img
سبعون عاما في حضن اللغة العربية الحلقة 13
img
Print pagePDF pageEmail page

سبعون عاما في حضن اللغة العربية

الحلقة الثالثة عشرة

سنوات دار العلوم : وقائع وأحداث

     سيظل عبد القادر عودة معلما شامخا من معالم العلم ، والفقه والقانون ، والقيادة ، والدعوة الإسلامية . وفي السطور الآتية نلقي بعض الضوء على مسيرة حياته :

     عبد القادر عودة (1324 هـ1374 هـ، 19061954م)، حصل على البكالوريا سنة 1348 هـ، ثم التحق بكلية الحقوق بالقاهرة، وتخرج فيها عام 1930م، وكان من أول الناجحين.

     التحق بوظائف النيابة ، ثم القضاء ، وكانت له مواقف  مثالية في عهــد “إبراهيم عبد الهادي” رئيس الوزراء في عهد الملك فاروق آخر ملوك مصر.      قدمتْ إليه -ـ وهو قاضٍ-ـ أكثر من قضية من القضايا المترتبة على الأمر العسكري بحل جماعة “الإخوان المسلمين”، فكان يقضي فيها بالبراءة؛ استنادًا إلى أن أمر الحل غير شرعي .

     في عام 1951م استقال من منصبه الكبير في القضاء، وانقطع للعمل في الدعوة، مستعيضًا عن راتبه الحكومي بفتح مكتب للمحاماة، لكن لم يلبث أن بلغ أرفع مكانة بين أقرانه المحامين.

     في عهد اللواء محمد نجيب عُيّن عضوًا في لجنة وضع الدستور المصري، وكان له فيها مواقف لامعة في الدفاع عن الحريات، ومحاولة إقامة الدستور على أسس واضحة من أصول الإسلام، وتعاليم القرآن.

     تم إعدامه بعد اتهام جماعة الإخوان المسلمين بمحاولة اغتيال الرئيس المصري جمال عبد الناصر في حادثة المنشية عام 1954م، ، وعدد آخر من قيادات الإخوان المسلمين وهم الشيخ محمد فرغلي ويوسف طلعت وإبراهيم الطيب المحامى وهنداوي دوير المحامى ومحمود عبد اللطيف. وتم الحكم إعدامهم في 9 ديسمبر 1954.

في يوم الخميس 9 ديسمبر عام 1954م كان موعد تنفيذ حكم الإعدام على عبد القادر عودة وخمسة من إخوانه… وتقدم الشهيد “عودة” إلى منصة الإعدام وهو يقول: “ماذا يهمني أين أموت؛ أكان ذلك على فراشي، أو في ساحة القتال.. أسيرًا، أو حرًّا.. إنني ذاهب إلى لقاء الله”، ثم توجه إلى الحاضرين وقال لهم: “أشكر الله الذي منحني الشهادة.. إن دمي سينفجر على الثورة، وسيكون لعنةً عليها”.

هذا وقد كنت واحدا من شهود الوقائع التي قادت عبد القادر عودة إلى الشهادة . وأوجزها فيما يأتي :

     الإخوان ومظاهرة فبراير1954

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قدم محمد نجيب استقالته من منصب الرياسة في 22 فبراير 1954 اعتراضا على انحراف ضباط الثورة ..وفي 25 فبراير أصدر مجلس القيادة بيان إقالـته  , وحاول البيان الانتقاص من دور نجيب وتشويه صورته أمام الجماهير . اتخذ ضباط مجلس القيادة هذا القرار وكلهم ثقة في أنهم قد نجحوا في مخططهم بإزاحة نجيب, وحينما أذيع بيان إقالته علي الملأ خرجت الجماهير تحتج عليه وانهالت البرقيات علي المجلس ودور الصحف ترفض الاستقالة .. واندلعت المظاهرات التلقائية في القاهرة والأقاليم لمدة ثلاثة أيام تؤيد نجيب وكانت الجماهير تهتف (محمد نجيب أو الثورة) وفي السودان اندلعت مظاهرات جارفة تهتف (لا وحدة بلا نجيب), وانقسم الجيش بين مؤيد لعودة اللواء محمد نجيب وإقرار الحياة النيابية وبين المناصرين لمجلس قيادة الثورة , وكان سلاح الفرسان أكثر أسلحة الجيش تعاطفا مع نجيب  . وأشرفت البلاد علي حرب أهلية وتداركا للموقف أصدر مجلس القيادة بيانا الساعة السادسة من مساء 27 فبراير 1954 جاء فيه ” حفاظا علي وحدة الأمة يعلن مجلس قيادة الثورة عودة اللواء أركان حرب محمد نجيب رئيسا للجمهورية وقد وافق سيادته علي ذلك”… وهكذا عاد نجيب إلي الحكم علي أكتاف الجماهير التي خرجت في مظاهرات شعبية لم تعدها مصر من قبل.

                          **********

وقامت مظاهرة الإخوان

وخلاصة  رؤيتي الميدانية للمظاهرة التي قام بها الإخوان, وتجمعت داخل سور قصر عابدين وخارجه, وبلغ عدد المتظاهرين مائة وخمسين ألفًا تقريبًا في 28/2/1954, خطب فيهم محمد نجيب, وطلب منهم الانصراف فلم يستجيبوا للأمر, فاستعان بالأستاذ عبد القادر عودة, فصرف المظاهرة في دقيقة واحدة.
وإليكم التفصيل…
– تنفيذًا لأمر القيادة الإخوانية – تجمعنا في جامعة القاهرة في الصباح الباكر يوم 28/2/1954. ثم تحركنا وانضم إلينا طلاب المدرسة السعيدية ، وعدد كبير من الإخوة السودانيين . وخرجنا من الجامعة قاصدين الانضمام إلي التجمع الرئيسي في عابدين. لم يكن كوبري الجامعة قد بُني بعد, فسرنا إلي كوبري قصر النيل سالكين شارع «مراد». لم يكن هناك هتاف واحد للمظاهرة لضخامتها, فقد قُدر عدد المتظاهرين بستة وثلاثين ألفًا.. في «كراديس» أي مجموعات متجاورة بهتافات متعددة ذات مضمون أساسي واحد ، ومنها : إلي الثكنات إلي الثكنات – إلي الثكنات رجال الجيش» – «انتصر الشعب فجاء نجيب» – «الحرية.. الحرية يا أعداء الإنسانية» .. إلخ, وكان للتجمع السوداني تميز واضح.
     ووصلنا إلي كوبري قصر النيل وقطعناه إلي حيث يصب في  ميدان التحرير, حتى ننطلق منه إلى عابدين . كنت في طليعة المظاهرة . وكان قائد الطليعة بهتافاته القوية الأخ حلمي حنفي (من المعادي). نظرنا فرأينا الكوبري قد سُد بالجنود موجهين «السونكيات» إلينا, ورأيت وراءهم عددًا آخر يرقدون علي الأرض وأمامهم مدافع «البرن» وأصابعهم علي «الزناد» .. ترسانة حربية في وضع الاستعداد وكلهم في عدة كاملة…
       زاد الضغط علينا من الخلف ـ وكنا في الصف الأول من المظاهرة ـ  لأن الإخوان  خلفنا لا يرون ما نراه.. حتي أصبحت السونكيات ملاصقة لصدورنا وبطوننا. كل ذلك رأيناه, ولآخر لحظة كنت أعتقد أن ذلك لن يتعدي التهديد النظري. إلي أن رأيت الضابط الكبير يصيح مشيرًا بيده: «اضْرب» ..وبدأت الـمجزرة: سقط من إخواننا شهيدان.. وجرح عشرات.. وتفرقت المظاهرة.. جرينا ناحية اليمين, ودخلنا دهليز فندق «سميراميس». كنا قرابة عشرين أذكر منهم الأخ عبد المنعم الشيخ (ابن دماص – ميت غمر محافظة الدقهلية ، وزميلنا في دار العلوم).. وخشينا أن يتبعنا الجنود ويقضوا علينا … صعدنا إلي أعلي حيث المدخل الرئيسي واتفقنا علي الخروج واحدا.. واحدا ، واثنين اثنين…
    خرجت أنا والأخ عبد المنعم ..وبقية المجموعة ورأينا أمام الكوبري بركة من الدم.. سرنا في الكوبري ,  ووقفنا في وسطه … كنا قرابة مائة من الإخـوان ، 

           جرينا  إلي شاطئ النيل أمام حديقة الأندلس, وركبنا «القوارب» إلي الشاطئ الآخر بعيدًا عن تجمع الجنود, وسرنا علي الأقدام إلي قصر عابدين حيث المظاهرة الكبرى , كان المتظاهرون قرابة مائة وخمسين ألفًا.. منهم عشرات ألوف يرفعون المصاحف, وقرابة عشرة يرفعون مناديل مضرجة بدماء ضحايا مجزرة كوبري قصر النيل, وسمعنا ضمن الهتافات «دماء الجامعة يا نجيب».. كان محمد نجيب يقف في الشرفة, وكان عبد القادر عودة – رحمه الله – يقف تحت الشرفة مع مجموعة من الإخوان, ولم يرفع منديلاً مضرجًا بالدم كما ذكر حسين الشافعي, بل كان الإخوة الذين يرفعون المناديل بعيدين عنه, لأنهم وصلوا متأخرين.
      بذلت جهدا خارقا إلى أن وجدت نفسي قريبا جدا من الأستاذعودة رحمه الله .وخطب محمد نجيب ، وكان بجانبه خالد محيي الدين أو شخص يشبهه بالحلة العسكرية (والكاب الأحمر). قال نجيب ضمن ما قال «أما الذين أساءوا إليّ فقد عفوت عنهم ، وقد أمرت بتكوين جمعية تأسيسية لوضع دستور, وإقرار نظام نيابي حر».

     وبعد أن انتهى من خطبته حاول صرف المتظاهرين, فلم يستجب أحد.فطلب من الأستذ عودة أن يصعد إليه ، فاستجاب ، ووقف  بجانبه ، وألقى كلمة قصيرة جاء فيها “إن الإخوان المسلمين يؤيدون محمد نجيب, ويقفون في صف الحرية والديمقراطية.وعودة الحكم للشعب ” .

    وبعدها رفع الأستاذ عودة يده مشيرًا بها قائلاً: «والآن انصرفوا دون هتاف..».. سبحان الله .. إنهم جنود ملتزمون.. وهذا هو سر نجاح هذه الجماعة المباركة…مهما تكالبت عليها المحن ، دقائق تعد علي أصابع اليد الواحدة.. وكأن الأرض قد ابتلعت هذه الكتل البشرية..

   وغادرت ساحة عابدين وأنا أكاد أطير من الفرح ، والتقيت وأنا منصرف بالأخ حسن عبد الغفور الذي كان يسبقنا بعام أو عامين في كلية  دار العلوم..وهو من أبناء “الدِّر” بأقصى جنوب مصر .وهالني أن أري دموعًا في عينيه…
ــ ما هذا يا أخ حسن .. إنه يوم الفرحة الكبري… عاد محمد نجيب. وأثبت الأستاذ عبد القادر أن دعوتنا: قيادة وجندية, فعلام تبكي إذن ؟!!!
ــ أبكي علي الأستاذ عبد القادر عودة… لقد حكم علي نفسه بالإعدام.. من دقائق.

ــ يا رجل لا داعي للتشاؤم …أنسيت هتافنا ” الله معنا ، عزت أواصرنا ، طابت عناصرنا ، الله ناصرنا ، لا عبد يخزينا ” ؟!

وحاولت أن أغير مجرى الحديث ( وكان له سنَّـة مخلوعة في فكه العلوي ) .فأخذت أداعبه :

ــ هيه خلينا في سنتك المخلوعة … لازم تركب واحدة جديدة ، وإلا لن تكون عريسا مقبولا.

ولكنه لم يستجب لمداعبتي .
وصدق حدس الأخ الحبيب.فدبرت مسرحية المنشية ، ثم كانت المحاكمات الظالمة .واعدم الأستاذ عبد القادر وثلة من الإخوان  ، وتعرضت الجماعة لمحنة عاتية .

**********

وكان لشخصية الأستاذ عبد القادر عودة ــ رحمه الله ــ وللوقائع الدامية التي صنعت مأساة الإخوان … بل مصر كلها ، كان لكل أولئك آثار نفسية بالغة ، لازمتني ، وما زالت . ونبض بها قلمي سنة 2004 م في عمل فني هو :

محكمة الهزل العليا تحاكم الأيدي المتوضئة

( مسرحية شعرية )

 

شخصيات المسرحية

ـ الملك المنصور .

ـ رومليون : القائد العام للجيش .

ـ صندوق الواشي : رئيس جهاز البص القومي .

ـ قلمون الهايص : المستشار الصحفي للملك المنصور والناطق الرسمي باسمه .

ـ محزون المايل : كبير ياوران الملك المنصور .

ـ هيئة محكمة العدل (أو الهزل) العليا من :

الضابط الصارم رئيساً .( المقصود به جمال سالم )

الضابط الفاحم عضو يمين .( المقصود به أنور السادات )

الضابط الشاحم عضو يسار . ( المقصود به حسين الشافعي )

جهلان العارف : المدعي العام .

ـ صوصاوي العرة : ابن بلد : فتوة ومحترف مظاهرات .

ـ التاريخ : هو الراوية والشاهد على العصر .

زيادة على شخصيات : نكرات من ضباط ، وجنود ، وغيرهم …

ـ زمن المسرحية .. ؟

……………………….

……………………….

الصارم : والآن دور المتهمين :

المتهم الأول : عبد القادر فودة ( الاسم الفني لعبد القادر عودة )

عبد القادر : موجود

(يفتح الشرطي باب القفص ويخرج عبد القادر ويقف أمام المنصة)

الصارم : عملك ؟

عبد القادر : قاضٍ سابق ، ومحامٍ حالياً

الصارم : منْ ذا سيدافعُ عَنْك ؟

عبد القادر : عن نفسي سأدافعُ إن شاءَ اللهْ .

” إن الله يدافع عن الذين آمنوا “

الصارم : ها قدْ أسمَعَكَ الأستاذ العارفُ

ما وُجِّه نحوك من تهم .. ما قولكْ ؟

عبد القادر : إني من ذلك جدُّ برئ ..

ولأني سأدافع عن نفسي

يلزمني أن أطلعَ على كلّ محاضر

تحقيقاتِ التهم المنسوبة لي

الصارم : هذا حقكَ .. دون نقاش .

وأمامك خمسُ دقائق .. بل عشر دقائق تقرأ ما شئت ، وتكتب ما شئت

عبد القادر : يا قاضي محكمة العدل ..

إني أحتاج لساعاتٍ

عشر دقائق لا تكفي

الصارم : (وهو يسلمه ملفاً ضخماً جداً به محاضر التحقيقات)

…………………………………………………

 

الصارم (موجهاً كلامه لعبد القادر فادي) :

هيه .. قد نلتَ من الوقتِ كفايةْ

(يتقدم عبد القادر ويسلم الملف الضخم للقاضي الصارم ، ويبدأ مرافعته)

عبد القادر : يا قاضي محكمة العدل العليا

إني متهمٌ بجرائمَ لو صحَّتْ كنتُ أنا الجاني

وسيادتكم مَنْ وقعَ عليه جناياتي

الصارم (مبتسماً) : هذا صحْ

عبد القادر : هذا يُلغي حقَّ سيادتكُمْ في الحكمِ علَيّ

الصارم (هائجاً) : ماذا ؟

عبد القادر : إنسانياً .. قانونياً .. أو عقلياً .. أو نصياً

في كلِّ قوانين العالمْ

المجنيُّ عليه لا يصلح أبداً لمحاكمة الجاني

الصارم : القانون الصادرُ باسم المنصور الأعظمْ

لا يُعطي متهماً مثلك حقَّ الرفْضْ

أعني أن يعترضَ على التشكيلِ المنصوريِّ

لقضاةِ المحكمةِ العليا

عبد القادر : لكنْ …

الصارم : لا ” لكنْ ” أو ” حتى ” (بتأنٍ وهدوء)

كان هناك جهازٌ سريٌّ إرهابيٌّ

وسيادتكم كنتَ ..

عبد القادر (مقاطعاً) : أين السرية في تنظيم معروفٍ عندكمو

أعضاءً ورئيساً ؟

بل معروفٌ للناس جميعاً

هذا تنظيمٌ مرصودٌ لجهادِ الأعداءْ

الصارم (ثائراً) : قام بعمليات للتخريب ، وأنت سَكَتَّ

(يقرأ من الملف الذي سلَّمه إليه جهلان العارف .. ويقول بهدوء : )

مما يعني إقرارك للتخريبْ

فسكوتُ الشخص موافقةٌ

قاعدة في الفقه أصيلة (ينظر إلى جهلان الذي يبتسم في زهو ثم يوجه نظره لعبد القادر)

قاعدة لا تقبل نقضاً

عبد القادر : بل تنقضُ .. يا قاضي محكمةِ الْـ .. ـعدلِ العليا .

فهناك كذلك ما يُدْعى بسكوتِ المُكْرَهْ

الصارم : إهْ .. سكوتُ الإهْ ؟

عبد القادر : سكوتُ المكرَهْ

وهناك حديثٌ نبويٌّ

يُلغِي مسئولية منْ سكتَ عن الباطلِ إنْ أُكْرِهْ

بل يلغي مسئوليةَ من يأتي إثما

إن أُكرِهَ ، واشتدَّ عليه الإكراه

الصارم (متهكماً) : حديث ؟ أي حديث يا هذا ؟

عبد القادر : ” رُفع عن أمتي الخطأ ، والنسيانُ ، وما استكرِهوا عليه ”

(ينظر الصارم في ضيق شديد إلى جهلان العارف الذي يظهر عليه الاضطراب حين وقعت عيناه على عيني الصارم)

الصارم (بصوت خفيض وهو يضغط في شدة على مخارج الحروف) :

آه .. يا جهلان الكلبْ .. (موجهاً حديثه لعبد القادر)

اترك أمرَ الدين وأمرَ السنَّهْ

فالدينُ بريء من أمثالِكْ

ولنسألْ بعضَ الجمهور (مشيراً إلى شاب وسيم أنيق يجلس بين الجمهور في آخر القاعة)

ما رأيك في هذا المتهم .. القاضي السابق عبد القادرْ

الشاب (بلهجة خطابية) : هذا دجَّالٌ أفَّاقْ

يتأول في الدين لمصلحتهْ

الصارم (مبتسماً) : شكراً .. شكراً (موجهاً كلامه لعبد القادر)

أسمعتَ لرأي الشعب الناضجْ ؟

ما ردَّك يا عبدَ القادرْ ؟

عبد القادر : ردي هو قول الحق تعالى : [ …. وإذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً]  (الفرقان : 63 ) .

الصارم : يكفينا هذا .. ولْترجعْ للقفص هناكْ

عبد القادر : لكني لم أُمنح وقتاً أُبدي فيه كلَّ دفوعي .

الصارم : (في ثورة) يكفي هذا .. يكفي هذا

عبد القادر : إني متهمٌ ومحامٍ ، ودفوعي لم أطرحهْا حتى الآن .

الصارم (وهو يضرب المنصة بقبضته) : يكفي هذا ، ارجعْ للقفص كما كُنْتْ

عبد القادر : لكنْ ..

الصارم : لا ” لكن ” أو ” بلْ ” أو ” حتى ” . ارجعْ للقفصِ كما كنت والحكم بآخر هذي الجلسة

(يعود عبد القادر للقفص في ثبات ، وتدور همهمات في القاعة ، ويميل القاضيان الفاحم ، والشاحم على الصارم ، ويدور بينهم همس ، ثم يدق الصارم على المنصة بمطرقته ، فيسود الصمت القاعة ، وتتعلق الأنظار بالصارم) .

…………………………………

….. وفي ظل السطور القليلة السابقة نلاحظ : 

1 ــ الخيال في المسرحية خيال قريب ، لم يحلق بعيدا عن أرض الواقع ، فهو       تصوير واقعي ، يتمتع بالصدق الفني . كتصوير ذي الرمة  لباطنه النفسي الآسي الحيران بطريقة غير مباشرة ، بكلمات تلقائية في بيتيه الآتيين :

عشية مالي حيلة غير أنني = بلقط الحصى والخط في الترب مولع

أخط وأمحو الخط ثم أعيده = بكــفي  والغــربان في الــدار وقــــع

2 ــ القدرة الفائقة على تطويع المصطلحات القانونية للغة الفنية ، في أداء تعبيري سهل المأخذ .

3 ــ الوجدان يتسم بصدقية الإيمان ، ويتعانق مع العناصر الفكرية في تواز بعيد عن الشطط والإسراف .

Print Friendly, PDF & Email
مقالات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

img
القائمة البريدية
img