img
سبعون عاما في حضن اللغة العريبة الحلقة 22
img
Print pagePDF pageEmail page

سبعون عاما في حضن اللغة العريبة

الحلقة الثانية والعشرون

وفي الكويت معارك ودراسات

قضيت في القاهرة أسعد أجازة قضيتها في حياتي ، كنت سعيدا بأسرتي ، سعادة أسرتي بي ، وفرح ياسر ولمياء وأطفال من أقاربنا بما حملته لهم من هدايا. عدت إلى الكويت للمرة الثانية مصاحبا أسرتي المكونة من زوجتي ولمياء وياسر وحنان ، وأنزلنا المسئولون بوزارة التعليم الكويتية شقة فاخرة في حي الشرق ، وهو حي ذو طابع شرقي كحي السيدة زينب والحلمية ، وممن ضمتهم مساكن هذا الحي الأستاذ صلاح الباسل مدرس العلوم وزوجته ، والزميل عبد الله الدياسطي ، وأخرين كلهم من المصريين .

        وبهذه المناسبة أشير إلى أن مدينة الكويت فيها قليل من الأحياء غير مسموح بسكناها لغير الكويتيين أشهرها ” حي الشامية ” ، وهو مجموعة من الفيلات الفاخرة ، ولم أقتنع بما أبداه بعض الكويتيين من سبب تحريم سكنى حي الشامية على غير الكويتيين  .

                                         **********

        وأذكر القارئ بأنني حضرت إلى الكويت بعد أن حصلت من جامعة القاهرة على ليسانس القانون ، والدبلوم العادية في الشريعة الإسلامية من كلية الحقوق بجامعة القاهرة ، وانخرطت في دراسة دبلوم القانون العام الذي كان يقوم بالتدريس فيه فحول الأساتذة من أمثال : الدكتور عبد الحكيم الرفاعي ، والدكتور حامد سلطان ، والدكتورة عائشة راتب والدكتور ثروت بدوي والدكتور سلام مدكور أستاذ الشريعة  .    

      ولو حصلت على هذه الدبلومة لكان معنى هذا حصولي على درجة الماجستير ، مما يهيؤني للإعداد للدكتوراة ، ولكني وجدت أن ” ضرورة سياسية ” تلزمني بمغادرة مصر .

        قلت لا ضير ؛ فمن الممكن أن أكمل دراستي في كلية الحقوق بالكويت وخصوصا أن بعض الأساتذة المصريين انتقلوا إليها معارين مثل : الدكتور سلام مدكور والدكتور رمزي سيف وغيرهما ، وبدأت أخطط لكتابة الدكتوراة في موضوع ” التعسف في استعمال الحق بين الشريعة والقانون ”  ، ولكن  صدق المتنبي إذ قال :

          ما كل ما يتمنى المرء يدركه  = تجري الرياح بما لا تشتهي السفن

     فقواعد القبول في كلية الحقوق في الدراسات العليا بالكويت تعترف بدبلوم الشريعة الإسلامية الذي حصلت عليه من مصر ، ولكن علي قبل ذلك أن أدرس سنة كاملة باللغة الفرنسية ، وأؤدي الدبلومة الثانية باللغة الفرنسية . ولكن قدراتي في اللغة الفرنسية لا تسمح بذلك أبدا ، فلابد من تغيير المسار .

                                  **********

       إنه الأدب … فلأسجل للحصول على درجة الماجستير في الأدب والنقد . مع ملاحظة أنني حصلت قبل إعارتي على السنة التمهيدية للدراسات العليا من كلية دار العلوم . ودعوت الله أن يوفقني إلى اختيار موضوع مناسب ويمنحني القدرة على السير فيه . ويشاء الله أن أقرأ المطولة الملحمية لخليل مطران في ” نيرون ” ، وشدني منها الأبيات الآتية :

                    من يلم نيرون إني لائــم = أمة لو كهرته ارتد كـهــــــرا

                   أمــة لو ناهضته ساعــة =  لانثنى عنها وشيكا واثبجـرا

                   فـاز بالأولى عليـها ولـه =   دونها معذرة التاريخ أحرى

                   كل قوم خالقو نيرونـهـم =  قيصر قيل له أو قيل كسرى

      ( كهرته أي غضبت وتألبت عليه  ) . ( اثبجر : ارتدع وتراجع )

      ورأيت هذه الأبيات  تتفق مع المضمون القرآني الذي يعبر عن مسؤلية الشعب عن ظلم الحاكم كقوله تعالى :    فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ  ” الزخرف  (54)   

         وكذلك قوله تعالى  ”  إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا  “ النساء (97) .

         وجعلت الموضوع الشعر القصصي عند خليل مطران بعد أن قرأت ديوانه بأجزائه الأربعة ، فاكتشفت له أكثر من 50 قصة شعرية ، وقصيدة قصصية ، ووافق مجلس القسم والجامعة على الموضوع وكان المشرف هو ” الدكتور عبد الهادي محبوبة ” ــ زوج الأديبة الناقدة نازك الملائكة ـــ وكلاهما أستاذ في قسم اللغة العربية بجامعة الكويت ، وهو القسم الذي يرأسه أستاذنا عبد السلام هارون .

**********

         وسنعود لمسألة الأطروحة هذه فيما بعد . ولكن  أشير إلى معركة عاتية حمل لواءها مجلة الرائد وهي أن وزارة التعليم قررت بحثا رايته  مشوها ومزورا عن أدب المقاومة وأدب التحرير ، كتبه موجهان للغة العربية فلما راجعته وجدت أخطاء فادحة ، وتزويرا مقصودا لا يخفى على أحد ، وفتحت لي مجلة الرائد صدرها  لكي أبدي رأيي في هذا البحث الضخم الذي بلغ 30 صفحة ، والذي كان مقررا على السنة النهائية من المرحلة الثانوية ، مما دفع يعقوب غنيم وكيل وزارة التعليم الكويتية إلى إلغاء البحث ، وبعد هذا البحث نشرت عدة مقالات عن عبد الرحيم محمود كرائد من رواد المقاومة ، ولأن هذا البحث لم ينشر في مصر أقدمه بتمامة كما كتبته في مجلة الرائد :

بحث مشوه يدرسه طلاب الثانوية العام هذا العام

وقد قدمه المحرر عبد الفتاح الملبجي يالكلمات الآتية :

ـ تشويه له ثمنه!.. فمن المسئول؟

ـ خيال الكاتب أبعده عن التعمق في الدراسة وأوقعه في مآخذ كثيرة.

ـ نقاط كنتائج من خلال البحث تقابلها 6 نقاط للتدليل على الخطأ.

ـ من أصحاب الأصوات التي “تتحدث بغباء وانهزامية”؟!.

ـ الفرق الوحيد بين أدب التحرير وأدب المقاومة في الدرجة وليس في النوع.

ـ ضحالة ثقافية، وإفلاس فكري، وانفلات عاطفي.. هذه هي النتيجة.

ـ أدب المقاومة ليس متميزًا في طبيعته ومفاهيمه ووظيفته “عن أدب” التحرير.

هذا البحث الذي بين أيدينا اليوم، يعتبر صدى لما عرضناه “باللمس” في العدد الماضي حول “أدب التحرير وأدب المقاومة”. وهو بداية بل هو قضية نرى أنها ستأخذ منا وقفات طويلة، ومناقشات واعية.

وأدب المقاومة يقرر لأول مرة هذا العام على طلاب الصف الرابع الثانوي وتلك خطوة في الطريق الصحيح ـ في قضية المناهج ـ وأن كانت متأخرة عما كان يجب أن تكون.

ومع التأخر الطويل لعرض هذا اللون من الأدب الذي نعيش قضيته منذ أكثر من خمسة وعشرين عامًا ـ كأدب محلي لجزء من الأمة العربية فإن خطوتنا ـ كما يبدو ـ تحتاج إلى تغيير في مسارها.

لأجل هذا، فإننا نعرض هذا الموضوع أمام المسئولين في التربية ـ ومنهم المتخصصون في الأدب العربي قبل أن يكونوا مسئولين ـ نعرضه أمامهم واثقين أن الفحص الدقيق سيتناول هذا البحث رغبة في الوصول إلى نتائج قاطعة.. ذلك أن قضايا العلم والتعليم في حاجة إلى مثل هذه النتائج، ولو كان ذلك لفترة قصيرة، إلى أن يظهر جديد فيحيي القديم، أو يضيف إليه أو يغيره.

وأظننا جميعًا نتفق على خطورة إلزام طلابنا بدراسة بحث ربما يكون الخطأ فيه أكثر من الصواب.. والمأساة كلها تكون مدمرة إذا أثبتنا هذا الخطأ ولم نسع إلى تغييره وحذفه.

والرأي في النهاية بيد المسئولين في التربية .. والقضية كلها مطروحة أمام المهتمين بقضايا الأدب والأدباء والمناهج الدراسية.

                               **********

نص مقالي :

يقصد بشعر التحرير كل شعر يستقطب الحرية بمفهومها الشامل، ويدور حولها بصورة صريحة مباشرة، أو بشكل رمزي غير مباشر. وانطلاقًا من هذا المفهوم المبسط يمكن أن يدور شعر التحرير حول المضامين الآتية:

1ـ تمجيد الحرية، والتغزل في محاسنها فالحياة بدونها عبث وعفن وضياع.

2ـ الحث على مناهضة الطغاة والمستعمرين، واستنهاض الشعوب للثورة بحيث يكون الشعر قوة نفسية فاعلة تدفع ولا تدفع.

3ـ تمجيد الأحرار والأبطال والشهداء الذين قدموا أرواحهم في سبيل الوطن زيتًا طهورًا يضيء قناديل المستقبل.

4ـ بعث التراث القومي والتغني بماضي الأمة وحضارتها، ليكون كل ذلك معالم في طريق الكفاح على أرض المجد والدم والعرق.

5ـ تصوير جرائم المستعمرين، وأعداء الشعوب والإنسانية، والتفاعل الحي مع الضحايا من أرض وشعب.

6ـ التطلعات النفسية بالرؤية الشعرية إلى مستقبل وضيء تحكمه قيم إنسانية ثرارة: من حب وسلام ورخاء، وهذه التطلعات لا تنفصل عن ماضي الأمة وحاضرها؛ لأنها تستمد من هذين المعنيين: إما على سبيل الامتداد، وإما على سبيل التعلم والتفاعل.

       تلك هي المضامين التي يدور حولها شعر التحرير بصفة عامة، وهي مضامين كثفها الشعر العربي الحديث وأخلص لها، وأشير في هذا المقام إلى قصائد: الحرية، واللبن والدم لمطران، ـ وإلى طغاة العالم للشابي، ـ ودنشواي وكبار الحوادث في وادي النيل لشوقي، ـ والشهيد والفدائي لإبراهيم طوقان.

     وشعر التحرير بهذا المفهوم يمكن تقسيمه على أساس إقليمي: شعر التحرير المصري ـ شعر التحرير الفلسطيني.. إلخ، كما يمكن تقسيم النوع الواحد على هذا الأساس إلى تقسيمات ذات مستويات مختلفة: فالشعر الفلسطيني يمكن تقسيمه انطلاقًا من الأحداث الفاعلة والمتفاعلة معه تأثرًا وتأثيرًا إلى: شعر ما قبل النكبة ـ شعر النكبة ـ شعر النكسة … إلخ، وكل ذلك اعتمادًا على الخصائص والملامح الجديدة التي اكتسبها في كل معاناة.

ولكنها في مجموعها تقسيمات صناعية تعتمد على (الدرجة والمستوى) أكثر من اعتمادها على “النوع الفاصل المميز”.

                                     **********

      وبعد هذه التوطئة نرى أن ما يطلق عليه (شعر المقاومة) إنما هو شعر تحرير: فهو من الناحية الموضوعية لم يخرج عن المضامين السابقة . وهو من الناحية الفنية لم يستحدث شكلاً انفرد به دون غيره ، هو امتداد لشعر التحرير الذي عرفناه عند شوقي وحافظ ومطران والشابي، وإن تميز في نظري بحدة انفعال تتجاوز حدها ـ في كثير من الأحيان ـ إلى الانفلات الخطابي الذي يعبر عن لون من التمزق النفسي، وإن لم يصل إلى حد التسليم، والانسحاق تحت وطأة المعاناة.

     وشعر المقاومة كشعر التحرير لم ينفصل عن الواقع العربي المحيط به ، ولم يكن في غيبة عن الأحداث التي كانت تعصف بالأمة العربية ـ خارج الأسوار ـ لهز كيانها، وقتل روح الرجولة والبقاء فيها (راجع مثلاً: قصيدة: عناقيد الضياء: تحية حب للجزائر ص 53 من ديوان درويش، عصافير بلا أجنحة، وقصيدة: بورسعيد ص 41 من ديوان: توفيق زياد).

      وشعراء المقاومة كشعراء التحرير لم ينفصلوا عن واقعهم النفسي فغنوا للأرض والحرية والمجد، وغنوا للمرأة والحب أيضًا. بل إن ديوان محمود درويش ـ شاعر المقاومة الأول ـ (عصافير بلا أجنحة) لم يخل من التفجر الشهواني المغرق والجنسية الملتهبة التي تذكرنا بنزار قباني في كثير من قصائده. ففي الديوان المذكور من هذا اللون (هي وأشعاري ص 70) و (رسالة أنثوية ص 77) و (حكاية ص 85) وفيها يقول على لسان عشيقته تحكي لأختها:

                   أختاه غيبني ولم أدر

                   كيف ارتميت على يديه وذاب في صدري

                   لم يكفه يا أخت لم يكف

                   بل راح في لهف ليطفئ رعشة النهد الذي بالنار يلتحف

                   والنار يا أختاه تعترف

                   وغدا ينقط من مزيج النار بالحلب

        وشعر المقاومة الذي يلتقي مع شعر التحرير في المضامين والمحتوى الموضوعي، لم يستطع أن يقدم للعربية عطاء ملحميًا أو قصصيًا كالذي قدمه شاعر الحرية خليل مطران بملحمته (نيرون) ، وقصصه الشعرية: مقتل برزجمهر ، والسور الكبير، وفتاة الجبل الأسود، والطفلة البوبرية.. إلخ.

       ولا أغلو إذا قلت على سبيل الإجمال ـ إن الإنتاج الشعري لثلاثي المقاومة محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد أقل وأصغر ـ كمًا وكيفًا ـ من حجم النكبة الفلسطينية التي خلفتها أكبر جريمة ارتكبها الاستعمار العالمي في تاريخ البشرية، وهو حكم لا يتسع المقام لتفصيله والتدليل على صحته.

       والحقيقة أن الفصل بين أدب التحرير العربي وأدب المقاومة الفلسطيني فصلاً نوعيًّا حادًا ـ كمًا فصل كتاب النصوص ـ يصطدم بواقعين:

 1 ـ الأول: واقع تاريخي خلاصته أن فلسطين جزء لا يتجزأ من الوطن العربي، والصهيونية إنما نمت وربت في ظل الاستعمار العالمي، وتغذت بلبان الاستعمار الإنجليزي الذي كان ذا وجود فعلي في أوطان عربية أخرى وإن اختلفت درجة المعاناة من وطن عربي إلى آخر، والاستعمار ـ في شتى أسمائه ـ يمثل جوهرًا واحدًا، وإن تكيفت صوره وأساليبه اتساقًا مع درجة القابلية وانطلاقًا من “الفرص المعطاة” أو الثغرات المفتوحة.

وقد كان التخطيط الاستعماري دقيقًا بارعًا حتى تجمعت كل الشرائط المطلوبة “لإنضاج المأساة الفلسطينية” فكان ذلك المسخ غير الشرعي: إسرائيل.

ـ 2 الثاني: واقع فني وموضوعي فالدراسة الواعية لشعر المقاومة تصل بنا في النهاية إلى أنه ـ شعر تحرير: يتفق معه في “المنبع الملهم” ويتفق معه في المضامين الثورية والإنسانية وأن اتخذ وجهة ماركسية حادة في كثير جدًّا من قصائده.

       والفرق الوحيد بينه وبين شعر التحرير السابق إنما هو ـ كما ذكرنا ـ فرق في الدرجة  تشمل المستوى الكمي كما تشمل المستوى الانفعالي: ـ فبالنسبة للمستوى الأول نجد أن فلسطين ـ أرضًا وشعبًا وقضية ـ كانت هي الموضوع الغالب على الإنتاج الشعري لثلاثي المقاومة.

       وبالنسبة للمستوى الانفعلاي: كانت الحرارة العاطفية والشحنات النفسية عند شاعر المقاومة أعلى، وأعتى وهي محصلة طبيعية لشعراء فلسطينيين تجاه “مأساة ناضجة” بلغت تضخمها الأليم بنكستي 1956م، 1967م، وعاشوا فصولها: “رؤية واكتواء وإحساسًا وامتزاجًا.

       وبعد هذا المدخل يتضح لنا الخطأ الذي وقع فيه “كتاب النصوص” إذ يرى في أدب المقاومة “أدبًا متميزًا في طبيعته ومفاهيمه ووظيفته عن أدب التحرر العربي” ص 267.

                                 **********

أخطاء ومآخذ جزئية:

وقبل أن نبدي رأينا فيما عرضه الكتاب من خصائص أدب المقاومة، أرى لزامًا علي أن أبرز بعض المآخذ والأخطاء الجزئية التي وقع فيها الكتاب:

1 ـ يتحدث الكتاب عن أدب التحرير وأدب المقاومة ويعني بهما ـ كما يشهد مضمون البحث ـ الشعر دون النثر وهذا خطأ واضح في الإطلاق، فالأدب يعني الشعر والنثر بفنونهما المختلفة.

2 ـ استعمل الكتاب إصطلاح (الشعر الحديث) بديلاً لاصطلاح (الشعر الحر) ص 280.

وهما إطلاقان مختلفان: فالأخير يمثل مرحلة آنية من مراحل الشعر الحديث.

3 ـ يرى الكتاب أن حركة التجديد في الشكل الشعري (الشعر الحر) ظهرت منذ بداية الخمسينيات (ص 280). والحقيقة أن حركة الشعر الحر بدأت بقصيدة (الكوليرا) لنازك الملائكة سنة 1947م، ويرى بعض النقاد أن بدر شاكر السياب هو أول من نظم الشعر الحر في الوطن العربي بقصيدة نشرت في ديوان (أزهار ذابلة) الذي صدر في بغداد في النصف الثاني من كانون الأول سنة 1947م، ويقال أن السياب قد أرخ هذه القصيدة بتاريخ 29/11/1946م .

4 ـ وفي هذه المسألة أيضًا وقع الكتاب المدرسي في غلطة شائعة وهي: أن الشعر الحر تخلص من قيود الوزن والقافية. والصحيح أنه شعر موزون يلتزم وحدة التفعيلة.

5 ـ وصف الكتاب أصوات الذين تحدثوا عن التفوق الصهيوني بأنها أصوات منكرة “تتحدث بغباء وانهزامية” ص 272.

 وهو تعميم خطير وغير علمي، فالذين هونوا من شأن الصهاينة، وأعلنوا أن تدميرهم وإلقاءهم في البحر لن يستغرق ساعات لم يكونوا أكثر ذكاء من الذين تحدثوا عن التفوق الصهيوني، وأحيل الكاتب على دراسات علمية أكاديمية لمفكرين عرب مخلصين وغير أغبياء تحدثوا بإخلاص وذكاء عن جوانب كثيرة من التفوق الإسرائيلي، ومن هؤلاء المرحوم الدكتور جابر عبد الرحمن في كتابه عن “اقتصاد التعاون”.

6ـ الغموض، والتعقيد في بعض العبارات والتراكيب، منها على سبيل التمثيل (الانكفاء الإقليمي) ص 279 ـ (التشرذم العقائدي) ص 286.

7ـ خطابية الأسلوب والترسل الانفعالي والمبالغة المنفوشة في تقييم شعر المقاومة وشعرائها مما يفقد البحث قيمته العلمية، واقرأ معي هذه العبارات التي ساقها الأستاذ الكاتب في مقام حديثه عن أدب المقاومة :

“إنه أدب يواجه عدوانًا يوميًا شرسًا منذ نيف وعشرين عامًا، فالشاعر فيه مقاتل مكانه الميدان لا المكتب الأنيق والمقعد الوثير، مقاتل لا يأبه بالمخاطر ولا يخشى العنف، بل يزيده هذا العنف إصرارًا وتشبثًا بالمقاومة، فإذا هو في طليعة الجماهير يقودها عبر تظاهرة جماعية إلى ساحات البذل والتضحية والفداء وفروسية فذة في المواجهة.. الخ” ص 270.

وصورة الشاعر المقاوم التي رسمتها العبارة الخطابية المنفعلة ـ ولا أقول الفاعلة ـ لا توجد إلا في خيال الأستاذ كاتب البحث فقط، وأستطيع أن أؤكد له أن شعراء المقاومة الثلاثة أسعد حظًا وأهنأ بالاً من اللاجئين الذين يسكنون الخيام ويعانون وطأة البرد، والحر، والمرض، والجوع، ومؤامرات الإبادة.

وربما كانت أشهر تظاهرة في حياة شعراء المقاومة هي تلك التي قادها سميح القاسم، ومحمود درويش كممثلين للشبيبة الإسرائيلية في مهرجان الشباب بصوفيا سنة 1968م، في ظل العلم الإسرائيلي، ودماء الآلاف من أبناء العروبة لم تجف، وكبرياء الأمة العربية كانت لا تزال تنزف بغزارة وألم عميق.

                                **********

خصائص أدب المقاومة:

المحنا سابقًا إلى أن كتاب النصوص يقصد بالأدب ـ في أغلب استعمالاته ـ الشعر دون النثر، وهو يرى أن ثمة فروقًا جوهرية بين أدب التحرير وأدب المقاومة تجعلهما مختلفين في الطبيعة والوظيفة. وقد آن لنا أن نعرض لأهم هذه الفروق مدلين برأينا فيها:

1 ـ “يغلب على بعض أدب التحرير اللهجة الخطابية، والضجيج اللفظي ؛ فالكلمة فيه صاخبة، ولكنها غير فاعلة، وعلى نقيض ذلك أدب المقاومة الذي تبرز فيه الكلمة سلاحًا وأداة من أدوات الثورة؛ لأن الشاعر فيه مقاتل فارس يقود الجماهير إلى ساحات البذل والفداء …” ص 270.

والصخب اللفظي ـ في رأيي ـ يأتي نتيجة ضحالة ثقافية، وإفلاس فكري أو انفلات انفعالي، ينطلق بلا ضوابط ، فتأتي الكلمات جوفاء منفوشة هشة المحتوى.

والواقع أن حظ شعر التحرير من هذه “الوصمة الفنية” ضئيل جدًّا وإذا رجعنا إلى النماذج التي ساقها كتاب النصوص من شعر التحرير  لشوقي والشابي، وأبي سلمى، وغيرهم ـ وجدناها قد تبرأت تمامًا من الضجيج اللفظي المفتعل، كما أن المضمون الفكري الذي ينبثق من هذه القصائد أثرى بكثير من المضامين التي حوتها النماذج الشعرية للثلاثي درويش وسميح وزياد.

فقصيدة “اتحدى” المقررة على الطلاب هذا العام لم تخل من الضبابية الفكرية غير المقبولة، ولم تخل من الألفاظ المرصوصة ذات الصخب الحاد ذلك الصخب الذي دفع الشاعر إلى تكرار كلمة “اتحدى” اثنتي عشرة مرة بلا مبرر موضوعي أو فني، والأبيات كلها تدور حول فكرة واحدة ألح عليها الشاعر إلى حد الاستنزاف ، وخلاصتها “سأبقى رافضًا متحديًا مهما كانت المشاق والمصاعب”، وهي فكرة عالجها أبو القاسم الشابي في قصيدته “إرادة الحياة” بفكر أعمق وخيال أخصب وفن أبرع.

وما دمنا في مقام الموازنة اللفظية يحق لي أن أسأل عن “الكلمة الفاعلة” في مثل قول توفيق زياد (الديوان ص 172).

        قبــضات كأنــها مــن حــديــد =   رمز عزم وقوة وصمود

       في وجود الطغاة والمستغل ال =  كد ح تهتز لانتصار أكيد

إننا ولا شك أمام أسلوب لا يختلف عن أسلوب الحديث الدارج.

وحديث الكتاب المدرسي عن شعراء المقاومة ويكاد يحصرهم في الثلاثي المعروف ـ يوهم القارئ بأنه أمام شعراء يرفعون السلاح بيد ويمسكون القلم بيد أخرى ، وإن كلماتهم (الفاعلة) تنطلق من أفواههم انطلاق الرصاص من بنادقهم ثوارًا فدائيين يفترشون الأشواك في الخنادق والسفوح، وهي صورة أيسر ما يقال عنها أنها لا تتفق مع الواقع. فلم نعرف من هؤلاء شاعرًا واحدًا رفع السلح في سبيل الأرض السليبة.

على أن مفهوم النضال والحرية عند هؤلاء لم يكن خالصًا نقيًا كما كان عند شعراء التحرير السابقين، فهذا المفهوم عند ثلاثي المقاومة يرتبط ارتباطًا متلاحمًا بالاتجاه الماركسي الحاد: فتوفيق زياد في قصيدة (غفارين) يرى أن الحق كل الحق ما يقوله لينين:

إنه مثلك .. مثلي مثل كل الآخرين

عامل يؤمن بالحق.. بالحق بما قال لينين.

وقد يأخذ هذا الاتجاه  الماركسي عندهم صورة إلحادية صريحة وصارخة تتنكر للقيم الدينية والتراث السلفي بل وتصل إلى حد الكفر بالوجود الإلهي كما نرى في ديوان سميح القاسم (طلب انتساب للحزب) ص 26:

سقطت لدى مزار الضوء

أعشى ضائع الخطوة

بلا حول ولا قوة

دعوت الأولياء الصالحين

فردت الوديان

إلهك كان يا هذا

إلهك كان

وقهقهت السفوح السود

والقمم النحاسية

إلهك كان ياطرح الأناشيد الحماسية

أما الإله الجديد الذي يؤمن به الشاعر ويخلص له التسليم والعبودية فيأتي:

بصورة سفر تكوين

يسمى الاشتراكية

فأين في هؤلاء ـ كما ذكر الكتاب (الشاعر المقاتل الذي لا يأبه للمخاطر، ويقود الجماهير إلى البذل والفداء). ص 270 وهل في هؤلاء حقًّا ـ كما نص الكتاب ـ “الشاعر الجندي في ساحة القتال ، يواجه في كل يوم بل في كل ساعة أثقال المعركة وأعباءها”. ص 275.

وإذا كانت هذه الصورة لا وجود لها في واقع ثلاثي المقاومة فنحن لا نعدمها في شعراء التحرير السابقين في شاعر فارس مقاتل مثل البارودي الذي دفع السنوات الطوال من عمره  سجنًا وغربة، وصحة وشبابًا، وكان ارتباطه الوحيد ـ عقيدة ومذهبًا ـ بكفاح الأمة ونضالها في مواجهة حكم فاسد خائن واستعمار فاجر منهوم.

2 ـ “شعر التحرير قاوم ويقاوم عدوانًا خارجيًّا لا يستهدف تغيير طبيعة الأرض، فلذلك لم تنغرس طبيعة الأرض في ضمير هذا الأدب كما هي الحال في شعر المقاومة” الكتاب ص 270.

والخطأ هنا فادح ينقضه التاريخ، فالعدوان على الأمة العربية كان دائمًا عدوانًا خارجيًا ـ وإن اصطنع له عملاء وأعوانًا من الداخل. والعدوان الصهيوني على فلسطين كان عدوانًا “وافدًا” شأنه شأن العدوان الفرنسي على الجزائر.

والروافد التي تغذي الاستعمار الصهيوني حتى الآن روافد تنبع من خارج الأرض المحتلة وتعتمد اعتمادًا كليًا  على المآصل الاستعمارية الاخرى وبخاصة أمريكا، وهي بديهية أجد من فضول القول الإسهاب فيها.

والاستعمار الفرنسي حاول بالقهر والوحشية ـ على مدى طويل ـ أن يغير طبيعة الأرض الجزائرية والوجود الجزائري نفسه، وكان ينظر إلى أرض الجزائر كامتداد طبيعي لفرنسا وكانت النشرات اليومية التي تصدر للجنود الفرنسيين في الجزائر تذكرهم بأنهم في أرض فرنسية “وأن نبيذ باريس من كروم الجزائر …. إلخ”.

ولكن دماء مليون شهيد جزائري سحقت هذا المعتقد، وحطمت ذاك المخطط.

وشعراء التحرير كان عشق الأرض والوطن سمة موضوعية بارزة في شعرهم، وأحيل مؤلفيْ الكتاب على أندلسيات شوقي ، وديوان (أغاني إفريقيا) “لمحمد الفيتوري” ، وشعر البارودي في المنفى، وديوان “وطنيتي لعلي الغاياتي”.

3ـ يرى الكاتب أن رفض الهزيمة وتحديها كان سمة تميز أدب المقاومة، أما بعض شعراء التحرير فقد “ركبهم اليأس واستحوذ علهيم تشاؤم أسود قاتم فسمعنا في شعرهم رنة اليأس وآنين الانسحاق، كتاب النصوص ص 271.

والمفروض أن يكون التفريق على أساس الظواهر الموضوعية والفنية الغالبة ، لا السمات القليلة أو النادرة، والواقع أن الروح الآملة ، والتطلعات المتفتحة للنصر لم تكن سمة انفرد بها شعر المقاومة، بل كانت هذه الروح أيضًا متغلغلة في قوة ووضوح في شعر التحرير السابق للنكسة، والمزامن لها . ومن أقوى القصائد الرافضة قصيدة محمود حسن إسماعيل (رفض الهزيمة) .

وكان على الأستاذ الكاتب أن يفرق بين رنة الحزن وأنين الانسحاق وشتان ما هما، ولا تلازم بينهما: فقد يبدو الشاعر حزينًا، ولكنه غير انهزامي، وغير منسحق، ورنة الحزن ـ لا آنين الانسحاق ـ كانت قاسمًا مشتركًا بين الجميع: شعراء التحرير وشعراء المقاومة، وهذا الاتجاه كان نتيجة طبيعية تمخضت عنها أحداث النكبة بكل فصولها، وقد تبدو رنة الحزن قريبة من الندب المستسلم المنهار في بعض قصائد المقاومة كقصيدة (خائف يا قمر) لتوفيق زياد (الديوان ص 93) وفيها يقول:

أنا خائف يا قمر

من الليل. منك ومن ضوئك المنكسر

“أخوي الكبير” مضى لم يعد

بعد منذ الصباح

وأمي في الباب موجعة تنتظر

تحدق في أوجه العابرين

تسائل هذا وذاك بقلب حزين

“لقيته؟ شفته؟ يا للسماء”

وترجع يائسة ترتمي  

على عتبة البيت عاصفة من بكاء.

ولا يفوتنا أن نشير هنا إلى قصيدة أحدثت ضجة عنيفة بعد النكسة،  وعدها بعض النقاد ضربًا من اليأس والاستسلام والانهزامية؛ لأن الشاعر يظهر فيه وقد فقد الأمل في كل ما حوله ومن حوله وفي الجيل الذي يعايشه، وأعني بها قصيدة “هوامش على دفتر النكسة” لنزار قباني.

ولكن الشاعر الذي ظهر يائسًا متشائمًا انتهى في آخر القصيدة آملاً متفتحًا متطلعًا إلى جيل النصر القادم:

يا أيها الأطفال

يا مطر الربيع يا سنابل الآمال

أنتم بذور الخصب في حياتنا العقيمة

وأنتم الجيل الذي سيهزم الهزيمة

4ـ “أدب التحرر لم يستدرج إلى معركة فرضت عليه فرضًا، صحيح أن التآمر الاستعماري قد دفع به إلى الميدان، ولكنه لم يخض المعركة ولم يكتو بنارها، اكتفى بأن صورها من الخارج، وشتان ما بين هذا التصوير الخارجي وبين التصوير الداخلي للمعتركة الذي يبرز بروزًا واضحًا في شعر المقاومة حيث الشاعر جندي في ساحة القتال …” الخ الكتاب ص 274.

وهو تفريق لا يقوم على أساس سليم، فالأدب الذي يستدرج أو يدفع به لا يسمى أدبًا، كما أن معيار التفضيل بين الأدبين على أساس التصوير من الخارج أو الداخل معيار غير دقيق؛ لأن مرجع التفضيل هو الأصالة الفنية والصدق الشعوري، وبراعة الأداء، بغض النظر عن مكان الشاعر في الأرض التي ينطلق منها.

والشاعر الموهوب قد يتمثل التجربة بالتصور الخلاق والخيال البارع، وينفعل بلها ولها أكثر من شاعر مارس التجربة واكتوى بنارها في واقع الحياة ولكنه محدود المدى ضيق الأرجاء.

ومن شعراء التحرير المقاتلين من اكتوى بنار  الكفاح ضد المستعمر أكثر مما لاقى ثلاثي المقاومة وما عاناه البارودي في منفاه كان أضعاف أضعاف ما لاقاه سميح القاسم في معتقله بالأرض المحتلة سنة 1969م.

على أن من الشعراء الفلسطينيين في المهجر من استطاع أن صور المأساة ويعبر عن روح الإصرار والتحدي الصارم “من الخارج” بعطاء شعري يفوق كثيرًا ما قدمه ثبلاثي المقاومة “من الداخل” وأذكر هنا باعتزاز وفخر الشاعر هارون هاشم الذي تحولت كلماته أغان جماهيرية تلهب المشاعر وتشعل الوجدان.

5ـ وقع الكتاب في تناقض  حين علل اقتصار أدب المقاومة على الشعر دون الأشكال التعبيرية الأخرى من رواية وقصة ومسرحية بهجرة القيادات الفكرية والسياسية، وجميع الكفايات الثقافية والعلمية بعد وقوعت النكبة ص 279.

وهو تعليل قريب من الواقع إلى حد بعيد؛ لأن هذه الأشكال الفنية وخاصة المسرحية تحتاج إلى مستوى راق من الثقافة المكتسبة لم تتوفر لشعراء المقاومة الذين ـ كما يقول الكتاب ـ “ثقفوا أنفسهم بأنفسهم وتتلمذوا على الشعراء القدامى والمعاصرين” ص 279.

ثم عاد فذكر أن هؤلاء أضربوا عن هذه الأنواع ـ مع قدرتهم عليها ـ واكتفوا بالشعر؛ لأنه “الشكل الوحيد من الأشكال الأدبية الذي يمكن له أن يذيع وينتشر في ظل القوانين الصارمة التي تمنع النشر وتحول دون إصدار المطبوعات” ص 280.

ويلاحظ في هذا المقام أن كثيرًا من دواوين شعراء المقاومة قد طبعت في الأرض المحتلة، ومنها ديوان سميح “أغاني الدروب” وأن إسرائيل سمحت بنشر 64 كتابًا لفلسطينيين عرب في الأرض المحتلة  من سنة 1948م إلى سنة 1968م منها 21 ديوان شعر و 19 مجموعة قصصية و 11 رواية، بل أنها سمحت بإعادة طبع قصة “أنا أيا” للكاتبة اللبنانية ليلى بعلبكي في الأرض المحتلة على ما فيها من نقد مر لاذع لإسرائيل والصهيونية، وهذه الإحصائية التي توضح أن الإنتاج القصصي والروائي للفلسطينيين في الأرض المحتلة هو الإنتاج الغالب ـ هذه الإحصائية تنقض التعليل الثاني الذي ذهب إليه الكتاب وهدف السلطة الإسرائيلية من السماح بالنشر ليس هو الحرص على الحرية وإلا لأعادوا الوطن السليب والحقوق المغتصبة لأهلها، ولكنها ترمي بذلك إلى تحقيق غايتين: التظاهر الدعائي بحرية الفكر، وامتصاص الطاقة العربية الناقمة المتفجرة في قلوب أبناء الوطن السليب.

بين أدب القاومة وأدب الفلسطينيين في المهاجر:

أخفق الكتاب المدرسي ـ في نظري ـ إخفاقًا ذريعًا بإيجازه المغلق في بيان الملامح الفاصلة بين الأدبين في بيان الملامح الفاصلة بين الأدبين وقد حصر الفروق بينهما في أربعة يمكن اختزالها في اثنين جوهريين هما:

1ـ “أن التشرذم العقائدي الذي أصاب فلسطينيي المهاجر قد جعل لهم أصواتًا متعددة، في حين لا نسمع لشعراء المقاومة إلا صوتًا واحدًا هو صوت المقاومة” ص 286.

وهي عبارة انقلها بالنص، واعترف بعجزي المطبق عن فهمها بله شرحها لطلابي وخاصة أن الكتاب لم يقدم مثلاً واحدًا شارحًا يزيل هذا الانبهام المطلق ما التشرذم العقائدي؟ ما الأصوات المتعددة؟ فلست أدري،( ولست أدري نصف العلم.)

وقد بينا في أول مقالنا أن ثلاثي المقاومة كان لهم أصوات إلحادية حادة ومنكرة.

2ـ “وقوف الشعر الفلسطيني في المهاجر موقفًا سلبيًا من القضية الفلسطينية فاكتفى بالبكاء ووصف شقاء اللاجئين والانفصال الوجداني بينه وبين أبناء فلسطين داخل الأسوار، ومن ثم فشل في تكوين الوجدان المقاوم  كشعر المقاومة الذي نجح نجاحًا باهرًا لاتخاذه موقفًا إيجابيًا قويًا فاعلاً (الكتاب ص 286).

وهذا أخطر ما في الموضوع، ويمكن الرد عليه ـ في إيجاز غير مخل ـ بما يأتي:

أـ شعر المقاومة ـ في نماذجه العليا ـ ليس بدعًا في نوعه، وقد وضحنا سابقًا أنه “أدب تحرير فلسطيني” لا يختلف عن “أدب التحرير” إلا في الدرجة كما فصلت، ونستطيع أن نرى جذوره الفلسطينية السليمة الأصلية بوضوح عند شعراء فلسطين السابقين الشوامخ مثل: أبي سلمى، وإبراهيم طوقان.

والأستاذ الكاتب قد ذكر من قبل أن الثقافة الأدبية لشعراء المقاومة ترجع أساسًا إلى أنهم “درسوا وتتلمذوا على الشعراء القدامى والمعاصرين ” ص 279.

ب ـ لم يقف شعراء فلسطين في المهجر موقفًا سلبيًا من القضية، فهم لم ينفصلوا بوجدانهم عن إخوانهم، ولم يكتفوا بالبكاء على الأرض السلبية وأهلهم المشردين، وحتى لا اتخم الصفحات بحقائق تعد من المسلمات ـ أحيل الكاتب إلى ديوان واحد لشاعر فلسطيني في المهجر هو ديوان “مع الغرباء” للشاعر هارون هاشم رشيد، وبه قرابة أربعين قصيدة كلها تتدفق بالحزن والألم والانفعال الصادق كما تنفجر بالإصرار الإيجابي والعزم الوثاب والأمل الباسم في عودة ظافرة على طريق العرق والدم والكفاح.

والحزن والبكاء ليسا انسحاقًا وسلبية إذا كانا دفعة لتحقيق الأمل المنشود. ولنقرأ له هذه الأبيات من قصيدة بعنوان “واحد منهم”.

فنحن سنبقى على عهدنا

من لثأر ندعو ونستلهم

إلى أن نعود إلى أرضنا

وراياتنا فوقنا تبسم

وأنا غدًا عائدون إليها

ـ ندوس اللصوص ولا نرحم

شعارتنا فافهموا  واعلموا

حديد قوي.. ونار . دم

ومن من الجماهير العربية المؤمنة لم يغن مع الشاعر الكبير أنشودة الثأر الهادرة التي يقول فيها:

لن ينام الثأر في صدري وإن طال مداه

لا ولن يهدأ روحي وفي قلبي لظاه

صوت أمي لم يزل في مسمع الدنيا صداه

وأبي ما زال في سمعي وفي روحي نداه

ان تقدم ثابت الخطو إلى الحق تقدم

وتقحم حالك الأهوال للثأر تقحم

                                     **********

والبحث بعد ذلك ناقص الأوصال :

نعم بحث (أدب المقاومة) الذي استغرق خمسًا وعشرين صفحة من كتاب الأدب والنصوص للصف الرابع الثانوي، أي قرابة ثلث الصفحات المخصصة لمنهج الأدب على مدار العام ـ هذا البحث لم يغط كل عناصر الموضوع، فيجب إعادة النظر فيه، وإعادة كتابته من جديد بصورة منهجية محايدة وشاملة ليغطي الجوانب الضرورية التي لم يتناولها بكلمة وهي:

1ـ تأصيل شعر المقاومة ورده إلى جذوره الطليعية الأولى، وبيان المناهل الرئيسية التي نهل منها، والعوامل التي وجهت مسيرته، مع بيان مراحل هذه المسيرة، ومعدلات تطوره ومستقبله.

2ـ تعريف موجز بأشهر شعراء المقاومة.

3ـ عرض وتقييم وجز لشعر المقاومة خارج الارض المحتلة، ومدى توافقه أو اختلافه عن شعر المقاومة داخلها، مع سوق الأمثلة الموضحة.

4 ـ شعر المقاومة الفلسطيني ومدى اتصاله بشعر المقاومة العالمي.

وأخيرًا أحب قبل أن أودع هذه الصفحات أن أبرز أمرين منعًا للبس:

الأول: إن ما كتبته في هذه الصفحات لم يكن تقييمًا لشعر المقاومة بقدر ما كان تقييمًا لما كتب عن هذا الشعر في الكتابالمدرسي المقرر.

الثاني: إنني لم يدفعني إلى هذا التقييم ـ علم الله ـ إلا حرصي على الحقيقة ـ ونحن نحاول أن نعلمها ونصل إليها حتى نستطيع أن نعلمها أبناءنا الطلاب، وما قدمته اجتهاد متواضع قد لا يكون الصواب في جانبه فليكن حظي أذن أجرًا واحدًا، وأجر واحد ليس بالحظ اليسير، والكمال لله وحده.

 

Print Friendly, PDF & Email
مقالات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

img
القائمة البريدية
img
Advistiment 2

right_logo_3