img
قيم إسلامية في شعر حافظ إبراهيم
img
Print pagePDF pageEmail page

مرآة الأدب الإسلامي

قيم إسلامية في شعر حافظ إبراهيم

حافظ إبراهيم شاعر النيل (1871م ـ 1932م) علم مشهور من أعظم شعراء العصر الحديث، وقد عالج كثيرًا من الفضائل والقيم الأخلاقية في تضاعيف عشرات من قصائده في المدح والتهاني، والمراثي، والوصف، والأهاجي، وهذا الجانب لا تتسع له هذه المساحة المتاحة . ولكننا نقصد ـ في السطور الآتية إلى بعض هذه الصفات والفضائل اتي تنبثق أو ترتبط بجوهر الدين، وأصوله ومثله العليا.

وشعره في هذا المجال يأخذ وجهتين:

الوجهة الأولى: استنكار ما يتعارض مع الدين من خلق وعادات وتقاليد وضلالات.

الوجهة الثانية: الإشادة بالقيم الدينية، وبيان محاسنها، والدعوة إلى أخذ النفس بها على مستوى الفرد والجماعة.

ها هو ذا حافظ يحمل بشدة على كثير من البدع، والضلالات، ويشتد نكره ـ بخاصة ـ على هؤلاء الذين يقدسون قبور الأولياء، ويطوفون بها، كأنهم يخصونها بالعبادة من دون الله، ويستصرخ الإمام محمد عبده أن ينقذ هذه النفوس المنحرفة، ويطهرها من هذا الضلال فيقول:

إمام الهدى إني أرى القومَ أبدعوا
رأوا فـي قـبور الميتين حياتهم
وبـاتـوا عـليها جاثمين كأنهم
لـهم  بدعًا عنها الشريعةُ تعزِفُ
فـقاموا  إلى تلك القبورِ وطوَّفوا
عـلـى صـنم للجاهلية..عُكَّف

وحافظ إبراهيم الذي عاش بائسًا، أو على الأقل كان يستشعر البؤس والحرمان يهوله ما يتدفق على “صناديق النذور” من أموال يتوزعها ـ لا البائسون والمحتاجون ـ ولكن القائمون على خدمة “المقام” أو الضريح الذي يثوى فيه الولي وفي ذلك يقول حافظ بحرارة شديدة:

أحـيـاؤنـا  لا يرزقون بدرهم
مَـنْ  لـي بحظ النائمين بحفرةً
يـسعى الإمام لها ويجري حولها
ويقال هذا القطبُ بابُ المصطفى
وبـألـف ألـف تُرزق الأمواتُ
قـامت على أحجارِها الصلوات
بـحـرُ الـنـذور وتقرأ الآيات
ووسـيـلة  تقضي بها الحاجات

ويحمل حافظ بشدة على صنف من أدعياء العلم والفقه والتقوى، لم يرعوا للعلم والفقه حرمة، فسلكوا طريق النفاق والكذب والفتن والوقيعة في سبيل تحقيق أهداف وغايات دنيا، فيقول:

كـم  عـالمٍ مدَّ العلوم حبائلاً
وفـقيه  قوم ظل يرصد فقهه
يمشي وقد نصبت عليه عمامة
يدعونه  عند الشقاق وما دروا
لـوقـيـعـة وقطيعة وفراق
لـمكيدة  أو مستحل طلاقاق
كـالـبرج لكن فوق تل نفاقِ
كأن  الذي يدعون أصل شقاقِ

ويعرض حافظ لمرضى الدنيا ومطالبها الخسيسة الذين يعتنقون فكرة “الغاية تبرر الوسيلة” من أطباء ومهندسين، وأدباء، لا يرعون شرف المهنة، ومتطلبات الأمانة التي حملوها، والرسالة التي تعهدوا بأدائها.

ومن هذا القبيل هؤلاء القادة الذين يتشدقون بالقيم الدينية والإنسانية، والورع والتقوى، وأعمالهم تناقض أقوالهم، فيقول مخاطبًا “غليوم الثاني” إمبراطور “ألمانيا” وهو ينكر عليه إثارته الحرب العالمية الأولى، وما ارتكبه فيها من فظائع:

أكـثرت من ذكر الإله تورعا
عـجبا!! أتذكره، وتملأ كونه
وكـذلـك القصابُ يذكر ربه
وزعمت أنك مرسل وأمينينين
ويـلا لـينعم شعبك المغبونُ
والنصل  في عنق الذبيح دفين

والظلم هو شر الظلمات، وأبعدها أثرًا في المجتمعات، وأضراها على الأفراد، والقاسطون (أي الظالمون) لا يرعون حق المواطنة، ولا حق الدين، فعلى أيديهم يخرب الوطن، ويدمر بنيانه، يقول حافظ:

لحي الله عهدَ القاسطين الذي به
إذا  شئت أن تلقى السعادة بينهم
سـلام عـلى الدنيا سلام مودع
تـهـدم مـن بـنياننا ما تهدما
فـلا تك مصريا ولا تك مسلما
رأى في سلام القبر أنسا ومغنما

ويرى حافظ في الدين أقوى الروابط التي تجمع المشاعر والقلوب على الحق، ويدعو عنصري الأمة إلى المحبة والتسامح:

يا قوم إنجيل عيسى       وأمة  القرآن

لا تقتلوا الدهر حقدا       فالملك للديان

ويتحد ث عن الدستور، ويطالب الملك فؤاد به، ثم يقول:

بآي محمد وبآي عيسى          فَعَـوِّذهُ وآيات الكليم

وسماحة المسلم تدفعه إلى أن يعترف بالفضل لأهل الفضل، ويثني على “مسرة” الشام مطران طائفة الروم الأرثوذكس الذي كان يُعنى بالجرحى عندما اعتدى الأسطول الإيطالي على بيروت سنة 1912م:

مـسـرة  الشام إنا
ثـقـوا فـإنا وثقنا
إنا نرى فيك عيسى
قـربت  بين قلوب
فأنت فخر النصارى
إخـوانكم  ما حيينا
بـكـم وجئنا قطينا
يدعو إلى الخير فينا
قد  أوشكت أن تبينا
وصاحب  المسلمينا

ويتغننى حافظ إبراهيم برأي الجماعة الذي يعتمد على قاعدة الشورى، فهو سر سعادة الأمم، أما الانفراد بالرأي والاستبداد به فيجلب لها الشقاء.

       رأي الجماعةِ لا تشقى البلاد د د به           رغم الخلاف، ورأي الفرد يشقيها

ويفصل مزايا الشورى وفضائلها، وينهي أبياته بهذا التوجيه السديد:

فتكنفوا الشورى على استقلالكم             في الرأي لا توحيه نزعة واحي

ويد الإله مع الجماعة فاضربوا             بعصا  الجماعة  تظفروا بنجاح

كما يتغنى حافظ بالتعاون والعدل، وهما من أهم أسس الحكم ونهضة الشعوب، وبغيرها تنهار الأمم والحضارات.

ولا شك أن “حافظ” ـ في كل ما أشاد به من قيم ومثل عليا في آفاق النفس والوطن، والمجتمع الإنساني ـ استلهم روح الإسلام، وجواهره وتعاليمه، فهو الذي أفرد الله بالعبادة، ونهى عن تقديس الأشخاص أحياء وأمواتًا، وقد لعن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ اليهود؛ لأنهم اتخذوا قبور أوليائهم مساجد” , كما اعتبر الإسلام العلماء ورثة الأنبياء “قل هل يستوي الذينيعلمون والذين لا يعلمون. وهو الذين الذي يقول كتابه “إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاءذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي” وأمر بالتسامح الديني في أرقى مراتبه “ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى” وأمر بالتعاون في الحق “وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعانوا على الإثم والعدوان” ويقول تعالى: “إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل”.

كل أولئك قيم تمثل مبادئ وقواعد جوهرية في الإسلام، رددها حافظ، وألح على بعضها ـ كالعدل والشورى ـ إلحاحًا شديدًا، ونلاحظ على منهجه في معالجة هذه القيم ما يأتي:

1 ـ أنه كان قصير النفس في عرضها فهو لم يخص قيمة منها بقصيدة كاملة , بل يعالجها في بضعة أبيات، وفي تضاعيف قصائد أخرى، إذا استثنينا مقطوعته “أضرحة الأولياء” وهي من أربعة أبيات مستقلة.

2 ـ أنه ـ في الغالب ـ كان يعرض هذه القيم عرضًا مباشرًا، وبطريقة لامسة، وأحيانًا على سبيل الإلماع ولكن بعاطفة قوية، وأسلوب جميل يتسم بالسهولة والتدفق.

Print Friendly, PDF & Email
مقالات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

img
القائمة البريدية
img