img
سبعون عاما في حضن اللغة العريبة الحلقة 32
img
Print pagePDF pageEmail page

سبعون عاما في حضن اللغة العريبة

الحلقة الثانية والثلاثون

 ومن الجامعة الإسلامية

انطلق الجهاد

لم يقتصر دور الجامعة الإسلامية بإسلام أباد على الجانب العلمي ، ولكن كان هناك جوانب متعددة لهذه الجامعة تصب كلها في خندق الجهاد . وفي السطور الأتية أقدم بعض المظاهر التي تؤيد ما عشناه ، وما رأيناه ، وما أقدمه إنما جاء على سبيل اللاتقاط العفوي ، وهو بذاته وإيحائه يقطع بما ذهبنا إليه :  

       كان من الأعمال العظمى  فتح جامعة الجهاد في ” بشاور ” على الحدود المشتركة بين باكستان وأفغانستان : إذ قامت الجامعة الإسلامية بإسلام أباد بفتح جامعة في بشاور اتخذت اسما خالدا هو ” جامعة الجهاد ” . والهدف الأساسي من هذه الجامعة هو ” تخريج الضابط الفقيه ” ،  أي  الضابط الذي يجمع بين مهمتين هما ” العلم الفقهي ” و ” العلوم العسكرية النظرية والعملية ” ، وكان يقوم بالتدريس في جامعة الجهاد أساتذة العلوم الشرعية في الجامعة الإسلامية العالمية بإسلام أباد .

       ولا ننسى خطب الزعيم الأفغاني المجاهد ” عبد رب الرسول سياف ” الذي كان يلهب المشاعر بخطبه القوية ، وعربيته البليغة ، وأشهد أنني ما سمعته مرة إلا وتذكرت الإمام الشهيد حسن البنا .   

       وكان فتح هذه الجامعة حدثا كبيرا اهتز له الروس وأذنابهم في أفغانستان . ولا أنسى أنني أرسلت أيامهاإلى الأهرام بالقاهرة مقالا بعنوان ” عندما يتعانق الفقه والمدفع ” ومما جاء في هذا المقال :

      ” إن الحبيب يعانق حبيبته بعد شوق قصير أو طويل على حد قول الشاعر :  

           أطير القطا هل من يعير جناحه  = لعلى إلى من قد هويت أطير

وقول القائل :  

           وإنـي لـتـعرونـي لـذكـــراك هـزة = كما انتفض العصفور بلله القطرُ

وقول القائل :

           وإني لأهوى النـَوم في غير حينهِ =  لعل لـقـاءََ فـي المـنام يـكونُ   

*********

        والمجاهد حينما يجمع بين ” الفقهيات ” و ” العسكريات ” فإن هذا يعني أمرين :

        الأول : الإتقان والخبرة في المتعانقين .

        والثاني : أنه لن يعرف الظلم والإسراف ، بمعنى أنه لن يوجه مدفعه الميمون إلا لتحقيق هدف إنساني هو تحقيق الحرية ، والانتصار للقيم الإنسانية العليا .

       وبحمد الله تخرج في هذه الجامعة عدد من هؤلاء المجاهدين الفقهاء كانوا نعم القادة ، وأبطال المسيرة .

       وبهذه المناسبة أقول لماذا لا نجمع في كلياتنا العسكرية بين الفقه والمدفع ؟ أنا على يقين أن هناك من المتنطعين من سيعترض بحجة أن ذلك يفتح المجال للمنظمات الإسلامية الإرهابية . وهو اعتراض في غير محله ؛ لأن المسألة سيحكمها ضوابط دقيقة ، تهدف لمصلحة مصر والعروبة والإسلام …….. ” .

ومن عجب أن المقال لم ينشر ، مع أن الأهرام نشر لي عدة مقالات من قبل في الحملة التى أعلناها على ” لويس عوض ” مثل مقال ” جمال الدين الأفغاني بين الحقيقة والافتراء ” ردا على ما افتراه لويس عوض بقوله : ” بدأ لويس عوض ينشر في إبريل سنة 1983 سلسلة من المقالات الأسبوعية في مجلة «التضامن» التي تصدر في لندن باللغة العربية تحت عنوان  “الإيراني الغامض في مصر: جمال الدين الأفغانيشوه فيها تاريخ جمال الدين تشويها بشعا, فتولي عدد من مفكرينا العدول نقض ما قال بعدد كبير من المقالات, وعلي مدي ستة أشهر بدأت في أواخر أغسطس 1983.   واشتركتُ في هذا التصدي بمقالين: الأول بعنوان «قصور البحث وغياب المنهج» ونشر في الأهرام المصرية بتاريخ 5/9/1983. والثاني بعنوان «التزوير وأمانة الكلمة» ونشر بالأهرام في اليوم التالي   .

وقد أثنى عليهما أستاذنا الشيخ محمد الغزالي . أي أن الأهرام كان ينشر لنا مقالات تتسم بالصراحة والقوة ، ولكنه للأسف لم ينشر المقال الذي كان عنوانهعندما يتعانق الفقه والمدفع

*********

وكان ظهور عبد الله عزام(194124 نوفمبر 1989)، رحمه الله إيذانا ببداية جادة للجهاد الحق .

     ومن جامعة الأزهر في مصر، حصل على شهادة الماجستير في أصول الفقه، ثم عين محاضرا في كلية الشريعة بالجامعة الأردنية بعمان .     ثم حصل علي الدكتوراه في أصول الفقه بمرتبة الشرف الأولى عام 1393 هـ، 1973م، فعمل مدرسا بالجامعة الأردنية (كلية الشريعة) ،  ثم انتقل للعمل في جامعة الملك عبد العزيز في جدة ، وبعدها عمل في الجامعة الإسلامية العالمية في إسلام أباد في باكستان، ثم قدم أستقالته منها وتفرغ للجهاد في أفغانستان.

                               **********

وقد عرفت الشهيد عبد الله عزام ـ أول ماعرفته ـ  أواخر ديسمبر عام 1981 ، على مدى أربعة أيام، في مؤتمرً بمدينة سبرنج فيلد (Spring Field) بولاية ألينوي للشباب المسلم العربي، حضره قرابة عشرة آلاف من الشباب، وكان شعار المؤتمر: “الأسوة الحسنة”، وحول هذا الشعار دارت أغلب المحاضرات والندوات،

 وفي هذا المؤتمر العظيم كان أول لقاءٍ لي بالدكتور عبد الله عزام، الذي كان واحدًا من أعلام المحاضرين والخطباء في المؤتمر، وفي إحدى الأمسيات شرح عبد الله عزام أمام هذه الألوف المؤلَّفة من الشباب أبعاد القضية الأفغانية، وسمعت منه كلامًا جديدًا جعلني أزداد إيمانًا بصدقية الجهاد الأفغاني.

كان عبد الله عزام يتكلم بنبض إيماني دفَّاق باسم الإسلام والجهاد والدَّم الزكيِّ الذي بذله أكثر من مليون شهيد، ولكنَّ هذه العاطفة القوية الجيَّاشة كانت مصحوبةً بمنطق عقلي علمي متزن وقور، وفي تضاعيف كلامه حثَّ عبد الله عزام شبابَ المؤتمر على التبرُّع للمجاهدين واليتامى والأرامل والجرحى ببعض مالهم، وانضمَّ لصوته صوتٌ قويٌّ آخر، يتدفَّق بلاغةً وإيمانًا، هو صوت الدكتور يوسف القرضاوي.

وفي ربع ساعة كان أمام الرجلَين على منصَّة الخطابة ما يزيد على ربع مليون دولار، عدا مفاتيح عشرات من السيارات الفاخرة، مصحوبةً بتنازلات عن ملكيتها لصالح القضية الأفغانية، وهذا كله عدا “أثقال” من الحليِّ الذهب، تبرعت بها السيدات المسلمات اللائي كنَّ يحضرن المؤتمر في قاعة مستقلة .

وكان لقاؤنا الثاني في الجامعة الإسلامية بإسلام أباد التي أُعِرْتُ للعمل بها لمدة خمس سنوات (1984م- 1989م)، وهي الجامعة التي يعمل بها الدكتور عزام، وتعددت لقاءاتي به في الجامعة حتى كادت تكون لقاءات يومية سريعة.

 ثم كانت لقاءاتنا في منتديات ومحاضرات عامة، وكان- رحمه الله- حريصًا على حضور الأمسيات الشعرية التي كنا نُقيمها في الجامعة أو مقر اتحاد الطلاب العرب، فقد كان يحب الشعر ويتذوقه ويحفظ كثيرًا منه، ويستشهد ببعض الأبيات الشعرية المتوهجة في مقالاته.

وأذكر في هذا المقام أنه- رضوان الله عليه- ما كان يلقاني في الجامعة ونحن في طريقنا لأداء محاضراتنا في الفصول إلا أوقفني وقال وعلى وجهه ابتسامة عريضة:

– “لن أتركك إلا إذا أمليت عليَّ بيتًا من شوارد الشعر”، ويُخرج من جيبه “نوتة” صغيرة، ويسجِّل فيها ما تسعفني به الذاكرة، ولآخر بيتٍ أمليته له قصة: لقد استوقفني وقال: أريد بيتًا في موضوع الغربة، فضحكت وقلت له: اكتب المثل المصري المشهور “الغربة كربة”، قال مبتسمًا: “أعني غربة الروح”، وأحسست أنه شعر بالارتياح العميق حينما أمليتُ عليه بيت ابن الرومي:

أعاذَكَ أنسُ المجدِ من كل وحشةٍ      فإنَّكَ في هذا الأنامِ غَريبُ

وبصوت خفيض أخذ يردد الشطر الثاني, ورأيت في عينيه عبرتَين, وافترقنا.

أما آخر اللقاءات فكان بعد صلاة العشاء مساء يوم من أيام فبراير سنة 1989م، كنت ألقي محاضرةً عامةً في قاعة المحاضرات الكبرى بالجامعة، وموضوعها ـ على ما أذكر ـ: “رائد الجهاد الفلسطيني عز الدين القسام: في التاريخ والأدب”. أو: الشهيد عبد الرحيم محمود .

وأثناء المحاضرة دخل عبد الله عزام ومعه أبوه الذي جاوز الثمانين: شيخ قصير القامة، علاه الشيب، ولكنَّ الحيوية تظهر في عينيه وقسمات وجهه، وكان معهما العالم العراقي المجاهد الشيخ محمد الصواف، وعلَّق الشيخان عزام والصوَّاف على المحاضرة بكلام طيب، وكان تعليق عبد الله عزام- كله أو أغلبه- تغزُّلاً في الشهادة ومقام الشهداء حديثَ مَن يمتدُّ بنظره وروحه إلى نيل هذا الشرف العظيم.

هذا والمعروف أن عبد الله عزام ترك العمل بالجامعة سنة 1987م ليتفرغ تمامًا لمقتضيات الجهاد الأفغاني، وليصبح علَمًا من أعلام هذا الجهاد، أما الأدوار النبيلة التي قام بأدائها فهي أكثر من أن تحصى وتعد.

 وعدت إلى مصر- بصفة نهائية- في يونيو 1989م، وعلمت بعد عودتي بأسابيع نبأ استشهاده ومعه ولداه محمد وإبراهيم، حين فجَّر أعداء الإسلام سيارته وهو متجهٌ إلى أحد مساجد بشاور لإلقاء خطبة الجمعة يوم 25/4/1410هـ= 24/11/1989م، قلت: يرحمه الله، لقد حقَّق الله له أغلى أمنية حرص على تحقيقها طيلة حياته، وانعكست سيرته وعظمته حروفًا مشرقةً مضيئةً في قصيدة ملحمية طويلة نظَّمتُها بعنوان: “الفارس الذي صعد”،

*********

    ومما يؤسف له أن الطيب عبد الرحيم كان يعمل أنذاك في المكتب الفلسطيني في إسلام أباد ، وكان حريصا على تشويه سمعة المجاهد العظيم عبد الله عزام ، ويدعي أن ما يقوم به إنما هو مظهرية كاذبة ، وإلا ـ لو قصد الجهاد الحقيقي ـ لكانت فلسطين أولى بجهده وجهاده .

وما ذكره الطيب عبد الرحيم ينم على ضيق أفق ، وحقد دفين ؛ لأن نظرته الضيقة لا تصمد أمام نظرة المجاهد عبد الله عزام الذي عاش يرى أن كل أرض فيها مسلم تعد مجالا للجهاد .

وكانت خطة الشهيد عبد الله عزام ـ كما أخبرني من هم أشد قربا منه ـ أنه كان حريصا على تجنيد الشباب الفلسطيني في صفوف المجاهدين الأفغان ، لإعداد فيالق تحرر فلسطين في المستقبل .

وقد نظمت في الشهيد الذي لاقي ربه وولداه محمد وإبراهيم قصيدة ملحمية  بعنوان: “الفارس الذي صعد”، ومنها الأبيات التالية:

ثم اختفَى فسألتُ عنه

– فقيل:

لا تبحثُ هنا، وأبحثُ هناكْ

– وما هناكْ؟

– حيث المدافعُ والخنادقُ والصخورْ

حيث الكفاحُ المرُّ يحكي ملحمَةْ

كُتبتْ بماء القلبِ والأعصابِ

والأشلاءِ والعزم السعيرْ

فهناك خَالدُها

وسعدٌ

والمثنى

والكتيبةُ

والنذيرْ

يتقدمون بفتية الأفغانِ

في زحفٍ خطيرْ

و”عُقابُ” سيدنا رسولِ الله

فَوقهُم ترفرفُ كالهديرْ

ليحققوا النصر الكبيرْ

أو موتةً تزهو على الأكوانِ

“أنْعِمْ بالمصير”!

“عزامُ” في هِذي الكتيبِة في بَشاورْ

أو عند “غزنةَ” أو “هرات” و”قندهار”

ليلاً هُنا، وهناكَ في ألَقِ النهارْ

 *********

وكان الأدب يعمل على شحن نفوس الشباب بالجهاد في أفغانستان ، وعلى سبيل التمثيل نظمت ديوانا كاملا بعنوان لجهاد الأفغان أغني . وكذلك اتخذت من الفن بابا من أبواب الشحن المعنوي بأناشيد ملحنة مثل ” نشيد الزحف الأفغاني ” ومطلعه :

إلى كابلٍ يا جنودَ الرسولْ = وخلُّوا السيوفَ تصولُ تجولْ
إلى كابل يا جنود الرسول = وخلوا السيوف تصول تجول

إسلام آباد ـ يونيو 1986م

ونشيد يوم الدم ومطلعه :

تقدموا … تقدموا = فاليومُ يومُك يا دمُ
ولن يكونَ مسلما = من ينحني أو يُحجِمُ
  ***  
يا من غصبتم أرضَنا = بأرضِنا لن تنعموا
هي قبرُكم ..وإنها = عليكمو .. جهنم

إسلام آباد ـ أغسطس 1986م

ونشيد ريح الجنة ومطلعه :

هبِّي ريحَ الجنةِ هبي = هبي ريح الجنة هبي
واشوقاه للُـقْيا ربي = ورسولِ اللهِ وللصحْب
  ***  
هبي ريح الجنة .. هبي = هبي ريح الجنة هبي
  ***  
إنا قمنا لهبًا عاصفْ.. = ضدَّ الكفر وضد الغصْب

إسلام آباد ـ أغسطس 1986م

وكانت ليلة الإنشاد هذه من أجمل الليالي الشعرية التى مرت بإسلام أباد ، ومن عجب أنه كان من ضمن الطلاب المنشدين من لقي ربه شهيدا في ميدان الجهاد .

*********

ومن الطلاب المجاهدين  تكنر طيفور الطالب التركي . ولم أكتشف هذه الحقيقة إلا بعد استشهاده . كان يتغيب عن محاضراته كثيرا ، مما يعرضه للفصل من الجامعة ، فأسأله عن سبب تغيبه فلا يقابلني إلا بحياء عذري صامت ، ولم أكن أعلم أنه يقتطع من وقته الدراسي أسابيع للجهاد في أفغانستان ، ثم يعود لحضور قليل من المحاضرات ، ينطلق بعدها إلى الجهاد ، ثم لقي ربه شهيدا  فنظمت فيه قصيدة بعنوان  رحيل من غير وداع” وقد ختمتها بالأبيات التالية  : 

أمضيت؟

أمضيت سريعا ً يا ولدي ..؟

ورحلت غريبا ً يا ولدي؟

أكذا يا ” تكنر” من غير وداع ترحل؟

***

وقرأت صحيفة أحوالك

أعني: أعدت قراءتها..

الاسم: تكنر طيفور

لا…

أستغفر ربي….

الاسم: نور وزهور

والجنسية: رباني مسلم

والعمر: خلود ممدود

والعمل: شهيد موعود

والمسكن: جنة رضوان

وحواصل طير خضر

تسبح في ظل العرش

عرش الرحمن

*********

أعود وأكرر أن ما قدمته من مظاهر جهادية انطلقت من الجامعة الإسلامية بإسلام أباد ، اعتمدت على الانتقاء العفوي ، ولكن تظل النفس المؤمنة هي القوة الحقيقية التي تكتب بإيمانها النصر المبين .

Print Friendly, PDF & Email
مقالات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

img
القائمة البريدية
img
Advistiment 2

right_logo_3