img
شَفَاكَ اللهُ يا ثرٍوَت..
img
Print pagePDF pageEmail page

شَفَاكَ اللهُ يا ثرٍوَت..

الجهل – الغباء – الحماقة – الخيانة – الغدر – العمالة – التعصب – الإرهاب – الانحطاط – الحقارة – الوساخة – التخلف – السفالة – الكذب – الإجرام – الجهلاء – الأغبياء – الحمقي – العملاء – الحقراء – الأقذار – السفلة – الإرهابيون – المجرمون…… إلخ. 
تلك بعض مفردات «المعجم» الذي ألفه, وتملكه الكاتب «الفحل» ثروت أباظة, ودأب علي أن يجعلها في «طفح» فياض علي أعدائه, أو من يتخيل أنهم أعداؤه, وقد حددهم في فئات ثلاث هي: الشيوعيون, والناصريون والإخوان المسلمون الذين خصهم بالحظ الأوفي من «طفحه» وخصوصًا وصف «المجرمين». وقد عرضنا ذلك في عدد الأسبوع الماضي في مقال بعنوان «ثروت أباظة ومعجمه المرفوض». 
* * * 
ونحن لسنا ضد النقد, ولكننا ضد القذف والبذاء, وتجريم الآخرين دون دليل. ومنهج كاتبنا «الفحل» – ومرجعية هذا المعجم البائس الذميم الدميم – أصبح هو المنهج الأثير والوحيد في تعامله مع الفئات الثلاث في مقاله «الاثنيني» بصحيفة «الأهرام». و«الفحل» كان – ومازال – يكرر هذه المفردات – أو هذه الإفرازات – دون تغيير أو تطوير. وأجدني – مضطرًا – لأن أسجل – لأول مرة – واقعة عشتها من عدة سنوات, وخلاصتها أنني كنت أحاضر طلابي في إحدي الجامعات العربية في «فن المقال في العصر الحديث», وكنت حريصًا علي أن تكون الدراسة عملية ميدانية, فاستعنت بمقالات وخاطرات لمشاهير من سوريا ولبنان والسعودية والمغرب. ومن مصر اخترت «فكرة» لمصطفي أمين. وخطر لي أن أقدم للطلاب بعض مقالات لكاتبنا «الفحل» ثروت أباظة, ولكني سرعان ما وأدٍت هذا الخاطر بسبب «معجمه» في الجرح والتشويه, وكرهت أن أفضح قلمًا ينتسب لمصر, أمام الطلاب العرب, واسترحت لتصرفي هذا. ولكني فوجئت بأحد طلابي النبهاء يسألني: لماذا لم تقدم لنا نماذج من مقالات الأستاذ ثروت أباظة? فكان جوابي «الهروبي»: لأننا نعتمد في الدراسة علي مبدأ «الإنتقاء, ونكتفي بكاتب واحد من كل وطن». 
فابتسم الطالب ابتسامة ماكرة, وبعد المحاضرة لحق بي, وفي صمت أخرج من حقيبته نسخة من صحيفة الأهرام مفتوحة علي مقال الأستاذ ثروت, وقدمها إلي, وقد وضع خطوطًا حمراء تحت ثلاث عشرة كلمة في أحشاء المقال, من المعجم إياه «المجرمون – الملاعين – السفهاء – الخونة….. إلخ». 
وجررت قدميّ, وأنا أسير إلي مكتبي كاسف البال بعد أن شعرت بأن هذا الطالب – لا بل كاتبنا الفحل – قد خدش مصريتي. 
متطرف أنت والله… 
والتطرف هو بلوغ أقصي درجات الغلو والإسراف في القول أو الفعل, في الحكم أو السلوك, بلا قصد, ولا عدل, ولا وسطية. وعلي هذا كاتبنا الفحل حتي في غير قليل من أحكامه الأدبية.. ففي مقال نشر له بصحيفة الأهرام يوم الأحد 17/4/1983 كتب عن عباس العقاد – رحمه الله – «والعقاد هو أستاذنا, وأستاذ الجيل الذي سبقنا, والأجيال اللاحقة إلي أن يرث الله الأرض ومن عليها» أ.هـ. 
فالعقاد – وأنا واحد من تلاميذه – أستاذنا.. نعم, أما الحكم بأنه أستاذ الجيل الذي سبقنا فمبالغة تتسع للنقض. أما ثالثة الأثافي – وهي الحكم بأنه أستاذ الأجيال اللاحقة إلي يوم القيامة, فإغراق – لا في المبالغة فحسب – ولكن في الغلو الدميم, والتطرف المرفوض. وسبحان علام الغيوب يا ثروت. 
وتطرف سيادته في أحكامه يعتمد علي ركيزتين: الأولي: التعميم, والثانية: التأبيد.. فالإخوان جميعا في نظره: مجرمون فاسدون مفسدون ارهابيون متطرفون.. إلخ دون أن يحدد أفرادا بأعينهم, أو جناحا أو أجنحة منهم, ودون أن يستثني منهم أحدا, فلا يخطر في ذهنه بطولاتهم في فلسطين والقنال, وهي بطولات اعترف بها الصهاينة والإنجليز, وشهد بها رسميا قادة وطنيون مثل أحمد المواوي وفؤاد صادق, ودون أن يخطر له أن منهم علماء أفذاذا مثل محمد الغزالي, ويوسف القرضاوي وزغلول النجار. 
وأحكام كاتبنا الفحل أحكام «مؤبدة» لا تعرف التوقيت أو التقادم. وهو في وقتنا الحاضر يستدل علي «إجرام» الإخوان بقتل النقراشي وقتل أحمد الخازندار, ونسف حارة اليهود, وهي وقائع مضي عليها أكثر من نصف قرن, ومع ذلك يصر علي سحب آثارها إلي وقتنا الحاضر, ويصر كذلك علي أن الإخوان هم الذين قتلوا أحمد ماهر, مع أن الثابت أن القاتل محمود العيسوي لم يكن له أدني علاقة بالإخوان «المجرمين», وطبعا هو لا يستشهد في سياقاته باغتيال مرشد الجماعة. والمقام لا يتسع لمناقشة هذه الوقائع التي مضي عليها أكثر من نصف قرن. ولكن السؤال الذي نطرحه علي الكاتب الفحل, هو: إذا كان «الإجرام» هو طابع الإخوان وخلقهم الأصيل فما الذي دفعك إلي الكتابة المنتظمة في صحيفة هؤلاء «الإخوان المجرمين» أعني مجلة «الدعوة» الأسبوعية التي كان يرأس تحريرها «صالح عشماوي» – الارهابي- ومن كتابها «الشيخ سيد سابق» الذي لقبوه بمفتي الدماء? وللأسف لا أجد متسعا لعرض مقتطفات من مقالاتك وكانت ذات عنوان شعري ثابت هو «ظلال» وخصوصا المقالات التي نشرتها في الأعداد 184, 186, 187, (في 24/8/1954, 7/9/1954, 14/9/1954 علي التوالي). وأسأل نفسي حزينا: أين ثروت اليوم صاحب «المعجم إياه» من ثروت الأمس الذين كتب في صحيفة الإخوان «أفعل الخير يا صديقي, ولا تبحث عن باعثه, فلنا ما ظهر, ولله ما استتر, ولا يضير المرء أن تكون نفسه منطوية علي حب الخير لذاته ما دام يحبه الناس» العدد 86. 
اندفاع.. وتناقض.. وتخبط 
ومن البديهيات أن الاندفاع, والحماسة العشواء من لوازم «التطرف». وفي مقاله المنشور في الأهرام يوم الاثنين 22/1/2001. بعد أن أفاض علي الإخوان – من معجمه الدميم – مفرداته المعروفة, يختم كلماته بقوله «إن الثقافة دين وشرف وعفة وحياء» ونحن معك في هذا الحكم الراقي الشريف, لكن ألا تري – يا كاتبنا الفحل – أن مثل هذا الحكم يحسب عليك, وفي سهولة يدينك بالتناقض من ناحية, ويدين مقالاتك «الشتمية» بانعدام الثقافة?!. وهل يتفق مع الدين والشرف والعفة والحياء «إفرازات» معجمك التي يطرحها علي الآخرين (إجرام – حقارة – قذارة – غباء – انحطاط.. إلخ)? 
وفي مقاله المشار إليه نراه يقف مع الوزير فاروق حسني في مصادرته للروايات الثلاث الساقطة, ونحن معه. ولكننا نراه – من منطلق كراهيته للإخوان – يقع في المغالطتين الآتيتين: 
الأولي: قوله إن الوزير فعل ذلك لأن هذه أخلاقياته فهو «وزير دولة شريفة متدينة ذات عفة وحياء». 
والثانية: قوله إنه لا دخل «للإخوان المجرمين» في توجيه الوزير بالوعي, أو اللاوعي فيما اتخذه ضد الروايات الثلاث, والمسئولين عن طبعها ونشرها. 
واسأل كاتبنا الفحل: أين كانت «أخلاقيات» الوزير عندما أصر علي احتضان رواية «وليمة لأعشاب البحر» وهي أحط ألف مرة من الروايات الثلاث, ففيها – بل كلها – عدوان علي الله والرسول والخلق والعفة والعرب والتراث الشريف?! وأين كانت أخلاقيات وزير الثقافة, وهو يصرح – صوتا وصورة – بأن هذه الرواية «تدعو إلي الإسلام وتنتصر لقيمه وأخلاقه»?! ولكنا نقول: عفا الله عما سلف, ونحن مع الوزير في وعيه السوي الجديد.
كما أن الحقيقة التي يعلمها الجميع – يا كاتبنا الفحل – أن الوزير لم يتحرك, ويتخذ قراراته الجديدة السديدة إلا بعد طلب الإحاطة الذي تقدم به النائب الدكتور محمد جمال حشمت, وهو أحد نواب الإخوان «المجرمين». وارجع يا أستاذ – في نفس عدد الأهرام إلي مقال الدكتور فوزي فهمي «فيروسات هلاك الثقافة» ومقال محمد سلماوي «المثقفون والوزير» ص 13. ولنفرض أن الوزير انطلق من «ذاته وأخلاقياته» إلي اتخاذ هذه القرارات, وجاء هذا النائب الشريف واتجه بطلب إحاطته نفس الاتجاه, وهي نفس الرؤية التي تراها أنت.. ألا يستحق هذا النائب منك كلمة ثناء, أو علي الأقل »قرار» استثناء من الوصف الذي تخلعه علي الجماعة التي ينتسب إليها. 
يا كاتبنا الفحل: أنا والله مشفق عليك, وحزين من أجلك, وأنت في الهزيع الأخير من العمر, كيف تلقي الله, وأنت تحمل أوزار هذا «المعجم»?!.. تخلص منه.. وتب إلي الله.. شفاك الله.. شفاك الله يا ثروت. 

Print Friendly, PDF & Email
مقالات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

img
القائمة البريدية
img