img
سبعون عاما في حضن اللغة العريبة الحلقة 30
img
Print pagePDF pageEmail page

سبعون عاما في حضن اللغة العريبة

الحلقة الثلاثون

 في باكستان الخضراء

منذ استقلال باكستان حتى عام 1958 كانت كراتشي عاصمة باكستان في السند. وأدى القلق بشأن تركز الاستثمار والتنمية في تلك المدينة إلى فكرة بناء عاصمة جديدة في مكان آخر. وهو ما تم عام 1958 أثناء حكم الرئيس الباكستاني أيوب خان حين اختير موقع شمال مدينة روالبندي ليكون العاصمة الدائمة، مع اعتبار روالبندي عاصمة مؤقتة. وبدأ العمل في بناء العاصمة الجديدة في الستينيات بنقل عدد من القرى التي كانت تشغل الموقع المطلوب منذ مئات السنين. وبدأ تنفيذ التخطيط الذي أعده مخطط مدن عالمي مشهور ، وقد جاء تخطيطها بشكل قطاعات ينقسم كل منها إلى أربعة قطاعات فرعية مفصولة بالأحزمة الخضراء والحدائق .

هذه هي كلمة التاريخ عن ” اسلام أباد ” . أما أهم معلم فيها فهو شاه فيصل مسجد ، أي مسجد الملك فيصل .

ويعتبر مسجد شاه فيصل الذي يقع في إسلام أباد في باكستان من أكبر المساجد في العالم وأشهرها ، وهو معروف بضخامته وبهندسته العمرانية الرائعة .

تعود فكرة انشائه إلى الملك السعودي الراحل فيصل بن عبد العزيز في عام 1966 أثناء زيارته إلى باكستان . وفي عام 1969 تم اجراء مسابقة دولية شارك فيها مهندسون من 17 دولة قدموا 43 نموذجا مختلفا لبناء المسجد. بعد أربعة أيام من المشاورات والتداولات ، وتم اختيار الرسم التصميمي للمهندس التركي فادات دالوكاي

      ويتميز هذا المسجد بسعته ، وأهم من ذلك أنه خرج عن صورة المساجد التقليديه ذات القبة ، وجاء على هيئة خيمة عربية ضخمة جدا . وهو المسجد الوحيد في العالم الذي يتسم بهذه السمة . 

 

      و ” الجامعة الإسلامية العالمية ”  لصيقة بالمسجد .

*********

    وأنا أعرض هذه الخطوط التاريخية اعتمادا على ما قرأت وما شاهدت بنفسي  بعد أن أصدرت الإدارة العامة للشئون القانونية بجامعة عين شمس القرار التالي :

       ” تمت الموافقة على سفر سيادته في إجازة خاصة إلى باكستان للعمل كأستاذ زائر للجامعة الإسلامية ، اعتبارا من  2 / 11 / 1983 بباكستان حتى           13 / 12 / 1983  ” .

  وكانت هذه أول زياراتي لباكستان . ( مع ملاحظة أنني بعد عودتي من هذه الزيارة القصيرة إلى مصر أعرت للعمل بباكستان لمدة خمس سنوات اعتبارا من    1 / 9 / 1984 إلى  31 / 8 / 1989 ) .

ومن الطائرة أخذني منظر مدينة إسلام أباد ، إذ رأيت فيها رقعة خضراء واسعة قد زرعت بيوتا ، وأغلب البيوت ” فلل ” من طابقين أو طابق واحد ، ويقال إن هذه المساحة الخضراء كانت غابة كاملة ومن يبنون بيوتهم اعتمادا على التخطيط الموضوع للمدينة عليهم أن يقتلعوا من الأشجار ما يساوي مساحة المنزل ، مع مراعاة التخطيط الحكومي التى جعلت بين كل مجموعة من البيوت أو الشوارع مساحة خضراء تفصل كل حي عن الآخر .

واستقبلني في المطار بعض الإخوة والأصدقاء مثل الدكتور عبد اللطيف عامر، والدكتور محمود شرف الدين . أعدت إدارة الجامعة لي جدولا لتدريس الأدب العربي و مادة العقود في الشريعة ، وقد لاحظت أن أغلب الطلاب تبدأ أسماؤهم باسم ” الحافظ ” : الحافظ مصطفى معتصم ــ الحافظ على حسان قربان ـــ الحافظ نظيري ممتاز … وهكذا .

فاعتقدت أن ذلك يرجع إلى إعجابهم بالحافظ شيرازي الشاعر الفارسي المشهور ، ولكني اكتشفت أن ” الحافظ ” لقب يمنح لمن يتم حفظ القرآن .

وقد رأيت في كثير من المساجد مجموعات من الأطفال ، يضعون على رءوسهم ” طواقي ” مصنوعة من خوص النخيل ، واجتماعهم هذا لحفظ القرآن آية أية . وقد أخبرني من لا أتهم أن هؤلاء الأطفال يحفظون القرآن بسرعة عجيبة ، مع أنهم لا يفهمون من معناه إلا القليل جدا ، مع ملاحظة أن الواحد منهم لا يستطيع أن يحفظ بيتا واحدا من الشعر العربي : قديمه وحديثه ، وقد يمثل هذا وجها جديدا من وجوه إعجاز القرآن يحتاج إلى توقف وبحث .

والجامعة أغلبها من الباكستانين ، وكثير منهم من الأفغانيين ، وهم مقبلون على العربية بشراهة ، وخصوصا المواد الدينية .

 *********

وكان نزولي باستراحة الجامعة في شقة مجهزة تجهيزا طيبا ، وعامل من عمال الخدمة . ومن الطريف أنني في أول ليلة لم أنم بسبب الهدوء الذي يعيش فيه الباكستانيون ، وذلك لأنني تعودت على صخب القاهرة وضجيجها .  ومن الهدوء ما هو مقلق ومزعج . إلى أن تعودت عليه .   

ومن الطرائف التى لا أنساها أنني رأيت شخصا له حانوت في السوق يبيع الأرز والدقيق والزيت وأنواع ” البقالة ” ، ويبدو على وجهه الطيبة والهدوء فسألته عن اسمه فقال ” بنيامين ” ، ومعنى هذا أنه مسيحي ، جلسنا ذات ليلة فوجدت من أمره عجبا ، إذ يستشهد في بعض أحاديثه بوقائع نبوية ، فاستغربت أن يستشهد هذا المسيحي بسيرة رسولنا الكريم .

جلست إلى الرجل في اليوم التالي وتحدثت إليه في بعض الأمور من وجهة النظر الإسلامية ، فانبسط وجهه ، وظهرت السعادة على قسماته ، ثم قلت          ” والواقع أن الإسلام جمع فأوعى ، وعلى سبيل المثال أنه يدعو إلى السلام كما يدعو نبيكم عيسى عليه السلام ” .

فانتفض الرجل وقال ” نبينا عيسى ؟ !! إنني مثلك مسلم يا سيدي موحد بالله ” .      

     فأخذني الخجل ، ولم أدخل إلى السوق بعد ذلك . ثم سألت الآخرين فقيل لي : إن اسم بنيامين منتشر هنا في باكستان وهو الشقيق الأكبر ليوسف الصديق ، وأنقى إخوته وأطيبهم وأصلحهم .     

*********

وأشهر الأسواق المفتوحة في باكستان سوق الجمعة أو ” جمعة بازار ” ، والمصريون يذهبون إليه لشراء ما يحتاجون بالجملة بأسعار رخيصة جدا .

والشعب الباكستاني شعب قنوع بسيط في مظهره ومخبره فقد ترى الواحد منهم يتناول طعام غدائه المكون من رغيف من الخبز وقطعة من الفجل ، ولا تعجب إذا ذهب أحدهم إلى محل البقالة ليشترى بيضة أو بيضتين .

وحاكم الدولة في هذه الأيام كان محمد ضياء الحق ، كان رئيسا متواضعا قوي الإيمان ، زاهدا في متع الحياة ، فيقال عنه إنه كان بكّاء من خشية الله ، وطعامه الأثير الخبز والجبن والعسل الأسود . وكان يذهب لصلاة الجمعة في شاه فيصل مسجد  وليس معه من الحراس إلا جنديان ، وكان يصلي بين الجمهور ، ويختلط بالناس ، ويتحدث إليهم بعد الصلاة في تواضع جم ، وابتسامة مشرقة . ويقال إنه كان حريصا على تعريب باكستان ، وتحقيقا لهذه الأمنية استدعى أعدادا ضخمة من المدرسين المصريين ، وخصوصا مدرسي الأزهر .

*********

وما قدمته كان لقطات وملامح سريعة مما يسمح به الوقت . لقد قضيت في باكستان شهرين بارك الله فيهما ، وذلك قبل أن أعار للعمل بها لمدة خمس سنوات (1 / 9 / 1984 إلى  31 / 8 / 1989 ) ، وهذا يقتضي الحديث على نحو أوفى وأكثر تفصيلا ، والحمد لله رب العالمين

Print Friendly, PDF & Email
مقالات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

img
القائمة البريدية
img
Advistiment 2

right_logo_3