img
شيخ الأقصى رائد صلاح
img
Print pagePDF pageEmail page

شيخ الأقصى رائد صلاح

في عالمه الشعري

في سجل الأدب العربي لون من الأدب لم يأخذ حظه الجاد من الدراسة على الرغم من أن “جذوره ضاربة في أعماق تاريخنا” وأعني به “أدب السجون والمنافي” وهوالأدب الذي يصور ـ بصفة أساسية ـ ما يعانيه المظلومون تحت وطأة الظلم والاعتقال والأسر والنفي والتشريد، ونستطيع أن نرى هذا اللون في أرقى صوره في القرآن الكريم، وهو يصور محنة يوسف ـ عليه السلام ـ في سجنه: ابتداء من مكيدة امرأة العزيز إلى أن صار وزيرًا على “خزائن مصر”.

ومن هذا اللون أبيات “الحطيئة” المشهورة التي يستعطف فيها “عمر بن الخطاب” ـ رضي الله عنه ـ من سجنه، بعد أن أمر عمر بحبسه؛ لأنه هجا “الزبرقان بن بدر” أو “سلح عليه” على حد قول حسان بن ثابت، يقول الحطيئة:

مـاذا أقـول لأفـراخ بذي مرخ
ألـقـيت كاسبهم في قعْر مُظلمة
أنت الإمام الذي من بعدك صاحبه
لـم يـؤثروك بها إذ قدموك لها
زُغْب الحواصِل لا ماء ولا شَجَرُ
فـاغـغرْ عليك سلام الله يا عُمرُ
ألـقـى إليك مقاليد النهى البشر
لـكـن لأنـفسهم كانت بك الاثر

ومن هذا اللون أيضًا “روميات” أبي فراس الحمداني و”سرنديبيات” محمود سامي البارودي، وكثير من “اأندلسيات” شوقي. وديوان “وراء حسك الحديد” للشاعر العراقي “محمد بهجة الأثري” الذي نظمه خلال السنوات الثلاث التي قضاها معتقلاً في معتقلات الفاو والعمارة وسامراء من 28/10/1941م إلى 27/8/1944م، وأغاني الغرباء لنجيب الكيلاني.

وفي مجال النثر نرى المكتبة العربية حافلة بعشرات ـ إن لم يكن مئات ـ من كتب “أدب السجون” منها ـ على سبيل التمثيل ـ : “عالم السدود والقيود” للمرحوم “عباس العقاد”، وكتاب “مذكرات واعظ أسير” للمرحوم أحمد الشرباصي. وكتب مصطفى أمين “سنة أولى سجن” و”سنة ثانية سجن” و”سنة ثالثة سجن”، وكتاب المناضل العراقي محمود الدرة “حياة عراقي من وراء البوابة السوداء” و”في الزنزانة” للدكتور علي جريشة. و “أيام من حياتي” لزينب الغزالي الجبيلي.

و هذا اللون من أدب السجون – شعره ونثره – يأتي في شكل مذكرات أو يوميات أو ذكريات، وكثير منه لا يخلو من طوابع قصصية، وأدب السجون ـ بصفة عامة وخصوصًا من الناحية الموضوعية ـ يدور حول عدد من المحاور , من أهمها:

1 ـ تصوير المعاناة القاسية التي يعيشها السجين، والآلام الحسية والمعنوية الهائلة التي تستبد به، وتحديد أبعاد العلائق بين المسجونين، وحكام السجن والمهيمنين عليه.

2 ـ تصوير بعض النماذج والأنماط البشرية التي يرصدها السجين ويصورها بقلمه وخصوصًا الشخصيات السيكوباتية الغريبة الأطوار.

3 ـ الربط بين حياة السجن والأوضاع الساسية القائمة وما فيها من اختلالات ومفاسد ومظالم قادت صاحب القلم إلى هذا المصير المظلم.

4 ـ ومن ناحيةالاستشراف النفسي المستقبلي تتراوح نظرة الشاعر بين أمل مشرق يتدفق بالحرية الشاملة، وبين يأس مطبق يصبغ كلماته بلون قاتم حاد. بيد أن كثيرًا من هذه الكتابات تنزع نزعة أيديولوجية روحية في تبرير محنة السجن وعذاباته، والنظر إلى كل أولئك على أنه ابتلاء وتربية نفسية وروحية بعيدة المدى.

***

هذا عن أدب السجون، وأهم ملامحه وأبعاده، فماذا عن شاعرنا موضوع هذه الدراسة الموجزة؟ وفي خطوط عريضة سريعة ينقل لنا التاريخ أن “رائد صلاح” ولدسنة 1958م في مدينة أم الفحم، ودرس المراحل الابتدائية، والإعدادية، والثانوية في مدارسها، ثم أكمل تعليمه الجامعي في كلية الشريعة بمدينة الخليل.

وبعد أن تخرج من كلية الشريعة أدخل السجن بتهمة الارتباط مع منظمة محظورة وهي (أسرة الجهاد) وكان ذلك عام 1981، ثم بعد الخروج من السجن فرضت عليه الإقامة الجبرية لفترة طويلة، ثم رفضت وزارة المعارف الإسرائيلية طلبه للالتحاق في سلك التعليم كمعلم في مدارس أم الفحم.

وفي عام 1985م تزوج الشيخ رائد صلاح، وفي عام 1986م عمل محررًا في مجلة الصراط الشهرية الإسلامية حتى نهاية عام 1988م، بعدها تفرغ في مطلع عام 1989م، لخوض انتخابات رئاسة بلدية أم الفحم عن الحركة الإسلامية، ونجح في تلك الانتخابات بنسبة تزيد على 70% وأصبح رئيسًا للبلدية وهو ابن 31 عاماً، ثم خاض الانتخابات للمرة الثانية عام 1993م، ونجح بنسبة تزيد على 70% أيضًا، ثم خاض الانتخابات للمرة الثالثة عام 1997م، ونجح بنسبة تزيد على 70% للمرة الثالثة، وفي عام 2001م قدم استقالته ليفسح المجال لغيره من قادة الحركة الإسلامية.

وفي رحلة العطاء شغل الشيخ صلاح منصب نائب رئيس اللجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية ونائب رئيس لجنة المتابعة العليا للمواطنين العرب منذ انتخابه لرئاسة بلدية أم الفحم حتى استقالته.

وفي عام 1998م قاد أحداث الروحة التي اجتاحت خلالها قوات الشرطة الإسرائيلية مدينة أم الفحم وأصابت بنيراتها وبالغاز المدمع قرابة 600 مواطن، ونجح مع لجنة الروحة الشعبية أن يحرروا غالبية أراضي الروحة، وفي نفس العام أعلن مشروع المجتمع العصامي الذي يهدف إلى بناء الذات لفلسطيني الداخل.

وفي عام 2000م تعرض لمحاولة اغتيال في الأيام الاولى من انتفاضة الأقصى وأصيب بعيار ناري في رأسه من قبل القوات الإسرائيلية، ثم وجهت له “لجنة أور” المشكلة في أعقاب استشهاد 13 مواطنًا عربيًا في الداخل خلال انتفاضة الأقصى إنذارًا واعتبرته أحد المسببين للمسيرات ورأت الجماهيرالعربية بذلك محاولة لإزاحة التهمة عن المجرم إيهود باراك رئيس وزراءالعدو آنذاك وقيادات الأمن الصهيوني والصاقها بالضحية.

وللأدب نصيب من الشيخ رائد الذي ينظم الشعر منذ أكثر من عشرين عامًا، ويتمتع بحس فني مرهفويمارس هواية الرسم.

نال الشيخ لقب “شيخ الأقصى” حيث جعله همه الأول، وعلى رأس سلم أولوياته وكان من المبادرين الرئيسيين لإعمار التسوية الشرقية “المصلى المرواني” والأقصى القديم وكثير من مشاريع الإعمار في المسجد الأقصى من خلال دوره كرئيس لمؤسسة الأقصى وبالتعاون مع هيئة الأوقاف ولجنة الإعمار في القدس.

خلال السنوات الأخيرة اشتدت الحملة الرسمية وغير الرسمية على الشيخ رائد صلاح من قبل أذرع المؤسسة الإسرائيلية والإعلام العبري وراحوا يرجمونه بالإرهاب وتهديد أمن الدولة، وبسبب ذلك تعرض للتحقيق البوليسي، ومنع من السفر خارج البلاد ودخول المدارس الثانوية ثم الجامعات لإلقاء محاضرات، وظلت حملة التحريض تشتد عليه حتى تاريخ 13/5/2003م، حيث تعرض للاعتقال ليلاً وكان في تلك الليلة يجلس قرب سرير والده المريض في المستشفى. ( عن موقع فلسطين المسلمة )

لقد توجه ألف جندي إسرائيلي، وألقوا القبض عليه في 13/5/2003م، وهو بجوار أبيه الذي كان يعاني سكرات الموت، وأودع هو وإخوانه بسجن (اشمورت) في (كفاريونا) ووجهت إليهم تهم لم يقترفوها من أهمها مدهم (حماس) بالمال والمعونات، والمعروف أنه رئيس الحركة الإسلامية في الشمال . وعومل الشيخ ورفاقه في السجن معاملة مهينة، فكانت وحدة من الشرطة الخاصة ـ التي تكافح المخدرات ولا تتبع إدارة السجن ـ كثيرًا ما تدخل زنزانتهم، ويفتش أعضاؤها الزنزانة، ويقومون بنزع أجزاء من الحائط، ويخربون مقتنياتهم، ويقلبون كل شيء، ويجبرونهم على التجرد التام من الملابس، وإجراء تفتيش ذاتي لأماكن حساسة.

ورفضت إدارة السجن السماح له بإدخال زيت الزيتون إلى الزنزانة، وكان يستخدمه كعلاج طبي، ومنعت دخول الخضراوات، وحظرت دخول الكتب والصحف، وخفضت وقت الجولة الحرة اليومية من ساعتين إلى ساعة واحدة.

ورفضت إدارة السجن للشيخ رائد أن يحتضن ويقبل ابنه الرضيع الذي يبلغ من العمر ثلاثة أشهر، وولد في فترة سجن أبيه، لولا تدخل جمعية حقوق المواطن. وذلك لأن قانون السجن يمنع الأسرة من اللقاء المباشر مع المعتقل، ولكن من خلف حاجز زجاجي سميك يفصل بينهم.

في عالمه الشعري

على مدى عامين (ابتداء من 13/5/2005م) كانت هذه بعض ملامح المصاعب والمعاناة التي عاشها الشيخ صلاح، وخلال هذه المدة تفجرت شاعرية الشيخ، وكان هذا العطاء الشعري المتمثل في هذه المجموعة الشعرية التي تعدّ ضممية حية “لشعر السجون”.

وعملية السَّجْن ـ أو الاعتقال تعني عملية عزل ـ أو انعزل قهري ـ فالسجين منفصل عن مجتمعه الخاص والعام، بل عن عالم الخارج كله، ليكون محصورًا في مكان ضيق محدود، مع نزلاء، يكونون جميعا ـ أو بعضهم مرتبطين به ارتباطًا قيميًا فكرًا ومعتقدًا وسلوكًا، مع اختلاف في درجة الاعتناق والمعاناة، وبقدر قوة الإيمان، ونضوج الفكر، وحيوية الضمير، والولاء للعقيدة تخف حدة الشعور بالوحشة، وبشاعة العزلة، وآلام الاغتراب على حد قول ابن الرمي:

أعاذك أنْس المجد من كل وحشه فإنك في هذا الأنام غريبُ

ومن ثم .. واعتمادًا على هذا الملاذ الإيماني يكون للسجين الأديب “عالم خاص” له طروحاته، وامتداداته التي تتخطى ـ بل تكتسح ـ هذه الأسوار المادية الصماء.

والمسلم الداعية يجد غذاءه الروحي، وملاذه القوي الحصين، وهو يتجه إلى الله في سجنه، فنرى شاعرن بشفافية روحية صوفية يتجه إلى ربه بقصيدة طويلة، نظمها في معتقله في 16/8/2003م) عنوانها ” حسبي أنت الله ” يقول فيها:

حسبي أنت رقيبي

ونصيري وطبيبي

حسبي أنت حبيبي

ومغيثي ومجيبي

حسبي أنت الله

….

يا جابر كل كسير

بجروح القلب أسير

يدعو في الليل حسير

وغزير الدمع صبور

حسبي أنت الله

يامؤنس كل غريب

محتار الدرب سليب

ومغيث نِدا المكروب

والحال عليه عصيب

حسبي أنت الله

يا ملجأ كل شريدْ

مطعون الصدر طريدْ

يا شافي كل قعيد

والداء عليه شديد

حسبي أنت الله

ياحي ويا قيوم

قد نال القلب كلوم

وجرت في الصدر هموم

وأذاب الروح غموم

حسبي أنت الله

***

وتتعدد قصائد “المناجيات الإلهية” في ديوان الشاعر، وفي واحدة منها نظمها الشاعر في معتقل “الجلمة” في 6/12/2003م.

نرى الشاعر اجمل تصويرًا، وأبرع أداء منه في القصيدة السابقة، كما أنه يربط فيها بين الخاص والعام، بين معاناته وهمومه الذاتية وآلامه الخاصة، وبين هموم وطنه وأبناء أمته، متطلعًا إلى نصر مؤزر مبين، ومن هذه القصيدة الطويلة التي جعل عنوانها “ربي يا حصني ورجائي” نعرض الأبيات التالية:

عند الضيق وعند القهر

وتجبّر ثعبان الغدْر

مولاي يا مالك أمري

سبحانك يا كاشف ضري

اشرح لي يا ربي صدري

بالراية تخفق بالنصر

في القدس الغارق في الأسر

عند تداعي زحف الهولِ

يجرف أحبابي كالسيل

وتباهي المغرور النذل

يلهبني بسياط الويل

مولاي إلهي يا حولي

يا ذا المنِّ ويا ذا الطول.

يا ذاالجود ويا ذا الفضل

احفظهم من بعدي أهلي

****

والشاعر الذي عاش قوي الإيمان، واسع الثقافة وخصوصًا الإسلامي منها، تأخذه صوفية نقية تدفعه إلى “التذكير بالموت” ـ والذكرى تنفع المؤمنين ففي مطولته “كفى بالموت موعظة” التي نظمها بمعتقله في (22/11/2003) في ساعة شفافية إيمانية أخروية نرى سمتين أساسيتين:

الاولى: لفظية .. وهي الانطلاق من عبارة محورية مكررة على رأس كل مقطع وهي “كفى بالموت”.

ـ كفى بالموت موعظةً

ـ كفى بالموت من فزع.

ـ كفى بالموت من سفرِ

ـ كفى بالموت تذكرةً

ـ كفى بالموت تبصرةً

والثانية: سمة موضوعية، وهي أنه طرح في قصيدته المعروض الإسلامي والقرآني للموت، وأبعاده وعظاته، بطريقة عفوية تلقائية. دون أن يكون للشاعر “خصوصية تفردية” كما نرى عند أبي العلاء المعري في قصيدته الدالية التي يقول فيها:

غير مجْدٍ في ملـتي واعتقادي نوح باكٍ ولا ترنـم شادي

سرْ إن اسْطعت في الهواء رويْدًا لا اختيالاعلى رُفات العبادِ

فما قدمه رائد صلاح أقرب إلى حد بعيد إلى “موْتيات” الشاعرالعباسي أبي العتاهية . ونجتزئ من هذه المطولة بالمقطوعة الآتية:

كفى بالموت تذكرةً

لعبد غافل فاجرْ

عساه اليوم في الدنيا

يعي عن حاله الخاسرْ

ويوقن أن غفلته

سراب خادع ماكر

وأن الذنب قد يحلو

لقلب تائه حائر

فلا طبٌّ لعلتهِ

ولا خلّ له ناصر

إذا لم يبك توابا

على عيش مضى عابرْ

ويفْطم قلبه الشاكي

سليمًا من هوى عاثرْ

ويشحذ عزمه دومًا

قنوعًا عابدًا طاهر

وإلا ليته يدري

بأن ذكاءه قاصر

وأن ختامه مرٌّ

كنمرودٍ ذَوَى غابر

وذكر السجين للموت لا يدل على تشاؤم وسوداوية بالنسبة للسجين المؤمن ذي العقيدة السديدة التي يعيش بها ولها. بل يكون في هذا الذكر ما يريحه نفسيًا إذ تتسق هذه التوجيهات مع أصوله العقدية من ناحية , ويشعره بأنه يؤدي جزءًا من رسالته في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكرـ من ناحية أخرى. وهذا الأمر وذاك النهي يمثل نخاع هذه العقيدة كما قال الإمام الغزالي “إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هما القطب الأعظم لهذا الدين”.

وقد حدثني أحد كبار الإسلاميين الذين كانوا معتقلين أواخر أيام الملك فاروق في “معتقل الطور” بسيناء، وقال إنه كان يعيش في راحة نفسية عميقة على الرغم مما كان ينزل به وبإخوانه من إيذاء ومضايقات، وذلك على “فرضية الموت” قال “كنت أصنع لنفسي عالمًا مؤداه: أنني مت .. وأنني في العالم الآخر.. فما كان ينزل بي في المعتقل من إيذاء.. أحدث نفسي قائلاً إنه عدل ألقاه في العالم الآخر..” وكانت هذه الفكرة أو هذا يريحني نفسيًا إلى أبعد الحدود، وهذا يؤكد ما ذكرته آنفًا.

***

ونرى الشاعر في أشد توهجه الوجداني في قصيدته بل صرخته الثائرة (لماذا أنا في قفص الاتهام) التي نظمها في معتقل “الجلمة” (في 27/9/2003م). وفيه يواجه العدو الصهيوني بالأسباب الحقيقية لاعتقاله، وفيها يبرز الشاعر “ملامحه الجوانية” ومدى ولائه لله وللدين وحبه للوطن، والشعب الفلسطيني وعمل الخير من أجل اليتامى والمحتاجين، كما أنها تبرز بمفهوم المخالفة ما جُبِل عليه الصهاينة من غدر وحقد، والقصيدة تعد تمثيلاً حيًّا “لشعر السجون” لذا رأيت أن أعرضها على القارئ دون أن أحذف منها شيئًا.

لأني المسلم العربي والحر الفلسطيني

لأني قابض دومًا بلا خوف على ديني

لأني الدرع للأقصى ودمع القدس يبكيني

وحامي المهد من علج بنار الحقد يكويني

لأني الصابرُ المغروزُ في دربي بلا لينِ

ومتزرعٌ هنا طودا بأرضي أروي زيتوني

لأني الكافلُ الحاني على أيتام قَفّينِ

ونابلسٍ وطوباسٍ وطمُّون وبُرقينِ

لأني حامل خبزًا لغزة والمساكين

وراعي المرضى والثكلى وصرخات الملايين

لأني الغائث الباكي على كل المساجين

وساقي بسمة تعلو على دمعات محزون

سبوني ثم ساقوني إلى ليل الزنازين

ونادوني أصولي وإرهاب وغلوني

***

لأني عشت لا أحني جبيني إلا لله

وبعت الدنيا لا أرجو بريق المال والجاه

لأني صحتُ يا شعبي كفاكم عيشة اللاهي

كفاكم عيشة الغافي وعيش العابث الساهي

لأني صنتها نفسي عن الزُلفى إلى الشاه

وصنتُ الأرضَ طيبة وخيرَ الزادِ للطاهي

لأني قدت أولادي إلى فجر لنا زاهي

وخيرُ الرسل قدواتنا وربي الآمرُ الناهي

لأني شدت منزلنا متين الركن لا واهي

يطيع الله توابًا طهورَ القلب والفاه

لأني سرت مع حزب نقي الصف أواه

نصير الحق مغور ليعلي راية الله

سقويني المر مصلوبًا كخباب وجهجهاه

وشدوا القيد في رجلي لكي أبكي من الآه

***

لان الأرض ميراثي وماء البحر والنهر

وسفحَ الكرمل العالي وترب السهل والغور

لأن التين والزيتون أطلالي مدى الدهر

وريح الزعتر الشافي وغابات من الصبر

لأن القمح من زرعي ومن نبعي ومن بذري

وزهر اللوز والبرقوق والليمون من زهري

لأن الفل والحنون والريحان من عطري

وريح النرجس الزاكي وعود الند والسدر

وهذا الليل إن ولى يلوح معطرًا فجري

لأن الدم من جرحي يروي نسمة النصر

ونور الصبح من صبري على المحتل والجور

رموني اليومَ مشدودًا بأغلال من القهر.

وقالوا مسلم باغي وعضوٌ في قُوى الشرِّ

***

وينقلنا الشاعر إلى لون من الشعر الفكه الساخر .. إلى قصيدة طويلة جاءت على شكل أحجية (والمصريون يسمونها فزورة) وعنوان القصيدة “من يعرّي الدينصور”؟ (سجن اشمورت 3/4/2004م). نعم هي أحجية، وإن صدرها الشاعر بقوله “هي ليست أحجية، ولو تدبرتم سطورها لعرفتم هذا الدينصور باسمه ورسمه، ولحمه وعظمه، وشحمه” ويستهلها الشاعر بأسلوب استفهام، فيقول:

هل رأيتم دينصورا

يسكن اليوم القصورا

يملأ الأرض فجورا

وفسادًا وشرورا

ويجري الشاعر على لسان “الدينصور” تحذيرات منها

ـ احذروا كرشي الوفيرا.

………

ـ احذروا ظفري الكبيرا

احذروا نابي الخطيرا

فبظفره ونابه أذاق شعبًا ثبورا، وسعيرا، وحولت دوره قبورا

ـ احذروا حقدي الضريرا.

لم يزل غُولا مغيرا

ـ احذروني أن أثورا

جائعًا أرجو فطورا

ويملأ القدور، ويلتهم منها ما يشاء، ولكنه لا يشبع، ولا يشكو التخمة أبدًا.

ثم يقترب الشاعر من “لحظة التنوير” أو حل الأحجية فيقول على لسان الدينصور

أرسل الصوت الجهورا

أسمع الخلق سطورا

وعظات ونذيرا

واعظًا “بوشا” صغيرا

إذ غدا عندي أسيرا

ويأتي ختام الأحجية على لسان الشاعر شاهدًا:

هكذا أضحى شهيرا

راهبًا لا دينصورا

ومفدّى ووقورا

ورحيما وغيورا

هكذا غش النطورا

والسياسيّ الخبيرا

هكذا عقّ العشيرا

وسبى منه الشعورا

فافهموا هذي السطورا

كي تُعروا الدينصورا

وقال اغلب من قرأت عليهم القصيدة إنه شارون، وقال قلة منهم إنه رئيس السلطة الفلسطينية .. وقال القليل الأقل إنه يقصد كل رئيس عربي فرط في حقوق الشعب الفلسطيني. وآمل أن أكون على صواب إذا ذهبت إلى أن الرأي الأول أصدقها.

ومما يسجل لهذه القصيدة ما فيها من سخرية مرة، وقدرة على التهكم الواعي، وما فيها من بصمات قصصية، وتنويع وتدفق في الأداء اللفظي.

***

وقد قلت آنفًا في هذا البحث “… واعتمادًا على الملاذ الإيماني يكون للسجين الأديب عالم خاص، له طروحاته، وامتداداته التي تتخطى، بل تكتسح هذه الأسوار المادية الصماء”.

فلا عجب إذن أن نرى الشاعر ـ وهو في سجنه ـ متلاحمًا في عدد كبير من قصائده مع قضية وطنه، أرضًا وعرضًا، وعقيدة، وشعبًا، وتاريخًا، وآلامًا، وآمالاً.”

فمن أطول قصائده، وأوفاها فكرًا، وأصدقها عاطفة قصيدته “إلى شهداء هبات الأقصى” وقد نظمها الشاعر في معتقله في 25/8/2003م، وأهداها إلى “الشهداء وإلى أمهاتهم وآبائهم وأهلهم، ونحن من أهلهم” واستهلها الشاعر بقوله:

السجن والقضبان للعدم

وزحوف جند الله للقمم

قد هل حرّا شامخ الهمم

فتقدموا يا صفوة الأمم

يا إخوتي الشهداء بالقلم

قوموا ارفعوه مخضبًا بدم

في القدس رغم القهر والألم

وحَرَص الشاعر علىأن يضمّن أبياته أسماء الشهداء، واحدًا واحدًا.. كلا منهم يستقل بمقطوعة كاملة أو أكثر وفي الأبيات التالية أعرض صدور هذه المقطوعات.

ـ (عدنان) نلت منازل الشرف

ومشيت درب مفاخر السلف

…….

(عمري محمد) قمت كالجبل

في وجه كل الباطلِ النّذَلِ

وصرخت صرخة فارسٍ بطلِ

…..

ـ يا (أحمد) المقتول يا ولدي

برصاص غدار سَبى بلدي

……….

ـ تفديك روحي (مصلح) الحسب

لم تخشَ يومًا مدفع اللهب

وأبيت أن تجثو على الركَبِ

……….

ـ (رامي) بجتٍّ فزت يا قمري

بالحور والجنات والنهر.

……….

ـ أ (وسام يزْبكُ) يا سنا السّحَرِ

قد عشت دهرًا طيب الأثر

………

ـ دمتم (إيادٌ) راسخ القدم

في درب أهل العز والكرم

في درب من صعدوا إلى القمم

عبر الشهادة زينة القيم

……….

ـ وبكفرِ ـ كنَّا حُرة النسب

كنت الشهيد (محمد) الأدب.

……….

ـ يا (رامز البشناق) في وطني

يا صوت حق صاح في سنني

………

ـ هذا (عمادٌ غنايم الفرج)

يفديك يا أقصاي بالمهج

……….

ـ حيوا (وليد) العز والمرح

ما خفت يومًا سارق الفرح

ما خفت يومًا ناهب البلح

ـ ويختم الشاعر قصيدته الملحمية، الطويلة بالمقطوعة التالية:

يا ويح قلبي اليومَ يا فزعي

لما نعاك الأهل في جزع

صاحوا (علاء) قامع البدع

قتلته غدرًا عصبةُ الصرَعِ

إذ صحت فيهم دونما هلع

شعبي يموج اليوم في الوجع

فرموك بالنيران كالقزع

فصعدت نحو الحور في طمع

في مجلس بالطيب مرتفع

وقد يرى بعض النقاد أن إيراد كل هذه الأعلام ـ وما أكثرها!! ـ في سياقة القصيدة يحولها إلى عمل إحصائي ينال من فنيتها، ويرى آخرون أنه لا ضير مطلقًا في تضمين هذه الأعلام، فذلك من قبيل تمام الاستيفاء الفكري.

وأرى أن هذه مسألة مما يختلف فيه التقدير، بحيث يكون من الخطأ الأخذ “بالمطلق” في هذا المجال.

وحتى يستقيم الحكم، ويتحقق له الصواب، يجب الاحتكام إلى معيار حاسم واضح، مؤداه: إذا أورد الشاعر هذه الأعلام بعفوية بعيدًا عن التكلف والتصيد، فلا مأخذ، ولا ملام، ولكن المرفوض نقديًّا أن يتعنت الشاعر، ويتعسف في إقحام هذه الأعلام في سياقة القصيدة، بدعوى الحرص على تكامل بنائها الفكري.

وقد نهج الشيخ رائد النهج الأول، ومن ثم جاءت قصيدته متمتعة بالتدفق والعفوية بعيدًا عن التكلف والتصيد.

***

ومن أواخر ما نظمه في معتقل “أشمورت” (11/5/2005م) قصيدته “من يجيب القدس”؟ وهي تدل على نضج فني واضح، وتمكن راقٍ من آلياته الفنية وجدانًا وتصويرًا وتعبيرًا، وشاعرنا رائد صلاح (شيخ الأقصى) يغلب في قصيدته الأسلوب الإنشائي الاستفهامي وهو من أقدر آليات الأداء التعبيري على الإثارة والتأثير.

والتوهج العاطفي ذو الموسيقى النحاسية الصاخة يهيمن على القصيدة، وخصوصًا مطلعها الذي جاء قويًّا قارعًا:

القدس تسألنا أليس لعفتي حق عليكم؟

أنا في المذلة أرتمي يا حسرتي ماذا لديكم؟

أنا في المهانة غارق حتى متى أسفي عليكم.

ومتى تثور زحوفكم وتجيبني: جئنا إليكم

يا عاركم من ذي التي عن نصرتي شلت يديكم؟

وعلى لسان القدس التي شخصها الشاعر، فبدت حية نابضة منتقضة أمامنا تسال في مرارة عن سبب قعود العرب والمسلمين عن نصرتها: هل هو الخوف من الموت؟ أم هو تحجر القلوب وموت الإحساس فيها.

وتتوالى أسئلة القدس في حزن وأسى ممزوج بالتوبيخ والعتاب الشديد، أملاً في إيقاظ النائمين، وإيقاظ نخوة الكسالى القاعدين:

ـ فهي تسأل عن الأقصى المبارك السجين.

ـ وهي تسأل عمن يغيث الصخرة المتكسرة، التي تحدرت منها الدماء الطاهرة.

وعلى لسان القدس يستدعي الشاعر المعارك الإسلامية المنتصرة، والشخصيات العظيمة الفائقة التي غيرت مجرى التاريخ، مثل عمر بن الخطاب، وخالد بن الوليد، والمثنى الشيباني، وصلاح الدين الأيوبي.. تسأل القدس عن كل هؤلاء لعل واحدًا منهم يتكرر في تاريخنا، فيحرر القدس، وفلسطين.

وإيراد الشاعر هذه الأعلام لم يكن مجرد استقراء إحصائي، ولكنه يحرص على أن يربط بين ماضيها الزاهي وحاضرنا المر الكسير أملاً في مسيرة كمسيرتهم الظافرة.

وفي القصيدة وعي ناضج بالتاريخ، وحس ديني دفاق فالشاعر يعلو صوته موازيًّا لصوت القدس؛ لأنه يعيشها بنبضه وروحه.. فيستنهض أمته بعد عتاب شديد:

يا أمتي والقدس في صرخاتها هل من جواب؟

ماذا نقول لربنا والآن تنهشها الذئاب؟

والآن تنبحها بليل أو ضحى سود الكلاب

قوموا إلى القدس الشريف مهللين مكبرين.

من كل أرض أقبلوا بخطا البطولة واليقين

رغم اللئام تقدموا والله خير الحافظين

لاعذر فينا للحيارى والجموع اليائسين

والخزي كل الخزي ثم العار للمتخلفين

***

ويهدي الشاعر قصيدته (أنت فينا يا أخي الرمز) التي نظمها في “أشمورت في 10/4/2004م) يهديها الشاعر إلى (الأهل، والأحباب الذين سطروا أسماءهم في زاوية “نقطة ضوء” وفي زاوية “أمة الخير” وإلى الأيدي المتوضئة التي صنعت المواقف الكريمة في معسكر العمل الإسلامي في عرابة ومجد الكروم).

وجاءت القصيدة فيها روح النشيد، وقد ذكرتني بنشيد إخواني كنا نردده في جوالة الإخوان بمصر مما يزيد على نصف قرن. ومطلعه:

جدد العهد وجنبني الكلام

إنما الإسلامُ دين العاملين

وفي هذه القصيدة تلتقي سمات ثلاثًا:

الأولى: هيمنة روح النشيد بما فيه من علو النبر الموسيقى، وسرعة الإيقاع والسهولة والتدفق.

والثانية: التوجيهات المباشرة، وخصوصًا إلى الشباب.

والثالثة: استعمال العبارة المحورية التي تتكرر على رأس كل مجموعة، وهي هنا فعل الأمر (جدد) مع التنويع في المطلوبات من الفعل، وتليه في كل مقطوعة مطلوبات، وتكليفات أخرى، على النحو التالي:

ـ جدد الإيمان في القلب ولا تخشَ العدا

واستقم في الدرب حرًا شامخًا لبِّ الندا

لا تقل لي يائسًا ضعنا مع الدرب سدى

أنت فينا يا أخي الرمز على طول المدى

أنت دومًا في سبيل الله عنوان الفدا

…….

ـ جدد العزم، وقاوم، ثم قاوم لا تنم

……..

ـ جدد السير ونادِ المسجد الأقصى الأسير

……….

ـ جدد الهمة لا تصغ لغربان الظلام

……….

ـ جدد الصبر وصابر وانتظر نور الصباح.

…….

ومضمون التوجيهات يتلخص في الدعوة إلى التحلي بالقيم الإنسانية، والإسلامية العملية، كالإيمان، والعزة، والتفاؤل، والإصرار، والصبر، والثبات، والتمسك بالدين، والعمل الدائب على نشره، والدفاع عنه.

***

الشاعر العباسي (أبوفراس الحمداني) ـ (320 ـ 357هـ) (932 ـ 967م) ـ وقد أسر عند الروم ـ .. له عدد من القصائد التي كان يرسلها إلى أمه من معتقله، مثل قصيدة “أم الأسير”، وقصيدة “مصابي جليل” وقصيدة “يا حسرة ما أكاد أحملها” وقصيدة “لولا العجوز” وفيها يوصي أمه بالصبر الجميل على فراقه، ويدعوها إلى الثقة بالله، وفي ختامها يقول:

يـا أمّـتـا! لا تحزني
يـا أمـتـا! لا تيأسي
كـم حـادث عـنا جلا
أوصيك بالصبر الجميـ
وثـقي بفضل الله فيّهه
لـلـه ألـطاف خفيـه
ه، وكـم كفانا من بليه
لِ، فـإنه خير الوصيه

وما ذكرني بأبي فراس، وقصائده الرسالية إلى أمه إلا قصيدة شاعرنا الشيخ رائدالتي نظمها في معتقل الجلمة في 30/6/2004م، ووجهها إلى أمهات رهائن الأقصى ومنهن أمه، وذلك بمناسبة حفل زفاف ابنته لبابة، وهو بعيد عنها في معتقله آملاً أن تشارك الأمهات في حفل زفاف ابنته.

وفي مطلع هذه القصيدة يقول:

يا أمي من ظلمة سجني

أهديك سلامًا يا عيني

…..

لن أركع يومًا للفاجر

والغاصب واللص الغادر

أنا ماض في دربي سائر

مبتسمًا للموت وصابر

والله الحافظ والناصر

أنا ذنبي أني لم أحْنِ

هامة عزتنا في وهن

وتوجهه إلى “الأم” لا يتوقف عند العاطفة الذاتية , ولكن تتسع هذه العاطفة لفلسطين الوطن الأم، فحصول الشاعر على الانعتاق من ظلمة السجن ليس غاية، ولكنه وسيلة للجهاد المتواصل، والعمل لتحرير العرض والأرض، والذود عن الدين. وفي مختتتم القصيدة يقول الشاعر:

يا أمي يا أم ومحمد

أهديك سلامًا يتردد

في قلبي شوقًا كالموقد

وانتظري لو طال الموعد

رغم حقود صاح يهدد

سأعود أنادي في المسجد

إخواني لا تخشوا مفسد

هذا بيعي وخذي عني

بيعي الرابح وبلا غبْن

******

وإذا كان الشاعر قد عنون قصيدته بـ “موشح أمهات رهائن الأقصى”، فقد جعل لرفح موشحًا يسبح في فلك مختلف تمامًا: القصيدة بعنوان “موشح رفح ” نظمها الشاعر في معتقل “أشمورت في 24/5/2004م.

وفيها يصف ـ إلى درجة المعايشة ـ الغارات الإسرائيلية على هذه المنطقة كأنه واحد من المراسلين العسكريين. وفي هذه القصيدة يقول:

الموت يملأ الحقولَ والشوارعُ

والنارُ تأكُل البيوتَ والجوامعْ

والدمُّ صارَ للرُكبْ

والأرْملاتُ تَنْتَحب

ما بينَ صَبرا والنقبْ

والصمتُ الْجَمَ العَرب

لا نخوةٌ ولا غَضَبْ

والمسلماتُ تُغْتَصَبْ

والمرْوَحياتُ الجحيمُ والمدافع

تُخَلفُ الدَمارَ تنشرُ الفَظَائِع

الأرضُ أصبَحتْ خَراب

والشعبُ تَعويهِ الذِئَابْ

مُشِرَّدٌ بلا ثياب

وزادُ يومِه العذَاب

ودَمعُ ليله الشرِاب

وَمَهْدُ نَومِه التراب

والجندُ تُلْطقُ الرصاصَ دونَ وازع

تصطاد حقْدًا كُلّ مرضعٍ وجائعْ

******

وفي هذه القصيدة ـ زيادة علىالوصف الدقيق – يشيد الشاعر بالشعب الفلسطيني الصابر المصابر، المجاهد المقاوم، مع ما يلاقيه من فجور المستعمر الصهيوني الغاشم.

******

وقد عرفنا أن هذا الشاعر القائد الدعوي، كان أقوى من الأسوار والجدران التي تحيط به، فكان يمتد بقلبه ووجدانه إلى الأرض المحتلة، وخصوصًا التي يعيش فيها فلسطينيو 1948م، ويشارك بفكره وكلماته ووجدانه معبرًا عن رؤيته ألمًا وأملاً.

وبحسه الديني الحي، وفي قصيدتين طويلتين يتحدث الشاعر عن معهد حراء الذي يقف حائط صد ضد تذويب الهوية الإسلامية، عاملاً في جهد خارق على تدريس القرآن والسنة، وتأكيد القيم الدينية والعقدية.

والقصيدة الأولى رسالة حب وتقدير موجهة إلى هذا المعهد العتيد، وفتيانه، وقد نظمها الشاعر “بالجلمة” في 16/8/2003م.

والقصيدة الثانية عن حراء، نظمها الشاعر أيضًا بالمعتقل المذكور في 11/8/2004م مبرزًا آثاره الدينية والتربوية والثقافية في شتى أنحاء فلسطين.

******

والسجين كلما ازداد غيابًا وانقطاعًا عن أسرته ازداد الشوق إليهم اضطرامًا، وخصوصًا الصغار منهم، وبصفة خاصة البنات، إنهم كما قال أحد الحكماء :

“يعيشون يتامى وآباؤهم أحياء”، ويحاول الشاعر السجين أن يفرغ اشواقه في كلمات تنبض بالحب والشوق، والأمل في انفراج قريب يسعد فيه بلقاء أبنائه، وإن لاحقه الحزن والشعور الحاد بالحرمان في كثير من الأحيان.

وقصيدة شاعرنا (صلاح الدين يا ولدي) التي نظمها في المعتقل في 6/9/2003م، من أعمر قصائده بالشوق وعاطفة الأبوة الحانية، ولاعجب في ذلك فقد رزق به وهو في السجن، ولم يقبل الصهاينة أن يقبل ابنه هذا ويحتضنه أثناء زيارة أسرته له (من وراء حائل زجاجي سميك، إلا بعد تدخلات وإجراءات طويلة.

وقد مزج الشاعر حبه لوليده بحبه وعشقه لوطنه، ومع حزنه الشديد لم يفقد تماسكه ووقاره، وفي مطلع قصيدته يقول:

صلاحَ الدين يا ولدي

رعاك اللهُ يا كبدي

هلا أشرقتَ مولودًا

كصبح مشرقِ المَدَدِ

وصِحْتَ بكل ظلامٍ

لدى ميلادك الرغدِ

لماذا لا أرى قربي

أبي يحنو على جسدي

لقد أُخرجتُ للدنيا

بحفظَ الواحدِ الأحدِ

بلا ضحكٍ على ثغري

ولا فرحٍ بها بلدي

وجدتُ الكل يبكيني

بدمع الهمِّ والكَمَدِ

كأني الميتُ في مهدي

أو المذبوحُ في جَلَدِ

صلاحَ الدين لا تحزنْ

فليس الظلمُ للأبد

وصِحْ حُرًّا بلا قيلٍ

ولا قالٍ ولا لَدَدِ

أنا المولودُ في مهدي

أنا للمجد كالعمد

أنا زحفٌ إلى الأقصى

بلا حصر ولا عدَدِ

أنا الآذان في عكا

أنا الرمانُ في صفد

أنا الليمونُ في حيفا

وزهرُ الكرملِ الأسد

******

وفي 10/12/2003م بمعتقل الجلمة ينظم الشاعر قصيدة قصصية بعنوان “كعك العيد”، الذي غاب عن بيته بسبب غيابه في المعتقل عن أسرته، وقد بدأها بقوله:

يا لحزني غاب كعك العيد والثوب الجديد

عن فتاة من صغاري عمرها مثل الورود

اسمها ريحانة قد زينت بيتي السعيد

وينقل لنا الشاعر ـ بأسلوب طفولي شفيف ـ بلسان الصغيرة مطالبها بالنقود (العيدية) وحلوى العيد.

ولكن الشاعر تغلب عليه نبرة الثائر الناقم على هؤلاء الذين حرموا ابنته بهجة العيد، ثم بكلمات عميقة هادئة يحاول أن يخفف عن ابنته حزنها، وشقاءها، فيقول لها:

كفكفي الدمع وظلي في حمى الرب الحميد

لا تخافي لا تراعي من لظى نار الحسود

واعلمي ما من سجون يا انتي طالت خلود

وأبوك اليوم إن يحيا عن البيت فقيد

سوف يأتي هاتفا فينا وفي الطفل الوليد

نحن جند الله لا نخشى من الظلم المريد

وقريبًا يظهر الإسلام منصور البنود

في رحاب القدس والأقصى وتندثر الحدود

وبروح الأبوة الحانية يهدي كلماته إلى ابنته “لبابة” بمناسبة زفافها إلى عريسها حمزة. ومن قبل عشنا مع الشاعر في قصيدة موجهة إلى أمه وأمهات الأقصى.

******

إن ما قدمه شيخ الأقصى رائد صلاح في هذه المجموعة الشعرية، يعد إضافة ثرية لأدب الجهاد والمقاومة من ناحية، و”أدب السجون” من ناحية أخرى.

******

وأخيرًا لي كلمة خلاصتها أنني رأيت في هذا الأخ الجليل مجاهدًا صبورًا في أرض نهبها الصهاينة، ورأيت فيه “قائدًا” يتمتع بسعة الأفق، والقدرة الفائقة على التعامل مع الأحداث.

وكل أؤلئك مؤسس على إيمان قوي بالله، وإخلاصٌ صادق لقضايا الإسلام بعامة وقضية فلسطين بخاصة.

والرجل يترك في نفس كل من يراه آثارًا عميقة: استجابة وحبًا وتقديرًا. كان هذا هو انطباعي العفوي عن الشيخ رائد “رئيس الحركة الإسلامية لعرب 1948م” عندما رأيته لأول مرة من بضع سنين في مؤتمر إسلامي حاشد، بمدينة بني سويف في صعيد مصر. ولم أكن أعرف من قبل أنه ينظم الشعر، إلى أن كانت المفاجئة السارة حينما وضع الأستاذ بدر محمد بدر بين يدي مجموعته الشعرية، فجلست إليها وعشت معها وكانت هذه الصفحات، أقدمها متمنيًّا أن أكون قد حققت ما أنشدُ وأرجو في تقييمي هذا العمل الإبداعي العظيم.

Print Friendly, PDF & Email
مقالات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

img
القائمة البريدية
img