا المجال . فمن هؤلاء عباس العقاد الذي وصفه نجيب بالعمق الفكري ، وقدرته على التحليل ، وإبداء الرأي ، وتصديه للفكر الغربي ، وقوى الزحف الأحمر .

مع أن العقاد كتب مقالات سيئة فيها كثير من المغالطات ضد الإمام الشهيد ، وجماعة الإخوان ، وأخذ عليه كذلك غضبه الشديد على كل من ينقده . ( 46 )

وأنصف ” نجيب جاويش العنبر ” إبراهيم ” ووصفه بأنه رجل هادئ رزين طيب ،

مع أن المعروف عن مثل هؤلاء جبروتهم وسوء معاملتهم للسجناء. ( 47 )

ونجد هذه الروح المتسامحة المنصفة في إبداء رأيه في بعض ضباط الشرطة ، كرأيه في الضابط مصطفى أبو دومة . ( 48 )

واختلاف الدين لم يمنعه من إنصاف الضابط مأمور السجن واسمه ” سمير قلادة “. ( 49 )

وهذا السلوك من إنصاف وتسامح إنما هو تطبيق عملي لقوله تعالى ( يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) المائدة 8

* * *

واتصاف المسلم بالشجاعة لا يمنع أن يكون حذرا ، بل يجب عليه أن يتخذ كل الوسائل التى تقيه شر الظالمين والعتاة ، وقد رأينا زملاء نجيب ــ بعد خطبة ساخنة ــ يهربونه من باب خلفي ، حتى لا يقع في أيدي ” زبانية السلطة ” . وقد رأينا كيف اختفى مدة في بيت الشيخ محمود شاهين الذي رحب به ، واتخذ كل الاحتياطات حتى لا ينكشف أمره .

* * *

والداعية عليه أن يتبع منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوجيه والتربية

ومن أهم ملامح هذا المنهج النبوي أنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ لم يكن يواجه المخطئ بخطئه إلا إذا وجد للمواجهة ضرورة من دين أو خلق، بل كان يجعل الخطاب بضمير الغائب، وبصيغة الجمع غالبًا، وبمسمع من الجميع “ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا ..؟!!”.

يروى أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ استعمل رجلاً من الأَسْد يقال له ابن اللتْبيَّة، فلما قدم قال: “هذا لكم، وهذا لي” فقام رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: ما بال عامل أبعثه فيقول: هذا لكم، وهذا أهدي إليّ، أفلا قعد في بيت أبيه، أو في بيت أمه حتىينظر أيهدى إليه أم لا؟! والذي نفسي بيده لا ينال أحد منكم شيئًا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه”.

وهذا الأسلوب غير المباشر في التوجيه يدل على أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يحترم آدمية الإنسان، وكان يدرك بوعي النبوة الهادية أن الغاية من التشريع هي الإصلاح والبناء، لا التشهير والتدمير، فالتشهير بالمخطئ قد يقوده إلى حالة من الإحباط والاكتئاب، واعتزال الناس، والتردد والقلق والاضطراب، أو يدفعه إلى أن تأخذه العزة بالإثم، فيصرّ على خطئه أو خطيئته ـ بعناد شديد .

وقد اتبع الشيخ سيد الوكيل هذا المنهج في حل مشكلة ” نجيب ” التى كانت نتيجة لإعطائه درسا خاصا لــ ” أنصاف ” . دون أن يجرح شعور أحد .

* * *

على المسلم أن يتقي مواطن الشبهات ، ويتنزه عنها سدا للذرائع . وهذا ما أكده ” نجيب ” عملا وقولا ، بعد تجربته السابقة .

وعليه كذلك أن يختار أنسب الآليات لنشر دعوته ، وإقناع الآخرين بها ، وقد ثبت أن الخطابة ، والبيان القوي من أنجح الآليات في الدعوة إلى الله . ولكن بشرط أن يكون الداعية قدوة حسنة في أقواله وسلوكياته . ومن الأيات قوله تعالى ( ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) النحل 125.

فالموعظة الحسنة تعني الإرشاد بالكلمات ، أما الحكمة فتعني كل وسيلة ناجعة للدعوة . وقد قال صلى الله عليه وسلم ” الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها ”

ومن الوسائل العملية للدعوة أن يكون الداعية قدوة طيبة سلوكا ، وعملا ، وقولا ، يقول تعالى :

( قَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا)

الأحزاب 21

* * *

وما قدمناه يعكس الدروس المستقاة من سيرة نجيب ، فهي تعكس كثيرا من القيم والأخلاقيات ، والسلوكيات ، والأعطيات الإنسانية التى ينتفع بها المسلمون ، رجالا ونساء ، وشبابا ، وخصوصا الدعاة الذين يجب أن يكونوا قدوة حسنة على درب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأصحابه الغر الميامين .

الهوامش والتعليقات

1-

( كتب نجيب الكيلاني سيرته في أقسام خمسة بعنوان ” لمحات من حياتي ” . وكل قسم يغطي فترة من قترات حياته : فالقسم الأول ( ط 1 1405 هــ ــ 1985 م . والقسم الثاني ط 1 طبع في العام نفسه والقسم الثالث ط1 1409 هــ ــ 1988 م . والقسم الرابع ط 1 1414 هــ ــ 1994 م والقسم الخامس ط1 1415 هــ ــ 1994 م . وبعد ذلك سجلت زوجته مخطوطا وهو في مرض موته ، من أسئلة وأجوبة . )

2-

( الكيلاني : لمحات من حياتي : 1 / 28 ــ 29 )

3-

( اللمحات : 1 / 40)

4-

( السابق 1 /73 )

5-

( انظر اللمحات : 1 / 76 ، 4 / 105 ، 108 ــ 120 ، 130 ــ 140 ، حوارا لنجيب مع زوجته : مخطوط . ، ديوان أغاني الغرباء 70 / 72 ) .

6-

( كان نظام التعليم آنذاك مرحلتين قبل الجامعة : المرحلة الابتدائية من أربع سنوات ، يحصل التلميذ بعدها على الشهادة الابتدائية . للالتحاق بالمرحلة الثانوية ، وهي خمس سنوات ، يحصل الطالب بعد أربع منها على شهادة ” الثقافة العامة ” ، وبعد السنة الخامسة يحصل على ” شهادة التوجيهية ” وهي تعادل حاليا شهادة إتمام الدراسة الثانوية ، وهي تؤهل الطالب للتحاق بالجامعة بشروط معينة ) .

7-

( اللمحات 1 / 109 ، 1 / 123 ، 1 / 126ــ127. “وديوان نحو العلا 12” : المطبعة اليوسفية ــ طنطا ــ مصر 1950 ) . ( انظر اللمحات 2 / 65 ، 100 ــ 105 ، 248 . وانظر اللمحات 3 / 281 . وانظر كذلك لعبد الله العريني : الاتجاه الإسلامي في أعمال نجيب الكيلاني القصصية 15 : الرياض 1409 هـــ ) .

8-

( انظر اللمحات 2 / 65 ، 100 ــ 105 ، 248 . وانظر اللمحات 3 / 281 . وانظر كذلك لعبد الله العريني : الاتجاه الإسلامي في أعمال نجيب الكيلاني القصصية 15 : الرياض 1409 هـــ )

9-

( المخطوط السابق ، واللمحات 4 / 234 . وارجع إلى الدراسة القيمة التى كتبها الأستاذ أحمد الخمس بعنوان ” صورة الطبيب في أدب نجيب الكيلاني ” 106 / 114 من مجلة المشكاة المغربية : العدد 23 السنة السادسة / 1996 )

10-

( لم يستطع نجيب ، ولم يتسع أمد عمره حتى يكتب الجزء السادس من اللمحات . ولكن آخر ما جاد به إجابات وافية على خمسين سؤالا وجهتها زوجته إليه في أشهر مرضه . وجاءت الأجوبة فيما يزيد على مائة صفحة من القطع الكبير . وهي تعرض كثيرا من الوقائع والأفكار والأراء لم يعرض لها نجيب في اللمحات بأقسامها الخمسة . وللأسف مازال هذا الحوار القيم مخطوطا غير مطبوع )

11-

( ونحن فيما ذكرنا أنفا نخالف الدكتور يحيىإبراهيم في رفضه هذه الأنواع كترجمة ذاتية . وذلك في كتابه ” الترجمة الذاتية ” ص 3 : مكتبة النهضة المصرية القاهرة 1975 م . وقد فصلنا ردنا عليه في كتابنا ( منهج العقاد فى التراجم الأدبية ) 19 ــ 24 : مكتبة النهضة المصرية القاهرة 1980 ) م .

12-

( انظر أنور الجندي : أضواء على الأدب العربي المعاصر ص 28 دار الكتاب العربي ــ القاهرة ــ 1968

13-

( انظر المقدمة 1 / 5ــ9 وقد كتبها نجيب في دبي في 2 / 10 / 1983 م 27 من المحرم 1404 هـ )

14-

( انظر عز الدين اسماعيل : الأدب وفنونه 152 ــ 154 . والتشخيصCharacterization هو فن رسم الشخصيات ، وبيان ملامحها ، وذلك في الأعمال الأدبية كالمسرحيات والقصص وغيرها . وتستعمل الكلمة في غير هذا المقام بمعنى : نسبة صفات البشر إلى أفكار مجردة أو إلى أشياء لا تتصف بالحياة … كمخاطبة الطبيعة كأنها شخص يسمع ويستجيب . والمعنى الأول هو المقصود في موضوعنا ” انظر بتوسع مجدي وهبة : معجم مصطلحات الأدب 398 ” مكتبة لبنان بيروت 1974 ) .

15-

( انظر دكتور غنيمي هلال : النقد الأدبي الحديث 615 مكتبة نهضة مصر القاهرة . وكذلك : حسين قباني : فن كتابة القصة 70 ــ 71 الدار المصرية للتأليف والترجمة والنشر ــ القاهرة د . ت )

16-

( انظر اللمحات 1 / 127 ــ 131 )

17-

( انظر اللمحات 1 / 57 و 127 ــ 131 ) .

18-

( انظر اللمحات 2 / 77 ــ 84 ، وانظر حواره مع زوجته ” مخطوط ” : إجابة على السؤال رقم 9 ).

19-

( انظر اللمحات 4 / 97 ) .

20-

( انظر اللمحات 2 / 65 و 4 / 99 ) .

21-

( انظر اللمحات 1/ 159 ــ 160 ).

22-

( انظر اللمحات 3 / 18 ــ 19 ) .

23-

( انظر اللمحات 3 / 90 ) .

24-

( انظر اللمحات 4 / 125 ) .

25-

( انظر اللمحات 5 / 83 ــ 84 ) .

26-

( انظر للدكتور أحمد البرزة كتاب : الأسر والسجن في شعر العرب ، وخصوصا الفصل الرابع 450 ــ 675 : دار العودة ــ بيروت 1986 . وانظر للدكتور جابر قميحة : الأدب الحديث بين عدالة الموضوعية و جناية التطرف.197- 205 . الدار المصرية اللبنانية 1992 . وارجع إلى مجلة المنتدى القطرية / السنة 17 ــ العدد 197 : رمضان 1420 ــ ديسمبر 1999 مقال الدكتور جابر قميحة : الشاعر نجيب الكيلاني بين ديوانين ) .

27-

( والقصيدة كلها منشورة في ديوان ” أغاني الغرباء ” 70 ــ 72 )

28-

( انظر الادب الحديث لجابر قميحة 150 ــ مرجع سبق . )

29-

( اللمحات 5 / 212) .

30-

( الأدب الحديث 146 ــ مرجع سبق ) .

31-

( اللمحات 2 / 212) .

32-

( اللمحات 2 / 211) .

33-

( اللمحات 2 / 2256 ــ 225) .

34-

( اللمحات 3 / 186) .

35-

( اللمحات 3 / 9) .

36-

( اللمحات 2 / 225) .

37-

( اللمحات 2 / 217) .

38-

( اللمحات 2 / 118 ــ 122 ) .

39-

( انظر للدكتور مصطفى سويف : الأسس النفسية للأبداع الفني 218 ــ 221 : ط 3 القاهرة . ولمحمود الدرة : حياة عراقي من وراء البوابة السوداء 230 ـ 234 : الهيئة المصرية العامة للكتاب القاهرة 1976 .

40-

( اللمحات 3 / 135 ــ وانظر كذلك اللمحات 4 / 49 – 53 ) .

41-

( يقصد بالاستطراد : أن يشرع المتكلّم في موضوع، ثم يخرج منه قبل تمامه إلى موضوع آخر،ثم يرجع إلى موضوعه الأول . كما نجد في لمحاته 3 / 112 ، 159 ، 248 ) .

42-

( انظر تفصيل ذلك في كتب الكيلاني : أعداء الإسلامية 7 ــ 18 . وحول القصة الإسلامية 19 و 22 ــ 23 وحول المسرح الإسلامي من 15 ــ 20 ، 63 ــ 64 . والإسلامية والمذاهب الأدبية 101 .

43-

حوار مع نجيب الكيلاني 54 ( مخطوط ) .

44-

” ديوان عصر الشهداء” مؤسسة الرسالة ــ بيروت ط 3ــ 1408 هــ ــ 1987 م . وانظر ص 3 ، 4 من ” شعر نجيب الكيلاني بين مقتضيات الرسالة ، وآفاق التطور” لجابر قميحة بحث قدم ونوقش في مؤتمر الأدب الإسلامي المنعقد في القاهرة في 24 ــ 26 يونيو 1999 ” .

45-

( اللمحات 4 / 180 ــ 181 . )

46-

( انظراللمحات 1 / 165 ــ 166 ).

47-

(انظراللمحات 3 / 10 ).

48-

( انظراللمحات 3 / 103 3 / 58 .) .

49-

( انظراللمحات 3 / 224 166 ).

Print Friendly, PDF & Email
مقالات
1 Comment » for مع لمحات نجيب الكيلاني
  1. يقول aglagal:

    شكرا على هذه الفوائد القيمة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

img
القائمة البريدية
img
Advistiment 2

right_logo_3