img
سبعون عاما في حضن اللغة العريبة الحلقة 19
img
Print pagePDF pageEmail page

سبعون عاما في حضن اللغة العريبة

الحلقة التاسعة عشرة

وفي الأورمان اتسعت الرحاب

وفي مدرسة الأورمان اتسعت الرحاب ، وتعددت آفاق العمل في مجالات متعددة  ، فقد رقيتُ إلى مرتبة ” مدرس أول ” ، وزاد فيها إنتاجي الفكري   والأدبي ، وكنت ـــ عملا بالمرتبة الجديدة ــ  مشرفا على مدرسي المدرسة ، وعدد من المدارس المجاورة ، كمدرسة دار التربية ، ومدرسة الدقي للبنات . والمرتبة الجديدة تحتاج إلى خبرة علمية من ناحية ، وخبرة إدارية من ناحية أخرى .

        وكان سكني في شارع هارون مقابلا لسكن الأستاذ حسن دوح ، وبه تعرفت وقويت أواصر الأخوة بيننا ، وكثيرا ما تجالسنا في مسكنه أو مسكني مستعرضين أحوال الوطن والدعوة الإسلامية ، وكان أحيانا يكتب شعرا أغلبه في زوجته ، وبعضه في هموم الوطن ، ولم يكن بارعا في الشعر ، وإن كان ”  مصرا ” أن يكون شاعرا . وكان أديبا بطبيعته ، حتى فيما يكتبه من كتابات سياسية وقصص ومقالات اجتماعية . ولا أنسى له أنه أهدى إلي تفسير الفخر الرازي ، وهو في ثمانية مجلدات كبيرة ورثها عن والده . وفي أول صفحة قبل العنوان  كتب الوالد بخطه :  ملك الشيخ محمد حسن دوح بطفيس المطاعنة مركز إسنا . ومؤرخ  29 مايو 1912 .

       وقال لي الأخ حسن : هذا التفسير هو أعز ما ورثته عن أبي رحمه الله .

قلت له : فلماذا لا تحتفظ به وتقرؤه ؟

     فأجاب : يا أخي ، إن صحتي لم تعد تتحمل قراءة مثل هذا السفر الضخم .

والإبقاء على هذه المجلدات عندي يعد تفريطا في ميراث الوالد رحمه الله . إنها في رف مكتبتي مخنوقة ، تتطلع إلى الحرية والهواء . وأنصح الآباء أن يعلموا أبناءهم كيف يقرءون ، ويعملوا بما يقرءون ، ويغرس في نفوسهم حب الكتاب ، وصدق من قال  : وخير جليس في الحياة كتاب   .

       قلت له وإذا لم يكن في أبناء العالِم من لا يقرأ ، وهو متخصص في علوم تقنية آخرى ؟

      أجاب : أعتقد أن من الأنفع للمورث أن يهدي هذه الكتب في حياته إلى من يفيد منها ، أفرادا ومكتبات .

       قلت :أسألك سؤالا من نوع آخر وهو : ما رأيك في الوضع الذي نعيشه الآن ؟

       أجاب قائلا : أي وضع يا أخي الحبيب ؟ تقصد وضعنا السياسي والعسكري الحالي إننا نعيش عصر ” البالونات ” منفوخة منفوشة في مظهرها ، ودبوس واحد في غمضة عين يجعلها في حجم صباع الطفل .

       قلت : شكرا يا أخي الحبيب فهذا أدق تصوير لوضعنا الحالي ، وهي صورة جديدة مبتكرة لم أسمعها من أحد قبلك . وقد ذكرتني بالأستاذ الشاعر عبد العليم عيسى الذي قال لي ذات مرة : والله أنا لا أخاف من الموت ، ولكني أخاف على كتبي أن تقع بعد موتي في يد من لا يحسن معاملتها ، ونظم قصيدة طويلة في ” رثاء كتبه ” .     

                                        **********        

في بداية الخمسينيات اشتهر حسن دوح رحمه الله بأنه زعيم الجامعة، غير مُدافَع. وكنا قبل التحاقنا بالجامعة نسمع عنه ونحن طلابٌ في المرحلة الثانوية، بأنه أخطب الخطباء في زمنه، وأقدر زعيم في الطلاب على القيادة والتأثير.

       وكنا نلتقي كثيرًافي مكتبه بفندق الأمان، وهو فندق اشترك في ملكيته وإدارته مجموعة من الإخوة على رأسهم الأخ حسن، وحرصوا جدًّا على أن يعلق على الفندق لافتة ظاهرة هي (فندق بلا خمور). وهي لافتة مهمة جدًّا؛ لأن الفنادق الفاخرة في القاهرة كانت تعرض الخمور بلا حرج.

       وكان ـ رحمه الله ـ يقوم بمهمة إنسانية طيبة في مكتبه , وهي ـ لكثرة معارفه ـ  يعمل على تزويج شباب أبناء الإخوان بفتيات صالحات يعرف صلاح بيوتهن، وقد رأيت حالات متعددة من توسطه في هذا المجال، وكانت ناجحة والحمد لله.

       .  ومعروف أن حسن دوح كان قائد معسكر الفدائيين في الجامعة . ومن شهداء القناة من طلاب الإخوان : عادل غانم ـ عمر شاهين ـ أحمد المنيسي ـ سيد شراقي .

      وهناك موقف خالد يحسب لحسن دوح شهدته  بعيني. وخلاصته:

حرص جمال عبد الناصر على أن يعمل على إشعال الفتنة بين الإخوان عن طريق عبد الرحمن السندي، وكان الإمام الهضيبي ـ رضي الله عنه ـ هو مرشد الإخوان خلفًا للإمام الشهيد حسن البنا، وكان قوي العزيمة صريحًا لا ينثني ولا يذل لأحد، وكان عبد الناصر يحرص على أن يجذبه إلى رجال الثورة فرفض، بل قال نحن الأصل، وكان يطلق على الثورة ” الانقلاب ” , وعلى رجال الثورة  “رجال الانقلاب” ، وما سماها ثورة أبدًا. فسعى عبد الناصر ورجاله بكل جهودهم إلى محاولة إزاحة  الإمام الهضيبي واختيار مرشد ينصاع له، فأثر في بعض أعضاء الجمعية التأسيسية منهم: البهي الخولي، والطبيب طلبة زايد ,  وطبعًا شد إليه عبد الرحمن السندي، وحاولت مجموعته أن تحمل الأستاذ الهضيبي على الاستقالة، واقتحموا منزله في الروضة فرفض، فلجأوا إلى احتلال المركز العام . علم الإخوان بهذه المكيدة، فهبوا جموعًا غفيرة لإخراج هؤلاء بالقوة، فلما علم السندي ورجاله بذلك غادروا المركز العام، واقتحمته جموع الإخوان , ومن أظهر من فيهم حسن دوح، رأيته يقف خطيبًا في المركز العام بالحلمية الجديدة، وهو يخطب بقوة وحماسة ” أخي حسن الهضيبي ، والله ما عبدنا الله إلا حبًا في الله، وما عبدت عيسى ولا موسى ولا هارون، وما اتبعنا محمد بن عبد الله؛ لأنه ابن عبد الله ،  ولكن لأنه رسول الله، وما اتبعناك يا حسن الهضيبي إلا بناءً على بيعة سليمة رشيدة، فسر بنا أخي حسن، والله لو خضت بنا البحار لخضناها معك، والله لو قطعت بنا الأرض لقطعناها معك، والله لو تقلبت على الشوك لتقلبنا عليه معك، سر يا مرشدنا الحبيب، الله معك .”

وأخذ حسن يهتف ونحن نردد وراءه في بكاء وحماسة، وقوة “الله معنا، عزت أواصرنا، طابت عناصرنا، الله ناصرنا ،لا عبد يخزينا”.

     وانتصر الحق، وزهق الباطل، وثبت حسن الهضيبي في موقعه وفي قلوب الإخوان جميعًا، ونفت الدعوة خبثها، بل ظهرت أقوى مما كانت: قوة في الصف، وقوة في العقيدة، وثبات في المواقف دون تردد أو مذلة، أو هوان.

**********

     وحسن دوح مجاهد تعرفه مناطق فلسطين، وتعرفه مدن القناة، ومعسكرات الإنجليز، فكان جنديًّا بارعًا، وقائدًا همامًا، وقد فصل هذا الجهاد في بعض مذكراته وكتبه عن الجهاد في فلسطين، والجهاد في القنال، منها: جهاد الشباب المسلم في فلسطين والقناة  . وشهداء على الطريق  .  و 25 عاما في جماعة مرورا بالغابة .  ولا ننسى أنه كان قائد معسكرات التدريب في الجامعة. وما زلنا نذكر له عبارة بليغة المضمون والأداء , متوهجة الإيمان والصدق والحماسة . وهي ” إننا لا نستعين على الجهاد في سبيل الله والوطن بعرق الأفخاذ ” . وجاءت هذه العبارة ردا حاسما على ما عرضته بعض بارات ومراقص شارع الهرم من مبالغ مالية كبيرة بزعم المساهمة في إعداد فدائيي الجامعة لقتال الإنجليز .

       وكان أسلوب الأخ حسن دوح في كتاباته أسلوبا أدبيا متدفقًا، في سهولة وعذوبة، ومن كتبه بعض القصص مثل قصة أبو دومة، ومن أشهر كتبه: 25 سنة في جماعة مرورًا بالغابة.        ومن زيارتي الأسرية لحسن دوح رأيت أنه يميل إلى نظم الشعر: المعاني طيبة، والأفكار ناضجة، والوجدان صادق، ولكن ينقصه الاستقامة العروضية، عرض عليّ بعض القصائد فصارحته برأيي , ولكنه ابتسم وقال: يا أخي أقبلها، واعتبرني ولو “ربع شاعر”.

       وهو في حياته الأسرية كان سعيدًا جدًّا بزوجه الحاجة علية، وهي سعيدة به، وبارك الله في بناته ، مريم، ومنال ، وإيمان  ، ولبنى، أما الذكر الوحيد وهو محمد فقد تعثر في دراسته، وكان يحمل همًا ثقيلاً في الإشفاق على ابنه الوحيد هذا، ويقول يخاطبني في آسى: ابني الوحيد يا أخ جابر، ابني الوحيد، طالب غير موفق، والبنات موفقات؟! أقول له: سبحان الله , إنها  مشيئة الله، يا أستاذنا العظيم  .  ثم ابتسم وأقول : إن التوفيق الكامل سيفتح عليك عين الحسود. وذات مرة قلت له يا أستاذ حسن ابنك اليوم لا يرضيك في دراسته؛ لأنكم تحملون كل مسئولياته عنه ، طعامًا، وشرابًا، وملبسًا، وراحة، و…و … إلخ.

       ولكني بيني وبين نفسي اعتقد ـ إلى درجة قريبة من اليقين ـ أنه سيأتي يوم سيكتب الله فيه التوفيق الطيب لابنك محمد. وقد كان وأصبح محمد حاليًّا من أكبر رجالات مصر المصدرين والمستوردين وأصحاب الشركات، وتذكرت قوله تعالى (وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ) (الكهف: 82).

       أما الحادث الأسري الذي حمَّـل الأخ حسن همًا صاعقا فهو موت زوجته الحبيبة الحاجة علية، وأصبح طيفها يملك عليه كل كيانه، مع أنه تزوج بعدها ثلاث مرات. ولا أنسى أنه جاءني ذات يوم في منزلي، ومعه كشكول مخطوط , وقال لي وفي عينيه انكسار: “يا فلان أنا أتيتك بنفسي لتقرأ هذا الديوان، وقد جعلت أغلبه عن زوجتي الحاجة علية، فأرجو أن تكون رفيقًا به، واعتبرني يا أخي نصف شاعر، أو ربع شاعر…” قالها بآسى شديد، فقلت له: اترك الكشكول عندي , وسيأتيك ردي خلال أسبوع، قال : أنا مطمئن أنه سيكون ردا طيبا، بمشيئة الله .

       وفي الحقيقة لم أجد فيه من الشعر إلا حرارة الوجدان، واحترت ماذا أقول له: استعجلني وقال: يا فلان الديوان، هل انتهيت منه، قلت له ”  سأحضر إليك بنفسي  لأخبرك برأيي فيه “، وصارحته برأيي , بعد أن حاولت أن أصحح بعض ما نظم، وأقيم كسوره، فاكتشفت أنني سأحدث بما كتب تغييرًا شاملاً قد ينسيه هو أصل ما كتب. وقلت له ” يا أستاذ حسن كأنما أراد الله أن  تكون صاحب عبقريتين: عبقرية الخطابة , وعبقريةالكتابة  ، أما الشعر فتركه الله للضعاف من أمثالنا ” ، فكرر جملته المأثورة ” يا فلان ألا يعتبر ما نظمته في حجم ما ينظمه نصف شاعر أو ربع شاعر ؟” قلت له  ” أنا قلت رأيي بصراحة , ولا يعيبك أبدًا ألا تكون شاعرًا، ولا ينقص من قدرك هذا، فحسن دوح الكاتب والخطيب لا يشق له غبار، وهذا يكفيك. “

      ومع ذلك بدافع الحب لزوجته فوجئت بالديوان بعد شهر, وقد طبعه في دار الاعتصام كما هو، واتصل بي تليفونيًا  وسألني ما رأيك؟ فأجبت: حاجة جميلة جدًّا يظهر أن الديوان المخطوط ليس في تأثير الديوان المطبوع، فمعذرة إذ ظلمتك.

      ويعلم الله أنني لم أكن صادقا في إجابتي الأخيرة , لأن الصدق ـ في هذه الحال ـ لا فائدة من ورائه .  وأدعو الله أن يكون قد أدخل على نفس الرجل الطيب السعادة والاطمئنان، إذ شعر بأنه يؤدي شيئا طيبًا لزوجته عرفانًا بجميلها، ووفاءً لها.

                                      **********

         قلت للأخ حسن ــ رحمه الله ــ أتذكر يوم كنت تخطب الجمعة في مسجد الروضة ، وبعد الخطبة دخل رجال الأمن وألقوا القبض عليك ،  فهتفت  ” الله أكبر أعتقلت ولم تعتقل الراقصات ” .  فماذا كنت تقصد بهذه العبارة ؟

        أجاب قائلا : اقصد أن النظام الحاكم يقبض على الصالحين الأتقياء الأنقياء من أبناء  هذا الشعب  ، بينما يتركون الفساد الضاري ينخر في جسد هذه الأمة ، إنه عصر المعايير المختلة .

        قلت أتذكر أنك سبب في الصلع الذي أصاب أخانا ” محمود أبو شلوع ” الطالب بكلية الحقوق ؟

        قال : لم أفهم ماذا تعني .

        قلت : لم يكن هناك من يستطيع أن يحملك على كتفيه ــ وأنت تلقي خطبك ــ إلا الأخ محمود أقوى الإخوان قوة . وكنت إذا خطبت وأخذتك الحماسة تشد شعر الأخ محمود بقوة وعنف وهو يتحمل ، حتى عاش بلا شعر . لذلك كان الإخوان يضاحكونه بقولهم : يا محمود … يا منتوف حسن دوح .

        ضحك الأخ حسن وقال : والله كانت أيام .

        سألت الأخ حسن أن يحدثني عن بطولات الإخوان في فلسطين وفي القنال . فتدفق في الإجابة كأنما يقرأ من كتاب مفتوح . وتحدث ــ بصفة خاصة ــ عن تحرير الإخوان للتبة 86 ، وهي معركة تدرس في الأكاديميات العسكرية .

         ومن حديث بيني وبين الأخ حسن سألته : ما رأيك في المقولة التي اشتهر بها السادات : لا سياسة في الدين ، ولا دين في السياسة .

          ضحك وقال : إن من أعجب العجب أن قائل هذا كان يختم كل خطبه بقوله تعالى ”  رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ “ آل عمران  (8) .

وإني أسأل : هل هذه الآية تعتبر دينا أم سياسة ؟

         سألته : في الإصلاح هل نبدأ بالقاعدة أم بالقمة ؟

أجاب : سئل الإمام الشهيد حسن البنا هذا السؤال ، فقال للسائل : سلم العمارة إذا مسحناه نبدأ من فوق وانت نازل . وهو يقصد أن الناس على دين ملوكهم ، فلابد أن يكون الرأس نظيفا حتى يكون عندنا الجسم السليم .

        وهناك أمران مهمان جدا لكي ننهض بأمتنا وهما الانتفاع بالتاريخ من ناحية ، والربط بين الماضي والحاضر من ناحية أخرى . كما فعل الإمام الشهيد حسن البنا في مقال كتبه سنة 23 أبريل 1948 يقول فيه :  

  في عهد مضى أعاد الله علينا دولته قال الراوي: “دخلتُ القسطنطينية تاجرا في عهد عمر بن عبد العزيز، فأخذت أطوف في بعض سككها حتى انتهى بي المطاف إلى فناء واسع، رأيت فيه رجلا أعمى، يدير الرحى وهو يقرأ القرآن، فعجبت في نفسي، في القسطنطينية رجل أعمى يتكلم العربية، ويدير الرحى، ويقرأ القرآن!! إنه لنبأ!!، فدنوت منه وسلمت عليه بالعربية، فرد السلام، فقلت: من أنت يرحمك الله؟ ما نبؤك؟ فقال: أسير من المسلمين أسرني هذا الرومي، وعاد بي إلى بلده، ففقأ عيني، وجعلني هكذا أدير الرحى، حتى يأتي أمر الله. فسألته عن اسمه وبلده وقبيلته ونسبه، وما كان لي من عمل حين عدت قبل أن طرقت باب أمير المؤمنين، وأخبرته الخبر، فاحتقن وجهه، واحتدم غضبا، ودعا بدواة، وكتب إلى ملك الروم،

“قد بلغني من الآن كذا وكذا، وإنكم بذلك قد نقضتم ما بيننا وبينكم من عهد: أن تسلموا كل أسير من المسلمين. فوالله الذى لا إله إلا هو لئن لم ترسل إلي بهذا الأسير لأبعثن إليك بجنود يكون أولها عندك، وآخرها عندي.

ودعا برسول فسلمه الكتاب، وأمره ألا يضيع وقتا في غير ضرورة حتى يصل، ودخل الرسول على ملك الروم، وسلمه الكتاب، فاصفر وجهه، وأقسم أنه ما علم من أمر هذا الأسير شيئا. وقال: لا نكلف الرجل الصالح عناء الحرب، ولكننا نبعث إليه بأسيره معززا مكرما. وقد كان”.

وفي بيان بليغ آسر يربط الإمام الشهيد هذه الواقعة بنكبة فلسطين فيختم مقاله بالكلمات المتوهجة الآتية:

“أيها العرب والمسلمون، لم تعد المسألة مسألة أسير، ولا أسيرة، ولكنها أصبحت أكبر وأضخم، وأجل وأعظم، إنها قضية الحياة والشرف والكرامة والوجود لشعب بأسره، احتضنته الأمة العربية كلها، وتظاهرت على نصرته جهود العالم الإسلامي في أقطار الأرض، ثم هي قضية مستقبل الأرض المباركة والمسجد الأقصى، ثالث الحرمين وأولى القبلتين.

    فاذكروا فظائع اليهود الوحشية في قرية دير ياسين، وقرية ناصر الدين، وقرية أبو زريق.. وقرية ساريس، ثم اذكروا حيفا إحدى عواصم فلسطين الثلاث، واذكروا ما بعدها إن ظللتم قاعدين، ثم انظروا ما أنتم فاعلون؟ ولا يكن حظكم من الانتصار لهذه المواطن الذبيحة أن تصيحوا “واعمراه.. وامعتصماه . 

Print Friendly, PDF & Email
مقالات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

img
القائمة البريدية
img
Advistiment 2

right_logo_3