img
عبد الحكيم عابدين
img

من شعراء الإخوان المسلمين

الفصل الأول: عبد الحكيم عابدين

(1332-1396ﻫ) (1914- 1976م)

يعتبر عبد الحكيم عابدين من أهم الشخصيات على المستوى العام، وعلى مستوى الوجود الإخوانى، ويرجع ذلك إلى أسباب متعددة من أهمها:

1-     موهبته الفطرية شاعرا مطبوعا، وخطيبا مفوها ذا إلقاء آسر جذاب.

2-  قوة شخصيته وفاعليته، وقدرته على الاندماج والتكيف والإدارة، وإثبات الوجود الذاتى. وهى ملامح اعترف بها –عمليا- الأساتذة الكبار، فكان مدير الجامعة أحمد لطفى السيد، وعميد كلية الآداب طه حسين يأنسان للطالب عبد الحكيم عابدين، بحكم نضوجه الأدبى، وسرعة بديهته، ونزعته الشعرية الأصيلة، حتى إن طه حسين كان يطارحه الشعر، وكان لطفى السيد يسأل الطالب عبد الحكيم عن دعوة الإخوان المسلمين، وعابدين يشرح له، ويتدخل طه حسين، ويقول لمدير الجامعة: إن الإخوان المسلمين يريدون أن يستردوا الأندلس.

3-     الأدوار التى اضطلع، وقام بها فى جماعة الإخوان، ونشاطه الدعوى والسياسى فى البلاد العربية والإسلامية.

مسيرة طويلة وحياة حافلة

· ولد عبد الحكيم عابدين سنة 1914 فى قرية “فيدمين” مركز “طامية” بمحافظة الفيوم بمصر.

· درس فى كلية الآداب بجامعة القاهرة، وحصل على إجازة اللغة العربية وآدابها (الليسانس) عام 1937م.

· حصل على إجازة الحقوق عام 1954.

· عمل بإدارة جامعة القاهرة بعد تخرجه عام 1934، (أمينا لمكتبة الجامعة).

· تعرف على دعوة الإخوان وأخلص الودّ لها وهو طالب فى الجامعة، وكان معجبا بمنهج الأستاذ البنا فى الدعوة واختيار الشخصيات التى تمثل اللبنات الأولى فى بنائها.

يقول عبد الحكيم فى مذكراته “… كان الأستاذ البنا يعمد إلى انتقاء لبنات الأساس الأولى للدعوة من العناصر التى لا يُعرف عنها أى سمْت دينى، فالتقط هذه اللبنات من المقاهى لا من المساجد. ولما جاء إلى القاهرة حرص على أن يلتقط لبنات الأساس الأولى للدعوة من الجامعة قبل أن يتجه إلى الأزهر، ولعل حكمته فى ذلك –كما يبدو لى- أنه يريد القلوب الخالية، والعقول التى لم ترهق أو تفسد بالقضايا الجدلية والنظرية، وبتصور احتكار الدعوة الإسلامية، وما شاكل ذلك…”.

· عمل سكرتيرا عاما للإخوان المسلمين بمصر.

· اختاره الحاج أمين الحسينى مفتى فلسطين ليكون مستشارا للهيئة العربية العليا فى بيروت تحت رياسة سماحته.

· اختارته رابطة العالم الإسلامى بمكة ليكون مستشارا لها.

· قام برحلات دعوية متعددة إلى سوريا ولبنان والسعودية والأردن وفلسطين والعراق واليمن.

· اعتقل مع إخوانه حين حُلت الجماعة فى 8/12/1948 وخرج من السجن بعد أن ألغت حكومة الوفد الأحكام العرفية سنة 1950، وسقط قرار الحل.

· خرج من مصر للحج قبل حادث المنشية، فقد ألصق العساكر بالإخوان –كذبا وزورا- تهمة محاولة اغتيال عبد الناصر سنة 1954. ولم يعد بعدها إلى مصر لأن الحكومة العسكرية قامت باعتقال آلاف من الإخوان بمصر، وزجت بهم فى السجون، وشنقت عددا من قادتهم، وبقى عبد الحكيم عابدين يتنقل من بلد عربى إلى آخر، باذلا أقصى جهده للدعوة، ونصرة دين الله، وإعزاز كلمة الإسلام.

· عاد إلى مصر سنة 1975 حيث مارس العمل الدعوى مع إخوانه بقيادة المرشد الثالث عمر التلمسانى، وانتقل إلى جوار ربه سنة 1977، بعد عمر حافل بالنشاط الإسلامى داخل مصر وخارجها منذ شبابه، حتى آخر مراحل شيخوخته([1]).

آفاقه الشعرية

صدر لعبد الحكيم عابدين ديوانه الوحيد “البوكير” الذى جمع أغلب شعره، وقد قدمه لقرائه فى 8من ذى الحجة سنة 1355هـ= 9 من فبراير سنة 1937م. وقد أهداه إلى المرشد حسن البنا “الرجل الفرد فى رجولته .. الغريب الذى يصلح فساد الزمن… واسطة العقد بين الشباب والإسلام.. الشاب الذى يبهر الدنيا قبل اكتهاله.. ولتعلمن نبأه بعد حين”…

وهو إهداء شاعرى ينم على حب الشاعر لأستاذه المرشد.

وهو حب يمتد ويتغلغل فى دعوة الإخوان، وعنها يقول فى تقديمه لديوانه أنها “امتزجت بدمى، وسيطرت على وجدانى –فى غفلة منى- باندماجى بين جماعة الإخوان المسلمين الذين أحسنوا فهم الإسلام حين أساء فهمه الناس، واقتنعوا بكفايته لتمدين الحياة حين تنكر له الناس، وأعدوا مناهجهم واعتدّوا بإيمانهم وما يملكون من قوة لإعادة القرآن دستورًا للدنيا.. فلم يقفوا من فهمه عند حد الصلاة والصوم، بل ذكروا أنفسهم والناس مع ذلك فريضة الجهاد فى سبيل الله التى كان طغيان المادة على المسلمين صارفًا لهم عنها…”.

وديوان “البواكير” الذى نظمه الشاعر، تدور قصائده على عدة محاور رئيسية هى –كما رتبت فى الديوان:

1-     تحت الراية الإسلامية (3-61).

2-     بين يدى الوطن (65-103).

3-      فى الحرم الجامعى (106-155).

4-     حديث الوجدان (غزل عفيف) (156-176).

5-     فى الميادين المختلفة (178-186).

الشعر الإسلامى

وواضح أن الشعر الإسلامى له النصيب الأوْفى من هذا الديوان، وليس هذا غريبا من شاعر اعتنق مبادئ دعوة الإخوان وعاش لها.

وهذا الشعر الإسلامى عالج موضوعات متعددة أهمها:

· المناسبات التاريخية الإسلامية كالهجرة والإسراء.

· الدعوة إلى فهم الإسلام حتى يقوم اعتناقه على أساس سليم.

· تمجيد الإسلام كشفاء لأمراض المجتمع، وحل لمشكلاته، وسبيل إلى إنقاذ البشرية من السقوط والضياع والانهيار.

· تمجيد القيم الإسلامية مثل الأخوة والحب والوحدة والاعتصام بكتاب الله.

· أهم عوامل النصر والتقدم والنهوض بالإسلام وشعوبه.

· رسالة المسلم وأبعادها، والغاية التى يجب أن يحرص على تحقيقها.

· الإشادة بالإخوان المسلمين وجهادهم، وجهودهم للنهوض بالشباب والمجتمع.

· الإشادة بجهاد فلسطين، ونهوض الحجاز.

· أناشيد إسلامية للشباب بخاصة.

· نزعة صوفية، وجنوح روحانى فى قصائد وشعر تمثيلى.

· أناشيد فى الجهاد، والدعوة إلى الحق والقوة والحرية.

ونعيش مع قطوف من هذا الشعر تبين عن ملامحه، ومنهج الشاعر الموضوعى والفنى، فنلتقى بقصيدة من أهم قصائدهم بعنوان “سبيل النجاة([2])” ألقاها الشاعر فى اجتماع للإخوان بمدينة السويس وفيها يقول:

وداعٍ إلى الإصلاح قلتُ له استقمْ
فـكل  نداء فى سوى بوقِهِ سُدى
وكـل  جـهـاد بعده عبث وإن
على أدب الإسلام يكفيك ما تدعو
وكـل  بناء لم يؤسس به صدْعُ
تـفـانت  له الدنيا وأيده الجمع

ويتحدث الشاعر عن إخفاق التجارب البشرية لإنقاذ المجتمع، ويعرض مظاهر الداءين اللذين يستبدان به وهما الداء الاجتماعى، والداء النفسى. ثم يربط بين إنقاذ المجتمع ودعوة الإخوان، فيقول:

فـأيـن الـطبيبُ المستمَدّ دواؤُهُ
هو  “الحسن البناء” حسبك باسمه
*              *             *
ولـست  أرى فضلا له غير أنه
ومـن حوله الإخوان جندٌ بواسل
تآخًوْا على القرآن واعتصموا به
*              *             *
يـعدون  للأحداث سيفا ومصحفا
إذا  قـرب الإسلام بالضيم باطل
وخـفـوا  إلـيه بالسلاحين ذادةً
نـواصـع إيـمانٍ تناضل دونها
وهـذى سـبيل المجد حق وقوة
مـن الله يُـرجى للبلاء به دفْع؟
دلـيلا فهذا الاسم من أصله فرع
*              *             *
تـبـوع لآثار الرسولِ بما يدعو
أعـزاء  لـم يُحدِّدْ أمانيَّهم وُسْعُ
فـعـز لهم من سِرّ روعته درعُ
*              *             *
وهـذا هو الإسلام لو يفقه الجمع
أصاب حشاشات القلوب له صدع
ففى القلب إيمان وفى سيفهم فجْع
لـوامعُ أسيافٍ إذا احتدم الصرْع
وذل عـريـن ليس يحرسه سبعُ

وفى قصائد المناسبات الإسلامية لا يقف الشاعر موقف المؤرخ الراصد، فهو –وإن عرض شرائح تاريخية من الحدث التاريخى- يجعل همه الأول الربط بين الماضى والحاضر، ويتحدث عن حاضر الأمة الإسلامية، ويحثها فى حاضرها الموكوس على استعادة ماضيها الشامخ المنتصر، ولن يكون ذلك إلا بتشكيل جديد لنسيج الشخصية المسلمة بالإخلاص العملى، والولاء الحقيقى ما فيه من قيم عليا كإعداد القوة واستشعار العزة واستعلاء الإيمان، والتوحد والأخوة والاعتصام بكتاب الله([3]).

وقد سبق لنا أن أشرنا إلى قصيدته “نزعة صوفية([4])” ووقفنا وقفة طويلة أمام قصيدته الصوفية التمثيلية “رابطة القبر([5])” ومع ذلك نكتشف أن هذه “النزعة الصوفية” تطبع شرائح فى عدد من قصائده الأخرى كما نرى فى المطلع التالى لقصيدته “عدة النصر”([6]).

تقصَ ما شئتَ أخطائى وسْوءاتى
وما يزال الجمالُ الحر لى مثلا…
تالله لـم أهْـوَ حـسنا لا يقربنى
ولا عـشـقـتُ جمالا لا يدلّهنى
فـما  برحت غريقا فى صباباتى
مـن قـدرة الله أُولـيـهِ تحياتى
شـوقـا  لخالقه فى كل خُطْواتى
بالله  حـبـا ويـغرى بالعبادات

الأناشيد والسياسة والرثاء

وفى الجزء الثانى من ديوان “البوكير يكثر الشاعر من الأناشيد الوطنية، وبعضها لا يخلو من بصمات دينية، ومن هذه الأناشيد: فى حمى الله –الحق والقوة- نشيد الثورة- النشيد الوطنى- نشيد العلم- فليحى النيل- فتاة النيل- إننى شبل الهرم.

وفى هذا الباب قصيدة تمثيلية –أشرنا إليها من قبل بعنوان “بين خوفو والفاروق”([7])، أعدها الشاعر لتمثل فى حفلة أسرة خوفو من تلامذة الفصول التجريبية بمعهد التربية، ويهيمن عليها اعتزاز الشاعر بأمجاد التاريخين الفرعونى والعربى.

وفى قصيدة نرى الشاعر يشيد بوزارة نسيم باشا([8]) وسمى عهده “عهد الحرية”([9]). كما يمدح العقاد بقصيدة “احمل لواء الرأى”([10])، وبضراوة عاتية يهاجم بؤرة من بؤر العبث والفساد، وهى “سيرك هاجنبك بشبرا” سنة 1933([11]).

وأهم ما يشد النظر –فى هذا الباب- قصائد الرثاء الأربع: الأولى فى رثاء أخته بعنوان “اليقظان الحالم”([12]).

وهى قصيدة –على حرارة عاطفتها- لا تخلو من التكلف، كما يكثر فيها الغريب.

وفى الملك فؤاد نظم الشاعر مرثيتين: الأولى مطولة بائية تربو على مائة بيت([13])، والثانية من قرابة عشرين بيتا، ومع كثرة الغريب فيهما، نرى إغراقات فادحة فى المبالغة، وأغلبها غير مستساغ. من ذلك قوله:

قم يا فؤاد تر الإسلامَ فى حَزَنٍ        غُرَّ أبنائه أنْضاءَ منتحِبِ([14])

لو كان يجديك منهم فديةٌ لفدَوْا        لامةَ الظفر بالأرواح عن طرب

وفى مطلع القصيدة الثانية إغراق فى صورة تثير الضحك من حيث أراد الشاعر أن يبعث فينا الحزن والأسى. يقول الشاعر:

قمْ  امسك   الأهرامَ   أن  تتصدعا        بوثاق عزم من جنابك أروعا

ما كدتَ تُنْعَى فى ظلال صخورها        حتى  تداعتْ حسرةً.. وتفجعا

بطشتْ   بناعيك   الحزين  كأنما        وَتِرتْ  فثُرْن  تشفيا ممن نَعى

ولا كذلك مطولته الرثائية بعنوان “الشاعر الشهيد”([15]) وقد نظمها شاعرنا فى الذكرى الأولى لشهيد الوطن عبد الحكم الجراحى. وفى هذه المرثية بلغ عابدين شأوا رائعا يُلحق قصيدته بمراثى كبار الشعراء مثل شوقى وحافظ وخليل مطران، وخصوصا مراثيهم فى الزعيم المصرى الشاب مصطفى كامل.

وفى القصيدة عاطفة صادقة وتصوير بارع.وأداء لغوى أخاذ، يكثر الشاعر فيه من أسلوب الالتفات، وفيها معانٍ أبكار. منها ما يخاطب به الشهيد الجراحى، مشيدا بإقباله على الفداء دون وجل أو خوف:

أقـبلتَ تستبق الصفوفَ بعزمةٍ
فتُظنُّ إذ تجرى الأمام إلى الفدى
ورويـت بالدم بقعة غُصبت به
وإذا الـشـهادة للعلا زُلفى، فيا
شـمُّ  الـجـبال ذكرْنها بحياءِ
تـجـرى –مخافة قاتل- لوراء
فـإذا بـهـا تُـؤتى ثمار فداء
أحـبـبْ  بها زلفى إلى العلياء

ومن ذلك ما بسطه الشاعر من أثر الشهادة فى توحيد الأمة فى مواجهة الأعداء، فيقول:

لـم ألْق مثل الرزء فيك موحِّدا
جمعتْهمو  فيك الفجيعة فاغتدوْا
لا يطمع الأعداء بعدك أن يروا
هـيهات أن يتستروا بخصامنا
لـعواطف الأحزاب والزعماء
سـدّا يـصـدّ غوائلَ الأعداء
بـصـفوفنا فُرجا لدسِّ مُرائى
فـى  مسِّ هذى العزة القعساء

فى رحاب الجامعة

وفى رحاب الجامعة كان لعبد الحكيم شعر كثير، وأهمه المسرحية الطويلة “انتصار”([16]). وقد عرضناها من قبل فى باب الشعر التمثيلى، كنموذج للمسرحية السياسية، وفيها ينتصر الشاعر لطه حسين فى مواجهة التيارات التى تتصدى له([17])

وكما أشاد عبد الحكيم بكتاب طه حسين “فى الشعر الجاهلى” أشاد بكتب “لطفى السيد”. فهو يخاطبه قائلا([18]).

دعـاكَ  الفكرُ إذ غلّوك عونا
وجـامـعة لك ابْتُنيتْ عرينا
بعثتَ  بها “أرسْطاليس” مجدا
فـكـانت للهداة حمًى ومأوى
رماها ذو الغرور بسوء قصد
ولم  ير فى سواك العلمُ ذخرا
بـأشـبالٍ غدوتَ لهم هزبْرا
وشدتَ بها “لأفلاطون” عصرا
ولـلـبـاغين مهلكةً.. وقبرا
فـكان كناطح بالرأس صخرا

كما يشيد إشادة طيبة بكتاب “تاريخ الإسلام السياسى” للدكتور حسن إبراهيم. ومن أبياته:

كـنـتَ، فـيـمـا جمعت فيه وحددْ
شُـبَـهٌ  مـن تـحامل الخصم تجلو
فـى كـتـابٍ أرخت فيه علا الإسـ
فـاق –فـيـمـا تناول- “ابن جرير”
تَ  مـثـالا لـلـمـنصف المحمودِ
هـا  عـن الـدين مفحما فى الردود
ـلام  عـن خـبـرة وعـلـم مديد
وعلا :ابنَ الأثير” “والمسعودى”([19])

ومن شعره فى “المناسبات الجامعية” نقرأ لعبد الحكيم قصيدة بعنوان “من برج إلى برج” نظمها بمناسبة انتقال الدكتور منصور فهمى بك من كلية الآداب إلى دار الكتب.([20]وهى من شعره الجيد ومطلعها:

أين تنوى عن العرين الرحيلا        قف  نمتع  بك النفوسَ قليلا

أيهذا  الأبُ  الكريمُ  .  أناةً        نشف بالقرب منك هذا الغليلا

غزليات عفيفة

وللشاعر فى ديوانه “غزليات” يغلب عليها طابعان: التقليدية والعذْرية، وأعتقد أنه نظمها – أو أغلبها- قبل انتسابه للإخوان المسلمين. وهذه الغزليات تتراوح ما بين القصيدة الطويلة، والمقطوعة التى لا تتعدى بضعة أبيات. وهى لا تعدم طرافة فى المعنى وجمالا فى التصوير، كما نرى فى الأبيات التالية من قصيدة “عصمة مريم”([21])

أمـا  رأيـتَ هـواها
أمـا  تـرانـى ضنينا
أغـار  مـن كأس ماء
ومـن نـسيم صباح..
أشتطّ فى بعض صحبي
أود   أن  جـوار  الْـ
وأنـهـا  فـى سـماء
فـلا  يـراها سوى شا
بـمـهـجـتى  يتحكمْ
بـهـا  على كل مُغرَم
لـثـغـرها الحلو يلثم
لـهـا  يـحيى ويبْسم
إذا أتـاهـا يـسـلـم
ـفـتـاة فـيهم محرَّم
لـيـست  تُحف بأنجم
عـرٍ  بـها الشعر يُلْهم

ولكن شعر الغزل هذا لا يخلو من الشطط الذى يخدش العقيدة، ويسىء إلى الحس الدينى، كما نرى فى الأبيات الآتية:

- هـل بـعـد حـسنك مُنْية لمتيم
لـولا يـقـيـنـى بـالإله وخوفه
–  لا تـعـجبى لهواى رغم تدينى
ولـيـس  لأنـفـس الـعشاق عز
بـنـفـسـى نـظـرة لولا يقينى
عَـلـق  الـمحبةَ واصطلى بلظاها
لـعبدتُ فى ذاكِ الجمال إلها([22])
عشق الجمالِ الحر خيرُ تدين([23])
سـوى  أن تـسـتـبد بها الكعاب
سجدتُ  لها وأدركنى ارتياب([24])

وهذه الأبيات قليلة –بل نادرة- فى الديوان. ومضمونها تكرار لمضامين قديمة كقول الشاعر:

أدينُ بدين الحب أنّى توجهتْ        ركائبه بالحبُّ دينى وإيمانى

فى ميادين شتى

ويختم الشاعر ديوانه بقصائد ومقطوعات عالج بها موضوعات متعددة، لا ينظمها سلك واحد: كقصيدة عن الفلاح أهداها لبنت الشاطئ “نصيرة الفلاح”، وقصيدته عن “إدوارد الثامن” –ملك العاشقين. وإشادة بصديق تبرع بتصوير وكتابة الأكلشيهات فى ديوانه. وقصيدته عن سامر القرية، وأخرى عن “ساقى الشاى”، وثالثة بعنوان “شهيد المروءة” فى رثاء صديق احترق لينقذ امرأة من النار.

وهناك معنى طريف عالجه الشاعر فى قصيدة بعنوان “نصيحة مردودة”([25])، وما أظن أن أحدا سبق عابدين إلى هذا المعنى. وقد استهل قصيدته بقوله:

يـقولون لى لا تنظم الشعر طالبا
لـقـد حكموا إدًّا، عفا الله عنهمو
تُرى  حسبوا نظم القريض تجارة
هى النفس ترضى أو تهاج فينثني
فـمضيعةٌ للوقتِ أن تنظم الشعرا
وقـالـوا بما لم يعلموا فأَتوْا نُكرا
إذا  لم تساقط ربحها لاقت الهجْرا
بـها  القلب وجدانا فأرسله شعرا

وقفة نقدية

بعد هذا العرض، وبعد ما قدمناه من تقييمات جزئية لبعض هذا الشعر نختم حديثنا عن شاعرنا وشعره بوقفة نقدية شاملة، وإن كانت موجزة. ومن فضول القول أن نحكم بأنه متعدد الأغراض، وأنه قدير على النظم فى شتى الموضوعات، كما أنه متمكن من لغته، يملك رصيدا ضخما من ألفاظ العربية، وأنه ينهل من ثقافة إسلامية وعربية واسعة.

وهو ذو طابع تقليدى فى نظمه، ومن مظاهر ذلك حرصه على الأوزان الخليلية، وأصالة اللغة ورصانتها واستهلاله كثيرا من قصائده بمطالع غزلية، يخلص منها إلى الغرض الأصلى للقصيدة، وهو نهج عربى قديم معروف من أول نشأة الشعر العربى.

وفى تضاعيف بعض القصائد نقرأ للشاعر بعض الحكم التقليدية، ومنها على سبيل التمثيل.

- فما الحقّ إن لم تمنع البيضُ حوضَه
وأكـفـلُ مـنـه لـلـسيادة باطل..
– مـا فـى الـحياة توسط: إما البلى
طـرفـان إن يـك مـن وسيط فيهما
– وارْضَ الـحياة على الكفاف محقّرا
فـلأن تـعيش على الكفاف أحبُّ من
بـأخـلق  أن يُعطَى الحياة ولا أحرى
تـقوم عليه السمهرية لا يُفرى([26])
يـمـحـو، وإمـا عـزة تـتـسامى
فـهـو النفاق وساء ذاك مراما([27])
تـرف الـحـيـاة مـحـطّما أغلالَهُ
رغـدٍ تـفـيـأ بالهوان ظلالَهُ([28])

وفى القصائد كثير من الاقتباسات والتضمينات التراثية، كقوله:

-  يـتـمـتـعون ويأكلون وما لهم
– إن تنصروا الرحمنَ ينصركم ومَنْ
– كـالـجسم إن يألمْ به عضو تبتْ
مـن غاية فى العيش كالأنعام([29])
أوْفَـى  من الرحمن بالأحكام([30])
أعـضاؤه الأخرى عليه ثقالا([31])

وقد يضمِّن الشاعر شعره بيت شعر كاملا، كما فى قوله:

أتيت  على رغم العداة ولم أكن        لعمرك لولا رحمة الله آتيا

(وقد يجمع الله الشتيتين بعد ما        يظنان كل الظن ألا تلاقيا)([32])

والشاعر متأثر بقول الشاعر إسماعيل صبري:

لا القومُ قومى ولا الأعوان أعوانى       إذا ونى يوم تحصيل العلا وانى

وذلك فى قوله:

إذا لم تشدّوا أزر إخوانكم فلا    دعوتكمو قومى، ولا عشت فيكمو([33])

وقوله:

لا كنت من قومى، ولا همْ معشرى       إن قرّ جفنٌ فيهمو بمنامِ([34])

ومن بصمات الأمثال العربية ما نراه فى قوله:

- سيفضل  أمْسَها   غدُها المرجَّى        وإن    غدا    لناظره   قريبُ([35])

- واليوم عاد زمان الحق منتصرا        فليأخذ القوس –رغم الظلم- باريها([36])

ولكن يؤخذ على عابدين إكثاره من استخدام ألفاظ معجمية غير مألوفة، مثل: الشبا – ذماء- رجاس- أوام- دد- هيم- أنضاء- الذَّرب- وناء- خُود- مكئود- الأماليد- موتود- فيح- الشبم.

ونحن فى وقتنا الحاضر ننفر من الكلمات المعجمية غير المألوفة فى لغة العصر، ذلك أن هذا الغريب يحتفظ بجزء من معنى القصيدة فى خارجها.. فى القاموس، وهذا فى صميمه يتعارض مع التعبير، ومع لحظة الإبداع عند الشاعر.

والقصيدة التى تحوجنا أن نقرأ عنها حاشية أو شرحا نثريا ليست قصيدة جيدة.. لأن الشاعر بذلك يرضى أن يضع لقصيدته حواشى وهوامش.

كما أن استعمال الشاعر هذه الكلمات يفتت إحساسات القارئ للشعر الجميل، وذلك أن القصيدة تصل إلى التأثير فى نفس المتلقى بما تثيره فيه آنيا من حماسة وخيال ولذة، فإذا وردت فيها ألفاظ قاموسية لا تفهم كان على القارئ أن يوقف عملية التذوق، ويلجأ إلى القاموس لتبين معنى هذه الألفاظ، ومن ثم يواصل القراءة، ولا يخفى أن الاستجابة للشعر لا تحتمل أن تؤجل، أو أن تبتر، أو تقسم إلى لحظتين.

أو لنقل أن الألفاظ المعجمية تفتقد ما تمنحه الحياة من حرارة وحيوية، ولذلك تأتى جامدة عبر القصيدة، وكأنها بقعة ميتة فى جسد حى، توجع أو تخدش النظر([37]).

فالقارئ وهو يقرأ قصيدة من هذا النوع يكون بالخيار بين أمرين كلاهما مرّ:

1-   إما أن يواصل القراءة متخطيا ما فيها من غريب دون أن يفهمه. وبذلك يخرج من قراءته بمفهوم عام متعدد الفجوات.

2- وإما أن يتوقف عند كل كلمة غريبة، فيرجع إلى الهامش النثرى الشارح –إن وجد- أو يستعين بالمعاجم اللغوية ليتكامل فهمه، وبذلك ينتزع نفسه بعيدا عن الجو النفسى الذى يسود القصيدة، والوهج العاطفى الذى ينبعث منها. فإذا أخذ بالأول أساء إلى فكره وفهمه، وإذا أخذ بالثانى عطل الإثارة العاطفية المتوهجة.

وبجانب هذه المآخذ نرى من أهم مظاهر الجديد عند عبد الحكيم تلاحم القصيدة فى وحدة عضوية متكاملة فكرا وتصويرا وتعبيرا. وفى تصويره تظهر صفة التناسب بين الغرض الشعرى والمعنى من جهة، والألفاظ جزالة وقوة أو رقة وتدفقا من جهة أخرى، فمن الأول قوله فى تصوير الشباب المسلم([38]):

بـدمـى وروحى الفتيةَ الأشبالا
الـخالعين  على الصباح جماله
الـمـانحين شذا الورود أريجَهُ
الكاشفين دجى الخطوب إذا بدتْ
الـطـامـحين إلى الثريا منزلا
العاقدين  على السيوف رجاءهم
الـواهـبـين العزّ سِلْما نفْسهم
الـبـائـعـين  بلاَهم أرواحهم
الـنـافذين  إلى المنى كسهامهم
الـداعـمـيـن إباءهم بدمائهم
الـحـافـظين  عهودَهم أجيالا
والـساطعين على الفضاء هلالا
الـنـافـذيـن إلى الظلامِ نبالا
والـراجعين ضحى بها الآصالا
الآنـفـين  سوى السماء مجالا
والـخائضين غمارهَها استبسالا
والـحـاسبين  لظى قناه ظلالا
الـنـاهـضـين بشُمِّها أحمالا
الـجـاهلين  مع المضاء مُحالا
الـنـاسـفـين به ربًى وجبالا

ومن الثانى حيث تتناسب الكلمات رقة وصفاء وشفافية وسهولة وتدفقا مع ملائكية الطفولة الباكرة فى قصيدته الفائقة “ليلى: صديقتى الرضيع”([39])

هـزئت  بالبدر “ليلى”
يـتهادى  المركب الوا
وهى فى الديباج غرقى
مـلْـؤهـا  خفة روح
كـمـلـت حسنا ولما
طـفلة تُغرى الفتى اليا
يـثـب الـقلبُ حنانا
وإذا داعـبـتُـهـا لم
كـم تـجاهلتُ وقارى
إذ بـدتْ تـختال ليلا
نـى بـهـا تيهًا ودلا
تـرفـا تـزهو ونبلا
وبـهـا الـنعمة تجلى
تكتمل  فى العمر حولا
فـعَ  أن يـرجع طفلا
إن رآهـا تـتـجـلى
أرع لـى سـنًّا وعقلا
وقـلـبـت الجِدَّ هزلا

ولم يخل شعر عبد الحكيم من تجديد فى الشكل، وإن جاء ذلك فى عدد محدود من قصائده. فاستخدم نظام المقطوعة التى تلتزم وحدة الوزن، مع اختلاف القافية، كما نرى فى قصيدة “وردة الصدر”([40]) ومنها الأبيات التالية:

يا  وردةً فى صدر من أهوى
كُـفـى  أمام جمالها الزّهوا
*            *           *
زيـنـتِـها،  بل زينتْكِ فلم
حـسدتْك  أزهار الربيع ولِمْ
تـزْهو بنضرتها على الورد
هـلا فُـتِـنْتِ بحمرة الخد؟
*            *           *
يظفر بحسنك فى الربى زهرُ
لا تُـحسدينَ وغصنُك البدْر؟

ومن قبيل التجديد فى القالب الشعري: النظم على طريقة الموشحات، وإن جاء ذلك فى قصيدة واحدة من ديوانه عنوانها “أغنية ذل الهوى”([41])، ومنها:

هتفت   بى        فإذا للسحر فى فى أذْنى رنينْ

ويحج  قلبى        لم  يعد  يحلو  له  إلا  الأنين

والخلاصة – فى إيجاز- أن عبد الحكيم عابدين هو أشهر شعراء الإخوان، وأبعدهم صيتا، وأوسعهم ثقافة، وأكثرهم تمكنا من لغته.

يضاف إلى ذلك براعته فى إلقاء شعره. يرحمه الله.

               

([1]) ارجع إلى مذكرات وذكريات عبد الحكيم عابدين (مسجلة صوتيا).- ومعجم الأدباء الإسلاميين المعاصرين: إعداد أحمد الجدع 578-579- المجلد الثاني:- والمستشار عبدالله العقيل: من أعلام الحركة والدعوة الإسلامية المعاصرة 509-518. مكتبة المنار الإسلامية- الكويت 1422-2001م.

([2]) البواكير 3.

([3]) انظر فى “البواكير” قصيدة “ذكرى الهجرة” 5 – قصيدة “الإسراء” 9.

([4]) البواكير 44.

([5]) البواكير 49.

([6]) البواكير 16.

([7]) البواكير 83-86.

(([8]رئيس وزراء مصر آنذاك.

(([9]البواكير 65.

([10]) البواكير 68.

([11]) البواكير 70. والقصيدة بعنوان “لقد رقدت ضمائرنا”.

([12]) البواكير 72.

([13]) البواكير 75. وعنوانها الفاجعة.

([14]) أنضاء جمع: نضو: وهو الضعيف النحيل الهزيل.

([15]) البواكير 87-91.

([16]) البواكير 107-132.

([17]) كان عبد الحكيم يعتز بطه حسين أستاذا وعميدا، ولكنه كان يعتز بنفسه، حريصا على كرامته. يقول عبد الحكيم فى مذكراته “المسجلة صوتيًا”: “.. وكان الطلاب يترددون على باب الدكتور طه منذ دخوله الكلية فى الصباح إلى أن يوصلوه إلى سيارته، وكنا بحمد الله بعيدين عن ذلك كل البعد…”

([18]) البواكير 134.

([19]) البواكير 142.

([20]) البواكير 146. وهى من شعره الجيد. ومطلعها:

([21]) البواكير 167-169

([22]) البواكير 156.

([23]) البواكير 161.

([24]) البواكير 166

([25]) البواكير 180.

([26]) البواكير 8.

([27]) البواكير 13.

([28]) البواكير 103.

([29]) البواكير 42.

يقول الله تعالى (….أُولَئِكَ كَالأنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ)[الأعراف 179]

([30]) البواكير 43. يقول تعالى (يأيها الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ)[محمد 7]

([31]) البواكير24. فى حديث رسول الله r “مثل المؤمنين فى توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد….”

([32]) البواكير 32.

([33]) البواكير 34.

([34]) البواكير 42

([35]) البواكير 86.

([36]) البواكير 106.

([37]) انظر لنازك الملائكة: قضايا الشعر المعاصر 205-206 القاهرة- مكتبة النهضة 1967.

وكذلك محاضرات فى شعر على محمود طه: 176-177. القاهرة- معهد الدراسات العربية 1964.

([38]) البواكير 22.

([39]) البواكير 183.

([40]) البواكير 165.

([41]) البواكير 162.

مقالات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

img
القائمة البريدية
img