img
محكمة الهزل العليا – 2
img

محكمة الهزل العليا

تحاكم الأيدي المتوضئة

مسرحية شعرية

الفصل الثاني

التخطيط للضياع

المشهد الأول

المؤتمر الصحفي

المنظر : قاعة واسعة بها عشرات من المقاعد ، جلس عليها عدد كبير من الصحفيين ، والصحفيات أغلبهم من الأجانب وعلى اليسار منصة عالية ـ تواجه الصحفيين ـ ، وخلفها خمسة مقاعد ، وعلى الحائط ـ خلف المنصة ـ صورة ضخمة للملك المنصور ، كتب تحتها بخط كبير ” المنصور أساس الملك ” . وعلى جدار القاعة المواجه للجمهور لافتة كبيرة مكتوب عليها بخط كبير ” المؤتمر الصحفي العالمي للملك المنصور” ويقف ضابطان على جانبي مدخل القاعة . وعيون الصحفيين معلقة بباب القاعة .

يقترب أحد الضباط ويقف أمام المنصة مواجهاً الصحفيين :

الضابط : بعد قليل يا سادة

يأتي السيدُ محزونُ المايلْ

وهو كبير الياورانْ

كيْ يشرحَ ما يلزمكم عملُهْ

طبقاً للإيتيكيت المتبعِ (لحظة صمت بعدها يعلن الضابط) :

السيد محزونُ المايلْ

(يدخل ضابط متوسط الطول ممتلئ الجسم .. على صدره عدد كبير من النياشين . يقف أمام المنصة مكان الضابط مواجهاً الصحفيين ، بينما يعود الضابط إلى مكانه من باب القاعة)

محزون : يا سادة :

بعد قليل يُسعدُنا

الملك المنصورُ الغالي

والجنرالْ رومليونْ ” قائدُ جيش الملك الظافرْ “

والسيد صندوق الواشي ” رأس جهاز البصِّ القومي “

والسيد قلمون الهايص : ” صحفي الملك المنصورْ

والناطق باسم القصر المعمورْ “.

انتبهوا يا سادة .. انتبهوا كيف تكون تحيُتنا للملك العظمْ :

تلك ذراعي اليمنى أثْنيها نحو الصدر وأهتفْ :

ـ ” المنصورْ “

فتمدون جميعاً أذرعكم في وقت واحدْ ، وتقولون :

ـ أساس المُلْكْ .

أيّا كانت لغتكَ فليتقن كلٌّ منكم ذلك ، ولينظر كل منكم نحوي :

(يؤدي محزون التحية بتمامها بمفرده ، مؤدياً دوره ودور الجمهور هاتفاً ومحركاً يمناه ثنياً وفرداً) :

ـ ” المنصورُ … أساسُ الملك “

هيه أفهمتمْ ؟

لحظات ويشرفنا الملكُ الأعظمْ .

(يعلن الضابط الواقف بالباب) :

الضابط : الملكُ المنصورُ الأعظمْ

(يدخل الملك وخلفه قائد الجيش رومليون ـ كهل في الأربعين من عمره : نحيل الجسم مستطيل الوجه ، ثم صندوق الواشي ، وقلمون الهايص في ملابس مدنية أفرنجية . يهتف محزون) :

ـ المنصور (فيرد الجميع مع فرد أذرعهم اليمنى) .

ـ أساس الملك (ينسحب محزون ليقف بجانب الجهة اليسرى من المنصة بعد أن جلس الملك ، وعلى يمينه جلس رومليون ، وعلى يساره قلمون الهايص ، وصندوق الواشي . يُسمع صوت من ميكروفون جانبي ـ ولا يرى القائل) :

الصوت : يا سادة : باسم المنصور الأعظمْ

محزون : المنصورْ

الجميع : أساس المُلْكْ

الصوت : باسم المنصور الظافر روح العدلِ

وروح القوةِ نبدأ هذا المؤتمرَ المشهودْ

بحضور الجنرال رومليون قائد جيش الملك الظافرْ

(تصفيق حاد .. يقف رومليون هازاً رأسه في انحناء إلى الأمام)

والسيّد صندوق الواشي رأس جهاز البصِّ القوميْ

(تصفيق حاد . يقف الواشي مبتسماً ومحنياً رأسه)

والسيد قلمون الهايص صحفيِّ المنصور الأعظمِ

والناطقِ باسم جلالتهِ

(تصفيق ، وتحية بهز الرأس كسابقيه)

يبدأ قلمون في الكلام :

قلمون : يا سادة

الملكُ المنصورُ الظافرُ

إيماناً منه بروح الديمقراطية في صورتها المثْلى

يعطي كلاً منكم حرية توجيه الأسئلة بلا حرج

فليطرحْ أيٌّ منكم أي سؤال

بصراحةْ … وشجاعةْ

صحفي (1) : حتى لو كان سؤالي يلمس ناحية شخصية ؟

قلمون (متجاهلاً سؤال الصحفي) :

.. ولعلم سيادتكم كان جلالته منذ الصّغَر

أديباً ذا قدراتٍ فذّةْ

وكذلك ذا علمٍ واسعْ

بفنون القصة ، والشعر (يبتسم الملك ابتسامة رضى)

صحفي (2) : هل كتب جلالتُه قصة ؟

قلمون : طبعاً .. كتب روايته المشهورة

” من أجل الحرية نسعى “

صحفية : لكنا نعرف أن جلالته

لم يكتب من صفحات القصة غير ثلاث

وأخيراً أكملَها أحدُ الكتاب

حتى صارت سِفراً ضخماً

.. و … تضخَّم جيبُ الكاتب أيضاً

(يظهر الغضب على وجه الملك ، والحرج على وجه قلمون ، ويتلعثم في كلامه)

قلمون : الواقع أنّ ..

أصلُ الـ .. الـ .. المسألةِ (وتظهر على فمه ابتسامة مفتعلة) .

أصلُ المسألةِ

آه طبعاً ….

أن جلالته لم يكتبْ غيرَ ثلاثٍ من صفحات القصةِ

(وبصوت أعلى) .

مع قدرته أن يكتب كلَّ الصفحاتِ

مئات كانت أو آلافاً

لكنَّ الملكَ الأعظم

حرصاً منه على أن يفتح باباً للأدباءِ

من أبناء الشعبْ

ترك أديباً يكملها كيما يعطيَهُ الثقة بنفسه .

من ناحية أخرى : هذا المسلك

يتسِقُ مع النهج المنصوري الأعلى

في الديمقراطية .. وتكافؤ كل الفرص لأبناء الشعبْ

إن جلالته يرفضُ أن يحتكر القصة

فنَّ القصة دون الشعبْ

حتى لا تختنق مواهب من يرغبُ في إبرازِ مواهبه

(يظهر الارتياح على وجه الملك) .

صحفي (3) : ما قدر استعدادِ الجيش المنصوريّ

للحرب القادمة مع اليأجوجيين ؟

المنصور : استعدادٌ فوق العادة

لن يوقفنا هذي المرةَ أحدٌ

هذي المرةَ نحن الأعلَوْنَ بقوتِنا

صحفية (2) : ماذا لو بدأ اليأجوجيّون الحربْ ؟

أي ضربوا أولى الضرباتِ ؟

المنصور (في زهو وسخرية) :

لو هاجمنا اليأجوجيون بمكانٍ واحدْ

فلسوف نهاجمهم في كل مكانْ

هذي المرة ليست حرباً محدودة .

لكنْ خطتنا تعتمد على تدمير دويلة يأجوج المزعومة

انتبهوا : إني أذكر كلمة ” تدمير ” لا كلمة ” حربْ “

ما عاد هنالك غيرُ التدمير الشاملْ

صحفية (3) : تدميرٌ شاملْ ؟

كيف يكونُ التدمير الشاملْ

هل ذلك سيكونُ …

الملك (مقاطعاً في زهو واضح) :

بجيوشي الفائقة بكل الإمكاناتْ ، ـ الإمكاناتِ البشرية والإمكاناتِ التكنيّةْ ـ

هل هذا يحتاجُ سؤالاً ؟

صحفي (4) : كم شهراً يحتاجُ الجيشُ المنصورُ لذلك ؟

الملك : (مقهقهاً ويجاريه في ذلك ثلاثي المنصة)

شهراً ؟

ما ” شهراً ” هذا .. يا هذا ؟

سندمرهم في يومٍ واحد

لا أكثر من يوم واحدْ

أو نلقي بهمو في البحرْ

صحفي (5) : ما رأي جلالتكم

لَوْ ” رِيكا العظمى ” أيَّدت اليأجوجيين ؟

الملك : فلتشربْ ريكا من بحر

أو تشرب ريكا من بحرين

يا هذا ريكا ما عادت عظمى

(مميلاً رأسه وعلى فمه ابتسامة سخرية)

بصراحة ..

لو دخلتْ ريكا الحربَ بجانب دولة يأجوج

قد يستغرق تدمير اليأجوجيين قرابة ” أسبوع “

صحفي (6) : هل تعتقدُ جلالتكم

أنكمو تمتلكون من القدرات الصحية في هذي السنْ ما يجعل صحتكم لا تتأثر بالأحداث ؟ ؟

الملك (في غضب ممزوج بالسخرية) :

هِهْ … أنا لست بخِرعٍ مثل وزيركموُ يا هذا ؟

(تدور همهمة بين الصحفيين ، والصحفيات … نسمع منها هذه الكلمات) :

What is its meaning  خِرِئْ ؟ what

أُوه : خِرِئْ : w . c

Very ugly .. very dirty .

W . c . w . c . oh no .

(يواصل الملك كلامه)

ـ نعمْ

أنا لستُ بخرع مثل وزيرهْ

فأنا ما زلت شباباً في الخمسينْ

أستيقظ قبل شروق الشمس

مع أني لا آوي لفراشي قبل المنتصف من الليل

بل إني في وقت الأزمات

أصبح في أحسنِ أحسنِ حالْ

وكأنّ الأزماتِ غذائي

ودوائي الناجعُ وهوائي

تسليتي .. لعبتيَ الفُضلَى (يضحك الملك فيضحك الجميع)

صحفية (4) : لو أجمعتْ الدول الكبرى

في مشروع سلام شاملْ

هل يصبح ذلك مقبولاً

كبديل للحرب المنتظرة ؟

الملك : لا .. لا يا سيدتي لا .

دولتُنا لا تخضعُ أبداً لضغوطٍ أيا كانتْ

إن كان هنالك ما يُدعى دولاً كبرى

دولتنا أيضاً كبرى … كُبرى

يا عجباً : أقبل مشروعَ سلامٍ دائمْ ؟

الصيدُ بكفِّي أتركهُ ؟

الحربُ القادمةُ قريباً

هي فرصة عمري الذهبية

فرصتُنا للتدمير الشامل لدويلة يأجوجِ القذرة

أو إلقاء اليأجوجيين بقاع البحرْ

ليكونوا أمتع وجباتٍ للحيتان وللأسماكْ .

الدول الكبرى ؟

فرصتنا للنصر الشامل تدعونا

وأقول سلامْ ؟

النصرُ لنا

والمجدُ لنا

وأقول : سلامْ ؟ !!

يا سادة :

الحربُ وسيلَتُنا المثلى

لا شيء هنالك غير الحرب ..

(يهم بالنهوض وهو يقول) :

يكفينا هذا

(ينهض المنصور ، ورومليون ، وقلمون ، وصندوق الواشي ، ويقف الجميع .. ويهم الملك ومن معه بالانصراف .. يؤدي الضابطان التحية بينما يهتف محزون) :

ـ المنصور (فيرد الجميع) :

ـ أساسُ الملْكْ

[ستار]

المشهد الثاني

الخطة الحربية

(المنظر : قاعة العرش في قصر الملك المنصور : بهو ضخم واسع الأرجاء تبدو عليه مظاهر الجمال والزخارف والسرف وفي صدر البهو صورة ضخمة للملك ، كتب تحتها عبارة (المنصور أساس الملك) . وعلى باب القاعة يقف ضابطان . المنصور جالس على عرشه ، وخلفه ضابط ثالث ، ويبدو المنصور مشغولاً في خريطة كبيرة فردها بين يديه . يظهر ضابط رابع ناحية باب القاعة ويهمس بكلمات في أذن الضابط الأول) .

ضابط (1) : يا مولاي : الجنرال رومليونْ

قائد قوات الجيش

والسيد صندوق الواشي

رأس جهاز البصِّ القومي

الملك (بلهفة) : مرحى بهما .. يُؤذن لهما .

(يدخلان : رومليون بزيه العسكري المثقل بالنياشين . أما صندوق الواشي فيرتدي حلة مدنية . ويحمل في يسراه مجموعة من الصحف . يتقدمان عدة خطوات منتظمة ، ثم يقفان في مواجهة الملك بعيداً عنه بعدة أمتار . وفي نفس واحد ينطقان بالتحية الملكية المعروفة) :

ـ المنصور أساسُ المُلْكْ

الملك : هِيهْ .. ما الأخبارْ ؟

رومليون : يا مولاي : اهتز العالمُ .. كل العالم

من أدناهُ إلى أقصاهُ

ليس هناك حديث إلا عن هذا المؤتمر المذهلْ

صورتكم في الصفحات الأولى

من كل الصحف اليوميةْ

صندوق الواشي : مانشتات الصحف الكبرى

لا تتحدث إلا عن مؤتمر الملك المنصور

رومليون : اقرأ .. اقرأ يا صندوق .

صندوق الواشي (ناظراً إلى مجموعة الصحف التي معه) :

في جرنال ” المايتي نيوز ” .. (mighty n) العنوان بأول صفحةْ

” الملك المنصور يهددْ

سيكون مصير الأعداء البحرْ

الذعر يسود بني يأجوج ” (يطوي الصحيفة ويفتح أخرى)

ـ عنوان صحيفة ” كَمْ تومِي ” come to me

” لا غالب إلا المنصورُ

جيش المنصورِ هو الأقوى

ريكا العظمى في قلق من أجل اليأجوجيين “

(يظهر الزهو والخيلاء على وجه المنصور)

رومليون : اقرأ .. اقرأ خبر ” الدَّيْلي آس “

صندوق الواشي : آه .. حقاً هذا أغرب خبر

بل إعلانٌ مدفوع الأجرْ

منشور باسم اليأجوج (يفتح الصحيفة ويقرأ)

” دولة يأجوج تستصرخ كلَّ العالم …

تستنجد بالرأي العام وكل ضمير حي في أرجاء الدنيا

من يومين

عقد المنصور المؤتمر الصحفي المشهور ، وأعلن فيه

عن قدرته .. بل نيته أن يلقي دولتنا في البحرْ .

وتناشد كل ضمير حيْ

كلَّ ضميرٍ ينشدُ للأرض سلاماً ووئاماً ..

كلَّ محبي الخير .. محبي البرْ بشتى أقطار الأرض

قبول العجزة والمرضى

والأطفال اليأجوجيين ضيوفاً

هرباً من تهديدات المنصورْ

حتى تنجلي الغمة

كيلا تصبح أجسادهمو للأسماك طعاماً .

والعالم قد سمع المنصور يهددُ في مؤتمره

أن يُلقيَ مملكة اليأجوج بقاع البحرْ

في يوم أو بعض اليومْ

الغوثَ الغوثْ ..

النجدة يا أهل الخيرْ ” (يضحك الجميع في زهو وسعادة)

الملك (في تأنٍ وثقة) : حان مصيرُك يا يأجوجْ

رومليون : ومصيرُك أسود يا يأجوج (يقهقه الجميع)

صندوق الواشي : أما الصحف الوطنية يا مولايْ

فأبانت عن أحد جوانب موهبة جلالتكم

ـ وهي جوانب أكثر من أن تحصى

الملك : ماذا ؟!

صندوق الواشي : موهبة ” الحِسِّ اللّغويِّ “

الملك : الحسُّ اللغويْ ؟ ؟!

صندوق الواشي : الحسُّ اللغويّ الراقي

رومليون (الذي كان يهز رأسه موافقة على ما يقول صندوق الواشي) :

اقرأ .. اقرأ يا صندوق

فجلالته مشتاق أن يسمعْ

صندوق الواشي : (وهو يفتح الصحيفة استعداداً للقراءة)

بصحيفة ” أنفاس الشعبْ “

كتب اللغوي المفلقُ (فصحانُ الكاشف) :

العنوان : للغة انتصر المنصور

التفصيلْ ” .. وكذلك كان المؤتمر الصحفيّ يمثل نصراً لغوياً يقطعُ بالموهبة الفذة للملك المنصورْ .

من كان يصدق أن تحيا كلمة ” خِرِع ” لولا المنصورُ

وليذكر ، كلُّ مواطنْ

أن الطابور الخامس من أعداء الشعب

يحاولُ أن يعزله عن ميراث اللغة الشعبيةْ

فابتدأ مخطط هذا الطابورِ الخامس بالدعوة للفصحى

وإهالة أكوام النسيان على الكلمات الشعبية رغم رقيِّ المبنى والمعنى

حتى بلغ الطيش بهمْ

أن نقدوا كلمات الملك الملهم

مثل الشرْب من البحر أو البحرين

ونتفِ اللحيةِ ، وارفع رأسَكْ

والصوت الأعلى للمعركة

لكن المجهود الإجرامي الأكبرَ

كُثِّفَ ضد الكلمة ” خِرِعِ “

فتصدى الملك المنصورُ

كان قوياً وعزيزاً

وهو يواجه هذا الصحفيَّ المأفون الجاهلَ

في المؤتمر الصحفي بقوله :

” أنا لست بخرعٍ مثل وزيركمو يا سيّدْ “

بل أكثر من هذا : نجد المنصورَ بهذي الكلمةْ

جعل اللغة القومية تطرقُ أبوابَ العالمْ

بل تصمُ العالم .. كلّ العالَمِ بالعجْزْ

فإذاعة ” مُنتانا ” في نشرة أخبار الأمْسِ

أذاعت ما يأتي :

عجزتْ كل لغات العالم عن ترجمة كلمة ” خِرِعٍ “

لم يجدوا في أية لغةٍ ما يُغني عنها في المعنى .

ولذا نقلوها في بنْيتها القوميةْ

وانتشرت ” خِرِعٌ ” في العالمْ

والمشتقاتُ من ” الخِرِع ” :

يخْرَعَ .. خَرِعَ .. خُروعاً .. وخَراعةً ..

الخِرْعيّة .. الخِرْعزمْ .. الخرْعِسْتْ ..

الخرِعيّون .. الخرعيْاتْ .

أما جرسُ الكلمة : خاءٌ .. راءٌ .. عينٌ

فلنرجئهْ لبحثٍ آخرْ ..”

رومليون : أرأيت النصر ، وكيف تعدد يا مولايْ

لغةً .. سياسة

وغداً يأتي النصر الأكبر في ميدان الحرب .

الملك : ” آه .. الحربْ

كدنا ننسى أمر الحربْ

هيهْ .. طبعاً أعددتم خطة حرب تاريخية ؟ ؟

رومليون : (في اندهاش) تاريخية ؟ ؟!

تاريخية تعني ماذا يا مولاي ؟

بل خطة حرب لم يعرفْها لا التاريخُ ولا المريخ

الملك : رائع .. رائعْ

أسمِعني .. أسْعدني يا رُومليونْ .

رومليون : جيشُ الملك المنصور طويل العمرْ

في أقصى درجات استعدادهْ

صندوق الواشي : وكذاك صواريخُ الجيشْ .

رومليون : أربعة .. أربعةٌ يا مولايَ ..

وكلٌّ منها سيكون جحيماً ساعرْ ..

أنْسُ الأولْ

أنسُ الثاني

شلبي طحينةْ

عبدُ سنيّةْ

الملك (مقهقهاً) : أسماء صواريخ تلْكَ :

أنس الـ .. أول

أنس الثاني

شلبي حلاوة

صندوق الواشي : طحينة .. شلبي طحينة يا مولاي .

الملك (مواصلاً كلامه غير ملتف إليه) :

وعبْدو … عبْدو .. عَبْدُ تفيدهْ !!

رومليون : سنيهْ .. عبدو سنية .. يا مولاي

الملك (في ضجر) : سنيهْ .. تفيدهْ .. عبدهْ .. شلبي ..

ما هذا ؟!!

أطلقتم أسماء لا تتفق وروح الحربْ

طبع الحرب عنيفٌ .. راعُوا ذلك في إطلاق أسامي الأسلحةِ

مثل : الغول .. مثل الحوت … مثل الموت .. مثل الهولِ ..

مثل القاهر .. مثل الظافرْ

لكنْ عبدْ ، وحسني ، وشلبي ..

هذا يجعلنا أضْحوكةْ

رومليون (بهدوء في صوت خفيض) : يا مولاي

الأنس .. وشلبي .. وسنيةْ

تعني أسماءً حركيةْ

تخفي الأسرار الحربيةْ

حتى لا يكتشف الأعداء حقيقة ما أعددنا

والحربُ أساساً تمويهْ

صندوق الواشي : والحربُ ـ كما نعلمُ ـ خُدَعَةْ

الملك : لكنْ .. ما المانعُ أن يعرفَ يأجوجُ ودولتُهُ

أنَّا أعددنا للحرب المذهلَ ، والمرعبَ ، والفاتكَ

من كلِّ الأسلحةِ … حتى يرتدعوا …

حتى يستسلمَ يأجوجُ الكلبْ

رومليون : يا مولايْ

في التعميم كفايةْ .

بعد المؤتمر الصحفيْ .. همْ في حالة رعب قاتلْ

لكنْ لو فصّلنا .. وتحدثنا عن هول صواريخ المنصورِ

فزعوا فوراً للأمِّ الكبرى ” ريكا العظمى “

فأمدتهم بصواريخٍ أعتَى

باسم الحرصِ على أمن المنطقةِ

وإعادةِ ميزانِ القوة في عدلٍ لا يخْتَلْ

الملك (وقد انفرجت أساريره) :

حكم صائبْ

حقاً .. إنك فارس حربٍ ..

رضع الحربَ وفنَّ الحربْ

(يبتسم رومليون ، وهو يطرق إلى الأرض متظاهراً بالتواضع)

رومليون : يا مولاي … نحن نتاجُ الإحساناتِ المنصوريةْ

إنّا ما أينعْنا إلا في روضِ جلالتكمْ

الملك : والخطة ؟

رومليون : قتلت بحثاً .

صندوق الواشي : قدرنا كل المحتملات

الملك (موجهاً كلامه لرومليون) : أترى قدْرَ الإعداد وإمكانات الجيش كافية هذي المرة كي نسحق هذا اليأجوج ؟

رومليون : (مبتسماً ومميلاً رأسه في زهو)

يا مولاي .. بل آلاف من أشكال اليأجوج

ومملكةِ اليأجوجْ (ثم يفرد خريطة ومعها بعض الأوراق)

بعد البحث الدائب أجمعنا أن الخطة تبدأ بـ …

الملك : لن نبدأ نحن بأي هجومٍ

حتى لا تغضبَ دولةُ ريكا العظمى

حاضنةَ اليأجوجيين .

رومليون : لكنْ سنكونَ على استعداد كاملْ

ونقوم بإغرائهمو بالبدء بإطلاق النارْ

فإذا ما بدأوا أطلقنا أُنْسَ الأول

يلتهم مدينةَ ” شافا ” ، وجموعَ اليأجوجيين بشافا

صندوق الواشي : ونثنِّي بالأنسِ الثاني لمدينة ” نِيفا “

رومليون : أما الثالثُ ” شلبي طحينة “

فلِحنَكِ السبع يدمرها

يجعلُ عاليها سافِلَها

فسلاحهمو وذخيرتهم أغلبها في حنك السبعْ

الملك : رائع .. رائع … رومليون …

هيه !! ولماذا لم تذكر عبدُ سعادْ ؟

صندوق الواشي : عبدُ سنيةْ .. يا مولاي

رومليون :(هازاً رأسه في زهو)

يا مولاي … عبدُ سنيةْ شيء آخر

صندوق الواشي : قوة تدمير تبلغ آلاف الأطنان

من مادة . (تي . إن . تي)

ولذلك سيكون هو الآخر في ترتيبِ الإطلاقاتْ .

(بعد برهة من الصمت)

عبدُ سنية

سيكون مفاجأة التكنولوجيا الكبرى

صندوق الواشي : ثمرة جهدٍ جبار دام ثلاثة أعوامْ

رومليون : خبراء التكنولوجيا في دولتنا المنصوريةْ

سلكوا في تصنيع جُزئياتهْ

أحدثَ نظريات العلْمْ

صندوق الواشي : حتى عملية إطلاقهْ

معجزةٌ لا تخطرُ بالبالْ

رومليون : يا مولاي :

ضُبِطتْ أجهزةُ الصاروخ ، فلا تطلقُهُ إلا أغنيةٌ شعبية

الملك : أية أغنية شعبية ؟

صندوق الواشي : لا … لا يا مولاي ..

أغنية واحدة لا غير…

أغنية ” السَّحْ الدّحّ امْبُو “

الملك : شيءٌ لا يهضمُهُ عقل …

لكنْ كيفَ ؟ ؟

رومليون : أشرحُ كيفَ :

في عبدُ سنيةَ .. في الزاوية الوسطى :

زاوية الـ  مع الـ f

في استقبال الصوت من الصاروخْ

تُحْدِثُ هذي الأغنية الشعبيةُ ذبذبةً في لوحِ الإطلاقِ

بمعيارٍ محسوب في دقةْ

عندئذٍ ينطلق الصاروخ جحيماً نحو التلْ …

تلِّ الأرنب عاصمةِ اليأجوج فينسفها نسفاً ..

يمحوها من خارطةِ العالمْ

الملك (ضاحكاً) : يا رومليون … فاتك شيء

رومليون : ماذا … ماذا .. يا مولاي ؟

الملك : فاتك أن الشعب المنصوري الغالي

شعبٌ فنان بالطبع … يحبَّ الفن ويعشقهُ

ولأغنية ” السحّ ” مكانُ القلب لديهْ

طيبْ … افرضْ أن مواطنْ

أيّ مواطنْ

كان يسير بمنطقة الصاروخِ

يدندنُ وهو سعيدٌ بالأغنية ” السح الدح امبو ” (ضاحكاً)

لا شك سينطلق الصاروخ على الفَورْ

رومليون : عفواً يا مولاي

لا ينطلقُ الصاروخ بأغنية ” السح الدح امبو “

إلا من ” كاسيت ” الصاروخ

صندوق الواشي : كاسيت مخصوص رُكِّب فيهْ

روملون : وهناك زرارٌ سرّيٌ

لا يعرفه إلا رومليون وصندوق الواشي

صندوق الواشي : فإذا ما صدر الأمر ضغطنا الزرَّ

فدارت أغنية ” السح الدح امبو “

رومليون : وعند ختام ” امبو”

تنطلق جهنمٌ المدعوةُ عبدُ سنيةْ

صندوق الواشي : ولذلك ليس كثيراً يا مولاي

مائة المليون المدفوعة في صنعه

رومليون : وبذلك يتحقق أغلى نصر نحرزه

الملك : (في زهو وغرور) لن نقبل منهم أيَّ رجاءْ

رومليون وصندوق الواشي (في وقت واحد) :

أو أيَّ نداء كي نوقفَ إطلاق النارْ

الملك (وقد زاد زهوه وهو يميل عنقه) :

… منهم أو من أيةِ جهةِ دوليةْ

حتى لو كانت ريكا العظمى

صندوق الواشي : ريكا العظمى ما عادت عظمى يا مولاي

ريكا يركبها الآن الفزعُ الأكبرُ من تصريحاتِ جلالتكم

الملك : لن نقبلَ أي جلوسٍ لمفاوضة اليأجوجيين

لن نقبل أيضاً أية هدنةْ

رومليون : طبعاً .. طبعاً يا مولاي ..

الملك : لن نقبل منهم غيرَ الاستسلامْ

رومليون : وبدون قيودٍ وشروطٍ

الملك : وسُنملي كلَّ شرائِطنا ..

اكتبها عندك يا صندوق .

[يجلس صندوق الواشي إلى المنضدة الضخمة في البهو ويستعد للكتابة . والملك يبدأ في الإملاء]

أولها : يتنازلُ هذا اليأجوج المقهورْ

عن بلدة شافا للمنصورْ

ثانيها : يتنازل أيضاً عن ” نيفا “

رومليون : وكذلك المنطقة العِترةْ

الملك : وكذلك المنطقة العِترةْ

والجزء الأوسطِ من بحرِ المرجانْ

[فترة صمت … بينما تتعلق الأنظار بالملك الذي يذرع جانب القاعة في بطء ، وقد بدا على وجهه مظهر التفكير العميق … يستأنف الملك كلامه]

قل لي يا صندوق الواشي (ينهض صندوق واقفاً)

يا جنرال البص القومي …

الشعبْ .. هل هُيئ نفسياً كي يستقبلَ أيام الحرب ؟ ؟

رومليون : أيام ؟.. أية أيامٍ يا مولاي ؟

الحرب بشرفي (صندوق الواشي يحاول كتمان ضحكة كادت تفلت منه)

لن يستغرق يوماً … بل ساعاتْ .

صندوق الواشي : والشعبُ يريد الحرب الساعةْ

بل يتمنى أن تشتعلَ اللحظةْ

لا يخلو شارعُ أو حارة

أو حتى دكان تائه

من لافتة صنعت من دضبَلان فاخرْ :

سوف نحاربُ … سوف نحاربُ الصوتُ الأعلى للمعركةِ

تل الأرنب للمنصورْ

شيفا ونيفا للمنصورْ

رومليون : هذا غير الملصوقات :

” رحت بلاشاً يا يأجوجْ

مثل الأرنبِ والفروجْ ” (يقهقه الملك)

صندوق الواشي : المنصور هو المنصور

واليأجوج هو المدحور

الملك (ووجهه يطفح بالبشر والسرور)

يا .. سا .. لام ..

شعبٌ فنانٌ حقاً ..

حتى في أيام الشدّةِ لا ينسى الفنَّ وروحَ الفنْ .

(تُسمع أصوات مظاهرات من بعيد .. تتضح شيئاً فشيئاً فتظهر على وجوه الملك ومن معه أمارات السرور والبهجة .. بينما يزداد صوت المظاهرات وضوحاً) :

سوف نحاربُ .. سوف نحاربُ

رحت بلاشاً يا يأجوجْ … مثل الأرنب والفروجْ

المنصور هو المنصورْ .. واليأجوج هو المكسورْ

(رومليون وصندوق الواشي في نفس واحد يرددان مع المظاهرة التي يُسمع صوتها من وراء المسرح) :

المنصور هو المنصورْ .. واليأجوج هو المدحورْ .

(يخف صوت المظاهرة تدريجياً إلى أن ينمحي ، بينما يستغرق الجميع في الضحك) .

[ستار]

الفصل الثالث

الرقص على أنغام الهزيمة

المنظر : قاعة العرش الكبرى ، والملك المنصور بمفرده يمشي في القاعة ذهاباً وجيئة ، ويبدو على وجهه القلق والتفكير العميق ، وليس هناك إلا ضابطان يقفان على جانبي باب القاعة .

يدخل محزون كبير الياوران لاهثاً :

يا مولاي .. يا مولاي

بدأ اليأجوجيون الحرب

الملك : (في فرح) يا بُشرانا يا محزونْ … يا أكبر ياوران الدولةْ ..

يا خَيبتهم … ما أحمقهم !!

فتحوا باب الموتِ عليهم ..

حكمُوا بالإعدامِ على دولتِهم

دفنوا أنفسهم أحياء .

(بعد لحظات من الصمت)

ـ هيه … رومليون أين الآن ؟

محزون : في مركزه … غرفة عمليات الجيش .

الملك : حاول أن تتصلوا به

واطلبْ منه أن يُبْلِغَنا ـ دون توقفْ ـ

عن أنباء النصر الأولْ .

ثم الثاني ، .. ثم الثالث

حتى ندخلَ تل الأرنب (يخرج محزون مهرولاً . ويتحدث الملك إلى نفسه) هِيهْ .. هيه يا منصورْ

حان الوقت لتحرز نصراً تاريخياً

ما أحرزه قبلك مَلِكٌ

ساعةْ … حقاً .. ساعةْ

ثم أكون بتل الأرنبْ .

والملكُ اليأجوج يهرولُ مثل الأرنبْ

هذا لو عاش اليأجوجْ …

وأنا في عاصمة اليأجوجيين

ألقي خطبة نصري الساحق

ساعةْ …

ساعة ؟ .. ولماذا ساعة ؟ ستون دقيقة ؟

لا … لا .. جدُّ كثير

عشر دقائق .. هذا يكفي

رومليون أمهر قائد

فذٌّ بارعْ

أخطر قواد المنطقةِ

بل أمهر قوادِ العالمْ

لا كَدَرَ هنالك يا منصورْ

فسماء المملكة صفاءْ

الرجعيون الخونة أعدمنا قادَتهم

وبقاياهم خلف الجدران الصماءْ

يقضون بقية أعمارهمو في ظلماتِ المعتقلاتْ

واليوم ندكُّ المملكةَ اليأجوجية

ليكونَ المنصورُ هو المنصورْ

(يدخل محزون فرحاً وهو يصيح)

محزون : أبشرْ .. أبشرْ يا مولايْ

طيرانُ الأعداءِ تهاوى

سقطت طياراتٌ مائةٌ

في عشْر دقائقَ واحترقتْ

الملك : (في عصبية) مائة ؟

هذا عددٌ جدُّ قليلْ

اذهبْ ولتأتِ بكلِّ جديدٍ

من غرفة عمليات الجيشْ

(يخرج محزون مسرعاً ، ويبقى الملك بمفرده يتحدث إلى نفسه بلهجة أقل حماسة وتفاؤلاً)

ـ ههْ !! ما إسقاطُ الطياراتْ ؟

تل الأرنبِ .. ذاك أهمْ

حين تسلم تل الأرنب .. ألقي فيها خُطَبَ النصْرِ

وتعرف ريكا العظمى قيمة جيش الشعب المنصوري

(يدخل محزون ، وهو يصيح فرحاً)

محزون : مائتا طائرة سقطت حتى الآنْ

أبشرْ .. أبشرْ يا مولايْ

الملك : (ببرود) غيرُ مهمْ ..

اسألهم في مركز عمليات الجيش

ماذا تم بشأن الزحف ؟

زحف القوات المنصورية نحو المدن الكبرى :

شافا … نيفا … حنك السبع وتل الأرنبْ ؟

بَلِّغْهم منِّي الأمرَ التالي :

لا يحتلوا أية قريةْ

لا يحتلوا مستعمرةً

لا يحتلوا مدناً صغرى

بل يحتلوا فقط الكبرى

فالجيش المنصوري الباسلُ ليس ككل جيوش العالمْ

… جيش لا ينشغلُ بقرية …

أو ينشغلُ بمستعمرةٍ

أو مرتفعٍ أو طابيةٍ (بعد صمت قصير)

” على قدر أهل العزمِ تأتي العزائِمُ ” (ينصرف محزون ، وتسمع على بعد أزيز طائرات ، وأصوات طلقات مدافع ، وانفجارات ، وقنابل … يدخل محزون في هلع ، فيبادره الملك صائحاً)

ـ هِيهْ .. سقطت شافا أو نيفا أو حنك السبعْ ؟

(محزون لا ينطق .. بل يطرق برأسه حزيناً ، وقد علا الشحوب وجهه)

الملك : انطق يا محزون .. تكلم ..

(محزون … يزيد وجهه شحوباً وارتعاشاً ولا يجيب)

الملك : (ثائراً) انطقْ يا محزون بأمري

محزون : (في صوت متهدج خافت)

شبه جزيرة سينو الكبرى

الملك : ماذا ؟

محزون : احتلتها قوات اليأجوج

(المنصور يقهقه في سعادة وسرور ، بينما مظاهر الاستغراب تبدو على وجه محزون)

الملك : دخلوا الفخ بأرجلهم

ذلك ما كنَّا نبغيِه

ألقَوا أنفسهم في صحراءٍ متراميةٍ (رافعاً رأسه إلى أعلى ضارباً كفه اليسرى بقبضة يمناه)

صرتم صيداً سهلاً يا يأجوج (ناظراً لمحزون)

بلِّغ أمري هذا العالي :

فلْيؤسَرْ من دَخَلوا سِينُو (يفرك يديه فرحاً)

الخطة تبقى لا تتغير …

أبلغ رومليون الآنْ

أن ينطلق الأنسُ الأولْ (محزون لا يتحرك ويظل مطرقاً)

وكذلك يُطلقُ أنسُ الثاني (محزون كما هو لا يتحرك)

ثم الثالث شلبي طحينة

أما عبد سنيّة المرعب

فيكون نصيبَ العاصمة : تل الأرنب

عاصمة اليأجوج الكلبْ (محزون لا يتحرك ، فيثور الملك)

ـ ماذا يا محزون هناك ؟

سِرٌّ يخفَى عني وأنا الملكُ ؟

محزون (في حزن وتلعثم) :

أ .. أ .. أنسُ الأول أكلتْهُ النيرانُ تماماً

الملك : (في لهفة) وأنس الثاني ؟

محزون : أيضاً أكلته النيران ؟

الملك : لكن من أين أتت هذي النيران ؟

محزون : من موقد جاز أوقده الحرس لعمل الشايْ ..

انفجر الموقد فاشتعل أنس الأولْ

وامتد اللهب لأنس الثاني .

الملك (هائجاً) : شيء لا يقبله عقل !!!

هل يشتعل الفولاذ بموقد جاز ؟

محزون : يا مولايْ

الأُنْسانِ الأولُ والثاني

صنعا من خشِب مدهونٍ بالدُّوكو الفضّيْ

(الملك يضرب كفاً بكف في حزن ممزوج بالغضب)

الملك : وشلبي طحينة ؟ ؟

محزون : شغَّلنا زرَّ التوجيه فاشتعلت فيه النيرانْ

وشممنا رائحة البطيخْ

الملك : شلبي طحينةْ .. كان بداخله بطيخْ ؟

من أين أتاه البطيخ ؟

محزون : أحد التجار بسوق الجملةِ

كان يخزِّن فيه البطيخ

هرباً من تسعير الدولةْ

… أرشى حراس الصاروخ

الملك : (في هياج أشد)

شيء رائعْ .. رائعْ جداً …

قلْ لي … ماذا عن عبد سنيةْ ؟ ؟

محزون : حمداً للهِ … يا مولايْ .

أنقذْنا الثلاجةَ والفديو .

ما احترقت غيرُ القاعدةِ

ومرآة وصانٌ وثلاثُ مناضدْ

الملك : ما هذا .. يا هذا ؟

هل ثمة وقتٌ للهزلِ ؟

فديو .. ثلاجة … مرآةٌ

ما هذا ؟ … مجنون أنت ؟

محزون : يا مولاي

صنعَ الحراسُ لعبدُ سنية باباً

ومن الداخل حجرة نومٍ ، وجلوسٍ ، غير المطبخْ

واعترفوا بعد القبض عليهم

أنهم قلبوه لسكن مفروش

يُستأجرُ باليومِ ، وبالأسبوعِ ، وبالشهر

(ويزيد صوته خفوتاً)

وأحياناً بالساعة …

لكن كانوا حذرين لبوليس الأدابْ

(يشحب وجه الملك ، ويذرع القاعة جيئة وذهاباً ويتحدث إلى نفسه ، وهو مطرق بوجهه إلى الأرض)

ـ نارٌ وحريقٌ

وصواريخٌ صنعت من خشبٍ

دهنوها بالدُّكو الفضي

هِهْ !!

أنس … وشلبي .. وعبدُ سنيةْ

وملايينٌ وملايينٌ ..

ينهبُها رومليونٌ وعِصابتُهُ

وملايينٌ وملايينٌ

يسرقها صندوق الواشي

باسم الجيش  ، وباسم الشعبْ

(وفجأة .. يفيق لنفسه ، ويصيح بصوت عال)

ـ يا محزون .. يا محزون

أخلوا المنطقة من السكانْ

خوفاً أن ينطلق صَروخٌ

فيهدد أمنَ الجمهور

وسلامة شعبيَ بالدنيا

حالاً  … حالاً … وبسرعةْ

أخلوا المنطقة من السكانْ

محزون : (في صوت متهدج باستغراب)

نُخْلي ماذا يا مولايْ ؟ ؟ !!

لولا الناس لكانت نكبةْ …

لولا سكان المنطقةِ لاشتعلتْ كلُّ العاصمةِ

الملك (مفزوعاً) : ماذا تعني ؟ ماذا تعني ؟

محزون : هبّ السكان جميعاً عند شعورهمو بالنيران

بجرادلِهم .. وصفائحهم .. وأوانيهم

حتى نجحوا في إطفاء حريق واحدْ

بصروخ واحدْ

الملك : شلبي طحينة .. هه ؟ شلبي طحينة ؟

محزون : كلا .. كلا يا مولاي

شلبي طحينة احترق تماماً

الملك : (بابتسامة ساخرة)

والبطيخ ؟ ؟

محزون : والبطيخ احترق تماماً .

لكنْ .. لكن عبدُ سنيةْ

وبفضلِ السكان بمنطقة النيرانْ

ما احترقت إلا قاعدتُهْ

وكذلك بعض العفشِ بداخلهِ

ونجا الفديو والثلاجةْ (مطرقاً إلى الأرض .

وبعد برهة صغيرة من الصمت يزداد صوته تهدجاً)

لكنْ … لكنْ .. لكنْ …

الملك : لكن ماذا ؟

محزون : إِ … إِ … انتزعت أغلب أخشابهْ

الملك : (في استغراب وغضب) : ماذا انتزعَتْ ؟

محزون : سُرِقت … استولى بعض السكان عليها .

قالوا نحن أحق من النيران

أنقذناها فهي لنا

الملك : دعنا من هذا الغمّ الآنْ

أحضر لي قَلَمون الهايصْ

(يخرج محزون ، ويخلو الملك لنفسه ، ويفتح جهاز الراديو فيسمع صوت المذيع يقول في حماسة)

يا جيشَ المنصورِ الظافرْ

دمرْ .. أحرقْ .. لا ترحمْ

لا تقبل أسرى للأعداء

لا تشغل نفسكَ بالأسرى

ازحف بالنصر إلى شافا

وازحف بالنصر إلى نيفا

يا جيش المنصور الظافرْ

لا تهتم بريكا العظمى

بعد الإعلان المنصوري

” فلتشرب من ماء البحر

أو حتى ماء البحرينْ “

يا جندياً بطلاً في جيش المنصور الظافرْ

ابنك يطلب منك هديّه

ليستْ لعبةْ … ليست دُمْيةْ

لكن نصراً يذهلُ كلَّ الدنيا .

دمرْ … أحرقْ … لا تَرْ… “

(يغلق المنصور المذياع متأففاً ، ومن بعيد تسمع أصوات فرقعات ، وصفارات إنذار ، وصرخات متقطعة ، ونرى أضواء ، خاطفة متكررة .. وتختلط الأصوات ، ولا يميز منها إلا عبارة)

طفُّوا النورْ … طفُّوا النورْ

الملك : (هازاً رأسه في سخرية ، وهو يتحدث لنفسه) :

هه .. دمر ، واحرق ، احرق ، دمر !!

يا جندياً منصورياً !!

هل ستُدمرُ ، أم تتَدَمَّرْ ؟

هل ستحرِّقُ ، أم تحترِقُ ؟

هل حقاً تزحف منتصراً ؟

أم تفرش أرضك بدمائكْ ؟

هل حقاً تزحف منتصراً ؟

أم أنت بأيدي أعدائِك ؟

هيه ….

وصواريخ الخشب المدهونة دوكو

شيٌ رائع ..

والبطيخْ .. والشمام

والسَّكَن المفروشُ بداخلِ عبدُ سنيةْ

عبد سنية الهولُ الأكبرْ

والأبطال الموهوبون

رومليون الفذ المرعب

صندوق الواشي المتجليّ

رأس جهاز البص القوميّ

هيه … شيء مؤسفْ

شيء مخجل !!

ماذا أفعلُ يا منصور ؟

ماذا أفعل يا منصور ؟

(يفتح الراديو فيأتي صوت المذيع بلهجة أقل حماسة وحرارة)

يا شعبَ المنصور الغالي

ولأسباب تكتيكيةْ

أمر القائد رومليونْ

أن ينسحب الجيش الباسلُ نحو الغربْ

فإذا ما لُمَّ الشعثُ ، وقَوِيَ الصفُّ ، وتم الإعدادُ الكاملُ

فوجئ جيشُ اليأجوجيين بما لم يَخْطُر في الحسبان

يا شعب المنصور الغالي

لا صوت هنالك يعلو صوتَ المعركة

(يعلو صوت صفارات الإنذار ، وصفير صواريخ يتلوها انفجارات وومضات ضوئية ، ويغلق الملك الراديو حين يدخل محزون كبير الياوران ومعه قلمون الهايص المستشار الصحفي للملك)

قلمون : (في فرح واضح) ألف مبارك .. يا مولاي .

الملك : ألف مبارك ؟ أي مبارك يا قلمون ؟

هل حققنا النصر عليهم ؟

هل أسقطنا تل الأرنب ؟

قلمون : كلا .. كلا يا مولاي .

تل الأرنب .. تل القطة … غير مهم .

الملك : غير مُهم ؟!!

إن لم يكن النصر مهماً يا قلمونْ

ماذا يا قلمون يُهمْ ؟

قلمون : خسروا الفرصة يا مولاي .. أغلى فرصةْ

عجزوا عن تحقيق الهدفِ من الإعدادِ .. من التخطيطْ

الملك : ماذا تعني يا قلمون ؟

قلمون : أعني أنا قد حققنا نصراً حاسمْ

الملك (في غضب) : يا قلمون .. أنت جُننتْ

قلمون : (في شيء من الثقة) : يا مولاي .. يا مولايْ

كان الهدف اليأجوجيُّ أساساً يرمي …

لكنْ … أقرأُ أحسنْ .

(يخرج من جيبه ورقة فولسكاب ويفردها استعداداً للقراءة)

ما أقرأه الآن سينشر في جرنال ” الأنهار ” صباح الغد أكبر عنوانات الصفحة .. صدر الصفحة :

جيش اليأجوج يصاب بخيبة أمل كبرى

انسحب الجيشُ المنصوريُّ بمحْضِ إرادتهِ

عشرات ألوف نالوا شرفَ الاستشهاد “

(يرفع رأسه موجهاً كلامه للملك)

وفي التفصيل أقول : (يوالي القراءة من الورقة)

كان الهدف الأول لليأجوجيين الخونةْ

أن يتنحى الملك المنصورُ عن الحكمْ

هجموا بجيوش بريْةْ

هجموا بفيالق بحريةْ

وكذلك هجموا بالطيران فاحتلوا شبه جزيرة سينو الرملية

حرقوا بقنابلهم مائتي طائرةٍ جاثمةٍ فوق الأرضْ

هذا عدوانٌ لا يصدر إلا من أنذالٍ

وذوي أخلاقٍ همجية

فحصيلتهم ماذا تعني ؟

أرض قاحلة رمليةْ .. صخريةْ .. حَصَويةْ

يمكن أن نستغني عنها كيداً فيهمْ .

لكنّ الهدفَ الأولَ من تلك الحرب الحاقدة

ـ أعني عزل المنصور عن الحكم ـ لم يتحقَّقْ

فالشعب المخلصُ يتمسك بالمنصور الغالي

يفديه بروحٍ وبولدٍ

وبكلِّ الدنيا والوطنِ

عاشَ المنصورُ طويل العمرْ

(وتستمر الأضواء الخاطفة المنقطعة ، وتستمر أصوات الصفارات والانفجارات)

الملك : (منبسط الوجه) رائعْ … رائعْ يا قلمون ..

لكنْ … قلْ لي يا قلمونْ

كيفَ أواجه شعبي المخلص ؟

قلمون (بهدوء) : لا شيءْ … لا شيءَ ولكنْ تعتزلُ .

(يهب الملك واقفاً ويصيح في هياج شديد)

الملك : أعتزلُ ؟ أعتزلُ ؟ مجنونٌ أنتْ ؟

أعتزلُ ؟ أترك ملكي .. سلطاني .. جاهي .. تاجي

وزعامة كلِّ المنطقةِ ؟

قلمون : يا مولاي … يا مولاي

في الظاهر تعتزلُ الحكمْ

الملك : في الظاهر ؟ في الظاهر كيف ؟

قلمون : ببيان في المذياع وفي التلفازْ

وعملْنا كلَّ حساب للخطوات التاليةِ

فرجالي .. ورجال استخبارات الدولة

أتباع كبير البص القوميّ .. صندوق الواشي

انتشروا وأشاعوا بين الناس

بأن الملك المنصور إذا اعتزل الحكم

ارتفعت أسعارُ الخبز، وأسعار اللحم ، وأسعار الكوسةْ .

هذا شطرٌ من خطتنا .

الملك : والشطر الثاني ؟

قلمون : صَوْصاوِي العِرَّةْ

الملك : صوصاوي العرَّة ؟ ما صوصاوي العرَّة هذا ؟

قلمون : يا مولاي ..

عَلَم معروفٌ مشهورٌ .

شخصٌ مسموع الكلمة بين الناسْ

وخصوصاً في الوسط الشعبي

وله أنصار بالآلاف بكل مكان ينتشرون

سيقود مظاهرةً كبرى .. بلْ أكثرْ

لتعودَ جلالتكم للعرش إذا أعلنتم تركَ الحكمْ

الملك (ووجهه يزيد انبساطا على الرغم من استمرار الانفجارات والصفارات .. والأضواء الخاطفة المتقطعة) :

لكنْ .. مَنْ لي بالصوصاوي العرّةْ ؟

قلمون (وعلى وجهه ابتسامة تنم على الثقة بالنفس) :

يا مولاي عملتُ حسابي

صوصاوي العرةُ بالخارجْ

ينتظر الأمرَ الملكيَّ

كيْما يمثل بين يديكم

الملك (في لهفة) : فليدخل صوصاوي العرّةْ

(يخرج أحد الضابطين الواقفين بالباب لإحضاره)

قلمون : يا مولايْ .. صوصاوي هذا عف النفسْ .

من منطلق الحبِّ الوافي لجلالتكمْ يعملُ في إخلاص بالغْ

لكن ما رأيُ جلالتكم :

في أن نلقي ـ دون شعور منه ـ

بمليون جنيهٍ منصوريٍّ في جيب صِداريِّهْ

فهو عفيف النفس حيِيْ

الملك : نِعْمَ الرأيُ .. يا قلمونْ

(يدخل الضابط ويعلن) :

الضابط : صوصاوي العرَّةُ يا مولايْ

الملك : فليدخلْ

(يدخل رجل فارع القامة ، عريض المنكبين ، في الأربعين من عمره ، ذو شارب متوسط الطول ، مبروم إلى أعلى ، يضع على رأسه طربوشاً ، ويرتدي جلباباً بلدياً مفتوحاً من الصدر بحيث يظهر منه صداريَّة ، يدخل منحنياً انحناء قريباً من السجود ، ثم يعتدل بعض الشيء ، ويضرب صدره بكفه هاتفاً)

ـ المنصور (فيرد الجميع بصوت واحد مرتفع)

ـ أساس الملكْ .

الملك : قفْ يا صوصاوي العرَّة قفْ

قلمون الهايص حدثني بالتفصيلْ

وتحدث عنك بما يكفي .

آملُ أن تبقى للعرش المنصوري وفياً

(ينظر قلمون للملك ، فيشير الملك إلى الضابط إشارة ذات معنى فيخرج ، ويحضر سريعاً ، ومعه طبق ذهبي عليه رزمتان ماليتان ، يأخذهما الملك ، ويعطيهما لقلمون الذي يقترب من ” صوصاوي العرة ” وفي غفلة من الملك يضع رزمة في جيبه ، والأخرى في جيب صداري صوصاوي الذي يتظاهر أنه لم يشعر بما حدث) .

صوصاوي (وهو يتحسس الرزمة بيده بتمريرها فوق جيبه من الخارج ، ليتأكد من استقرارها في جيبه) :

يا مولايّ ..

هذي العمليةُ سوف أؤديها بمزاج رائقْ .

ورجالي رهنُ إشارتكمْ

ولأنتَ وليُّ النعماء

ولنحنُ عبيدُ أياديكمْ .

(يرفع الملك يده معلناً انتهاء الزيارة ، فيخرج صوصاوي بظهره في شبه ركوع)

الملك : هيهْ … والمطلوب الآنْ .. يا قلمون ؟

قلمون : يا مولايْ .. أن تعتزلَ وتلقي الكلمةْ

أي أن تعطي اللونَ الأخضرَ للصوصاوي وجماعتِهِ

حتى ينهض بمظاهرته .

(موسيقا عسكرية ، والضوء يشحب شيئاً فشيئاً ، وأصوات الفرقعات والأضواء المتقطعة تظهر في الخارج كالبرق ، ويتدلى من سقف المسرح ” مايكروفون ” ، وتُسَلط الأضواء على وجه الملك ، وتظهر على المسرح كاميرات تلفاز مسلطة عليه ، ويبدأ المنصور في إلقاء خطابه بصوت مجسم) .

يا شعبَ المنصور الغالي

قد كان توقعنا لهجوم اليأجوجيينْ

أن يأتي من جهة الشرقْ

لكنهم غدروا .. هجموا من ناحية الغرب

على غير توقعنا …

غطَّوا كلَّ مطارات الوطن الغالي في لحظاتْ

تسندهم ريكا العظمى .. تانا الكبرى

وبقية أعداء الوطن الغالي .

… وأقولُ لكمْ …

قررتُ العزلة يا شعبي

معتزلاً سلطان الحكمْ

معتكفاً في صومعة الحبِّ

أجدِّدُ ـ ليلي ونهاري ـ عهدَ الحبّ المتنامي

للشعب الغالي المحبوب

وأخلّي المنصبَ كي يأتي بعدي

من هوَ أقدرُ مني في تسيير الدفَّةْ

حتى أثبتَ للأعداءْ

أن الشعبَ جميعاً مثلُ المنصورْ

ملايينٌ في عزم المنصورْ

قد نخسرُ معركةَ .. لكنْ لا يمكنُ أنّ نخسرَ حرباً

(تُسمع جلبة أصوات مختلطة من بعيد ، تقترب رويداً .. رويداً ، لا يتضح منها إلا جملة ” لا تتنحَّ ” ، ويستمر الملك في خطابه)

وأكررُ قولي : لا تثريبَ اليوم عليكم

أن تختاروا ملكاً غيري

وأكونَ كفردٍ من شعبي

أصدعُ بالأمرِ لمن يأتي ملكاً بعدي (يعلو صوت المظاهرة ـ غير المرئية ـ حتى يكاد يحجب صوت الملك)

وأنا أوقنُ أني لن أتخلى أبداً عن شعبي

شعب الحبِّ ، وشعب الخير ، وشعب النصرْ .

(يَشحب الضوء تدريجياً ، ويتغير المنظر إلى شارع من شوارع العاصمة ، يؤدي إلى شارعين جانبيين : الأول في أقصى يسار المسرح ، والثاني في أقصى يمينه ، ويقترب صوت المظاهرة جداً ، وهي تهتف)

لا تتنحَّ … لا تتنحَّ

(ثم تظهر مقدمة المظاهرة من الشارع الجانبي الأيسر ، وعلى رأسها صوصاوي العرَّة بطربوشه وجلبابه البلدي ، يحمله اثنان ، ووجهه للمتظاهرين ، واثنان منهم يحملان لافتة قماشية ضخمة مكتوباً عليها)

الشعبُ ألحَّ … لا تتنحَّ

(والمظاهرة تتحرك ببطء بقيادة صوصاوي الذي كان يردد العبارة الأولى فيردون عليه بالعبارة الثانية على النحو التالي)

صوصاوي : لا تتنحَّ              الجمهور : لا تتنحَّ

صوصاوي : الشعب ألحَّ          الجمهور : لا تتنحَّ

صوصاوي : الوطن ألحَّ          الجمهور : لا تتنحَّ

صوصاوي : الحب ألحَّ           الجمهور : لا تتنحَّ

صوصاوي : يا منصور          الجمهور : يا منصور

صوصاوي : الوطنُ فداؤكَ       الجمهور : يا منصور

صوصاوي : والماء فداؤك       الجمهور : يا منصور

صوصاوي : والرمل فداؤك     الجمهور : يا منصور

صوصاوي : والأرض فداؤك   الجمهور : يا منصور

صوصاوي : وجزيرة سينو      الجمهور : يا منصور

صوصاوي : والشعب ألحَّ       الجمهور : لا تتنحَّ

صوصاوي : لا تتنح            الجمهور : لا تتنحَّ

صوصاوي : الشعب ألح        الجمهور : لا تتنحّ

(تصل مقدمة المظاهرة إلى مدخل الشارع الجانبي الأيمن ، وهي مستمرة في الهتاف بينما آخرها ما زال يتدفق من الشارع الأيسر ، يسرع صوصاوي العرة إلى خلف المسرح ، ويستبدل بالطربوش لبدة ، ويرتدي معطفاً فوق الجلباب ، ليكون على رأس مظاهرة جديدة بزي مختلف ، وبينما تدخل مؤخرة المظاهرة الأولى الشارع الجانبي الأيمن ، تظهر مقدمة المظاهرة الثانية يحمل اثنان منها لافتة كتب عليها)

الشعب يلحُّ .. لا تتنحوا

(وصوصاوي يحمله اثنان وتسير هذه المظاهرة على النسق السابق)

صوصاوي : لا تتنحوا            الجمهور : لا تتنحوا

صوصاوي : الشعبُ يلحُّ          الجمهور: لا تتنحوا

صوصاوي : والكلُّ يلحُّ           الجمهور : لا تتنحوا

صوصاوي : والحبّ يلحُّ          الجمهور : لا تتنحوا

صوصاوي : يا منصور          الجمهور : يا منصور

صوصاوي : يا منصور          الجمهور : يا منصور

صوصاوي : صوصاوي يلحُّ     الجمهور : لا تتنحوا

صوصاوي : صوصاوي يلحّ     الجمهور : لا تتنحوا

صوصاوي : صوصاوي العرَّة   الجمهور : يسترضيك

صوصاوي : ويقول والنبي       الجمهور : خليّك خليك

صوصاوي : يا منصور          الجمهور : يا منصور

صوصاوي : يا منصور          الجمهور : يا منصور

(تنتهي المظاهرة الثانية إلى مدخل الشارع الأيمن بالطريقة السابقة ، ويسرع صوصاوي من خلف المسرح ، ليقود المظاهرة الثالثة ، وهو يرتدي ـ وكذلك أغلب المتظاهرين ـ زيّاً أشبه بزي أهل الإسكندرية من أولاد البلد . والمتظاهرون يحملون لافتة كتب عليها)

أيُّوهْ أيُّوهْ = أوعوا تنحوه

ونروح ببلاشّ = ولا يتنحاشْ

(وتعلو الهتافات التي يقودها صوصاوي العرة بالطريقة السابقة)

صوصاوي : أيُّوه أيّوه = الجمهور : أوعوا تنحوه

صوصاوي : أيّوه أيُّوهْ = الجمهور : أوعوا تنحوه

صوصاوي : ونروح ببلاشّ = الجمهور : ولا يتنحاشْ

صوصاوي : ونروح ببلاشّ = الجمهور : ولا يتنجاش

صوصاوي : أيُّوه أيّوه = الجمهور : أوعوا تنحوه

صوصاوي : أيّوه أيّوه = الجمهور : أوعوا تنحوه

صوصاوي : يا منصور = الجمهور : يا منصور

صوصاوي : يا منصور = الجمهور : يا منصور

صوصاوي : ولأنتَ الناصرُ = الجمهور : والمنصورْ

صوصاوي : ونروح ببلاش = الجمهور : ولا يتنحاشْ

صوصاوي : ونروح ببلاشّ = الجمهور : ولا تتنحاشْ

صوصاوي : يا منصور = الجمهور : يا منصور

صوصاوي : صوصاوي العرّةُ = الجمهور : يسترضيك

صوصاوي : ويقول والنبي = الجمهور : خليِّك خليك

صوصاوي : ويقول والنبي = الجمهور : خليك خليك

صوصاوي : يا منصورْ = الجمهور : يا منصور

صوصاوي : أيُّوه أيُّوه = الجمهور: أوعوا تنحوه

(تنتهي المظاهرة الثالثة إلى مدخل الشارع الأيمن بالطريقة السابقة ، ويسرع صوصاوي العرة إلى خلف المسرح ، ليغير ملابسه ، وكذلك بقية المتظاهرين ـ مع تواصل المظاهرة ـ إلى الزي الصعيدي .. وتخرج المظاهرة الرابعة بقيادة صوصاوي العرة من الشارع الجانبي الأيسر ، يحمل اثنان منها لافتة كتب عليها بخط كبير)

أنتَ المفتاحْ = واْنا الكَوَالين

(وتبدأ الهتافات على النحو التالي)

صوصاوي : حَتْسِبْنا كيفْ = الجمهور : يا وِلْد العَمْ

صوصاوي : حتسبنا كيف = الجمهور : وحْنا ولادْ عمْ

صوصاوي : مِنْ غيركْ نَبْجَى = الجمهور : في همّ وغمْ

صوصاوي : مِنْ غيركْ نبجى = الجمهور : في همّ وغمْ

صوصاوي : وتسبنا كيفْ = الجمهور : وحْنا ولادْ كيفْ

صوصاوي : وتسبنا كيفْ = الجمهور : وحنا ولادْ كَيِفْ

صوصاوي : دانْتَ الفييِّس = الجمهور : وحْنا المساكين

صوصاوي : دانتَ الفييس = الجمهور : وحْنا المساكين

صوصاوي : دانْتَ المفتاحْ = الجمهور : وحْنا الكوالينْ

صوصاوي : دانْتَ المفتاحْ = الجمهور : وحْنا الكوالينْ

(يخف صوت المظاهرة تدريجياً ، ويشحب الضوء كذلك تدريجياً ألى أن يظلم المسرح للحظات ، يتغير فيها المنظر لتظهر قاعة العرش ، وبها الملك المنصور ، وقلمون ، ومحزون وبعض الضباط ، وكاميرات التليفزيون ويسمع صوت المنصور مجسماً مضخماً)

يا شعب المنصورِ الغالي

يا روحَ الروح ، وقلبَ القلبْ

وأمام الإصرار الجارف في كلِّ مكانٍ بالوطن

لا أملكُ إلا أن أصدعَ بإرادة شعبي المحبوبِ

فأقررَ عودتنا فوراً لتولي الملْكْ

وإزالة آثار العدوان

عاش الشعب وعاش الجيشْ

(يزيد صوت الفرقعات ، وأزيزُ الطائرات ، وصفير الصواريخ ، ولكن يسمعُ تهليلٌ عالٍ جداً خارج المسرح ، وتشحب الأضواء مرة أخرى ، إلى درجة الإظلام ، ليظهر منظر الشارع مرة أخرى ، ومظاهرة ضخمة متنوعة الأزياء يقودها صوصاوي العرة بزيه الأصلي الأول سائراً على قدميه محزوم الوسط وهو يحمل عصا مثل ” نبوت ” أبناء البلد ، واثنان من المتظاهرين يحملان لافتة كتب عليها)

عودٌ منصورْ = يا منصورْ

مبروك النصرْ = يا منصورْ

 )يبدأ صوصاوي في الرقص ، ويعلو صوت موسيقا راقصة ، وتصفيق منغوم ، وتدور الهتافات على وقع الموسيقى ، والتصفيق على النحو التالي)

صوصاوي : عوْدٌ منصورْ = الجمهور : يا منصور

صوصاوي : عوْدٌ منصورْ = الجمهور : يا منصور

صوصاوي : وهزمت عدوك = الجمهور : يا منصور

صوصاوي : والشعب يقولْ = الجمهور : يا منصور

صوصاوي : مبروكْ مبروكْ = الجمهور : يا منصور

صوصاوي : وأنت مبروكْ = الجمهور : يا منصور

صوصاوي : وأنت الناصرُ = الجمهور : والمنصور

صوصاوي : عود منصور = الجمهور : يا منصور

(يدور الرقص ، ويزداد الصخب ، ويرتفع صوت الانفجارات ، وتظهر خيالات حرائق ، ولهب من بعيد ، ويرتفع دخان كثيف في المسرح ولكن الرقص ، وتصفيق المتظاهرين مستمر ويخف الصوت تدريجياً ـ مع استمرار حركات المظاهرة ـ حين يظهر التاريخ (الضرير) وهو يمسك بعصا . يقف في مقدمة المسرح من الناحية اليسرى وهو يقول بصوت عميق متهدج)

والآنْ .. والآن

يا ولدي الطيب هل أضحكْ ؟

لا أقدرُ .. حقاً .. لا أقْدِرْ .

فالضاحك إما فرحانٌ أو شمتانْ

آه ..

هل أبكي ؟ ؟

أنا لا يمكنني ـ يا ولدي ـ أن أذرف دمْعةْ

فهمو قد نزعوا قنواتِ دموعي من قاعَيْ عينيْ

لكن .. بقيتْ قنوات شعوري لا تنضبْ

وبصيرة قلبي لا تخمدْ

دوماً تعملُ وتسجل حركاتِ الزمنِ ونبضَ الكونْ

(يزيد صوته ارتفاعاً وعمقاً ..)

وتسجل أيامَ شعوب تقتاتُ الطينَ

وتهوى الذلَّ .. وتأنفُ أن يحكمها العدلْ

وشعوبٍ ترفضُ أن تسجدَ إلا لله

تتعشق طعم التضحية

وتموت لتحيا شامخةً

وتريق دماها راضيةً

كيْ تنبتَ أزهارُ الحبِّ الباسمِ في أرضِ المجدْ .

(يصمت التاريخ للحظات يرتفع خلالها صوت المظاهرة الراقصة والفرقعات ثم تنخفض هذه الأصوات تدريجياً مع استمرار الرقص وحركات المتظاهرين ، ويواصل التاريخ كلامه بصوت عميق متهدج ممزوج برنة حزن شديد)

ما زلتَ تسألُ يا ولدي

عن اسم زمان الأحداث ..

عن اسم العصرْ ؟

ما زلت مُصراً ؟ فلتعلمْ

ذلك عصرُ البشرِ الوَثَنِ

عصرُ الإنسانِ الساجدِ للإنسانْ

وإذا ما عبد الإنسانُ الإنسانْ

كان المعبودُ هو الشيطانْ

والعابدُ في الدرْكِ الأسفل كالحيوانْ

لا تعجبْ من حكمي هذا

فالعقلُ مهينْ

والرأي سجينْ

والحكم لعينْ

واللصُّ الفاجرُ يُدعى خيرَ أمينْ

(يهم بالانصراف ببطء شديد .. والستار يسدل تدريجياً .. ويواصل الكلام بصوت أعمق)

وسأمضي يا ولدي الطيب

وسأمضي

فأمامي مشوارٌ جدُّ طويلْ

لن ينتهي بقرن أو بقرونْ

لن ينتهي بقرن أو بقرونْ

لن ينتهي بقرنٍ أو بقرونْ

(يعلو صوت المظاهرة ويشتد صوت الانفجار..ثم يشحب الصوت تدريجياً مع إسدال الستار تماماً .)

تمت

قصص وروايات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

img
القائمة البريدية
img