img
سبعون عاما في حضن اللغة العريبة الحلقة 2
img
Print pagePDF pageEmail page

سبعون عاما في حضن اللغة العريبة

الحلقة الثانية

” الأرضية والمهاد “

             في الصفحات التالية ألقي الأضواء على حياتي الأولى قبل الالتحاق بالكتاب ، وبالتعليم الإلزامي :

     رأيت نور الحياة سنة 1934 ، ولأني آخر العنقود ـ أي آخر أبناء الأسرة ـ عشت في المقام الأول من الاعتزاز والتدليل بين إخوة ثلاثة وأربع أخوات . والثلاثة واحد منهم شقيق ، واثنان أخواي لأمي ، كما أنهما ابنا عمي ، ومن البنات الأربعة واحدة لأمي وهي ابنة عمي كذلك ، والثلاث شقيقاتي .

     وحل هذه المسألة أو الفزورة أن أبي تزوج زوجة شقيقه الأكبر ، الذي وافته المنية ، وترك ولدين هما محمد وحامد ، وبنتا هي أمينة ، وكانوا جميعا في سن الطفولة ، وتولى أبي تربيتهم ، وعمل الأخَوان مع أبي في تجارته .

     كانت تجارة أبي في ” الحراير المصنوعة “ ، وأذكر أنها ثلاثة أنواع هي :

        1 ـ الملس ( بفتح الميم واللام ) ، ويصنع من الحرير الطبيعي أو الحرير الصناعي ، وهو كساء كالعباءة تكتسيه الفلاحات والنساء في الأرياف فوق الثياب عند الخروج . وبعض المواطنين يصنعون من قماشه ستائر على النوافذ والأبواب في البيوت . وربما جاءت التسمية من الملاسة أي النعومة .

        2 ـ الملاية اللّف : وهي أقل مستوى وطولا وعرضا من الملس ، وتؤدي مهمته نفسها ، وتستعمله ساكنات القرى والمدن .

        3 ـ الفرخة وأولادها : ولا أدري سر هذه التسمية الغريبة ، وهو قماش خفيف يصنع من القطن فيه خطوط من خامته أثقل من قماش النسيج  ، وتستعمله النساء طـُرَحًا ، تغطي منطقة الرأس والكتفين وأعلى الصدر .

        وتختار الزبونة النوع الذي تريد ، وتدفع الثمن مقدما وتتركه عند الوالد ليومين ، وتتسلمه بعد صبغه باللون الأسود في مصابغ الوالد رحمه الله .

**********

      وكان الوالد ـ رحمه الله ـ أشهر من يمتهن هذه التجارة التي تدر عليه أرباحا واسعة ، مع أن هناك أربعة آخرين من أعمامي يمتهنون التجارة نفسها .

      كان الشارع أو الحارة التي نعيش فيها يطلق عليها ـ وما زالت ـ حارة قميحة ، أو حارة القمايحة ؛ لأن سكان الحارة أغلبهم من آل قُميحة . وكان بيتنا هو أكبر البيوت ، وأول بيت في الحارة ، ثم تأتي بعد ذلك منازل أعمامي وأسرهم ومنزل عمتي وأسرتها . ولأن بيتنا كان أكبر هذه البيوت وأفخمها أطلقوا عليه اسم ” السراية ” .

          ـــ   بيتنا  ده بنيته سنة موت سعد باشا زغلول ( وهو الزعيم الشعبي الذي أسس حزب الوفد ) أي سنة 1927 .

          وبيتنا ده أول بيت في المنزلة ، وقد بني بسقف من كمرات الحديد ، وكل البيوت مسقفة بعيدان الخشب .

          كان أبي يكرر هاتين العبارتين في اعتزاز ومباهاة . وكمرات الحديد هي عيدان الحديد الضخمة . وكان البيت أو السراية يقوم على عمودين ضخمين ، ووراءهما مكان مُبلط في مساحة حجرة نسميه ” الشكمة ” ، وهي كشرفة واسعة ولكنها في الدور الأرضي ، وهي مكشوفة ، وكان أبي كثيرا ما يجلس فيها في ليالي الصيف ، وأحيانا يستقبل الضيوف فيها ، وبعد ذلك هناك الباب الرئيسي للسراية ، وبطولها في آخرها باب أصغر كنا نطلق عليه ” باب السر ” ، ومنه تستقبل والدتي ضيوفها من النساء .

        ونفتح الباب الرئيس لنجد على يسار الداخل قاعة واسعة تسمى ” المندرة ” لاستقبال الضيوف من الرجال ، وكان والدي يجلس فيها بعد صلاة الفجر .

       وعلى يمين الداخل شقة يسكنها أخي حامد وأسرته ، وفي الدور الثاني شقة لأبي وأمي ، وحجرة ملحقة لنوم البنات ، وعلى اليمين في نفس الطابق شقة يسكنها أخي محمد وأسرته .

       أما شقيقي أحمد فقد كان عزبا ، لذلك جعلوا له شقة من حجرتين في الدور الأعلى ، ويستطيع الناظر من نافذة الحجرة الداخلية أن يرى بحيرة المنزلة .

       وكان لرب الأسرة آنذاك هيبة ، وأذكر أن زوجتيْ أخويَّ محمد وحامد كانت كل منهما تدخل على والدي ” المندرة ” بعد الفجر ” لتصبِّح عليه ” بعبارة معروفة :

       ـــ  صباح الخير يا سيدي ، ( بكسر السين )، وتنحني كل منهما وتقبل يمناه .

**********

       وكان لنا بيت قديم في آخر الحارة يطلق عليه اسم ” الدار دِكها ” أي الدار الأخرى ، وكان يتكون من قاعة أرضية واسعة مسقوفة بها قرابة 10 مواجير كبيرة ( والماجور : إناء ضخم صنع من الفخار السميك يستخدم في عملية الصباغة ) . يفصلها باب داخلي عن حظيرة واسعة جدا تضم عددا من الحمير في قسم منها ، ويضم قسمها الثاني عددا كبيرا من البط والإوز ، وجديين أو ثلاثة . ولكل ما ذكرت مهمة :

      أما الحمير فخصصت لتسويق البضاعة ( الملسات ، والملايات ، والفرخة وأولادها ) في القرى المحيطة بالمنزلة ومنها : العزيزة والشبول والأحمدية والحوتة والطوابرة والنسايمة وأولاد صُبور .

      تنطلق الحمير إلى هذه القرى في الصبحة الباكرة وعلى كل حمار خُـرْجٌ فيه البضاعة ، ويقوم العمال وإخوتي الثلاثة بالانطلاق بها إلى القرى المختلفة ، لكل قرية يوم . وهذه العملية كانت تسمى ” السروح ” أي الخروج للتجارة .

     ويعود السارحون قبل المغرب بساعة أو ساعتين ويقدموا ” الحساب ” لوالدي . وقبيل ذلك لا بد أن يقوم السارح بعد وصوله يعمليات ثلاث :

      الأولى : تقديم الماء للحمار في جردل ليشرب ، ومن عجب أن الحمار لا يشرب أبدا إلا إذا صفر العامل له بالفم صفارات متواصلة .

      الثانية : تمريغ الحمار ، إذ يسحبه السارح ويذهب به إلى أرض فضاء واسعة خلف منزلنا ، وتربتها سباخية ، أي كثيرة السباخ ، وتسمى دوار قميحة . ويترك العامل الحمار يتمرغ في السباخ بكل جسمه في حركات متواصلة .

     أما العملية الثالثة : فهي عملية ” التعليق ” أي سحب الحمار إلى ” الدار دكها ” ووضع العليقة في طوالته ليأكل ، والعليقة عادة من فول مجروش وشعير ، ليقوى على سروح الغد ، ولا يجزؤه عن ذلك برسيم أو تِبْن ، إلا في فترة النهار .

    ونعود للقسم الثاني من الحظيرة في ” الدار دكها ” والذي يضم البط والإوز والجداء لنذكر أن كل أولئك من وهبات النساء المشتريات .   فقد كان من العادة أن المرأة التي جاءت لتتسلم ” ملسها ” بعد صباغته تقدم هدية في شكل جدي أو ثلاثة أزواج من البط أو الإوز ، وهذه العملية تسمى ” وِهْبة ” . وكانت تفاخر جيرانها وصواحبها بأنها قدمت للحاج متولي (والدي) كذا كوهبة لملسها ، وبقدر ارتفاع قيمة الوهبة  ترتفع مكانة صاحبة الملس في عيون الأخريات . مع ملاحظة أنها تقدم هذه الوهبة تطوعا ولا يلزمها بها أحد .

     وكنت حريصا على مشاهدة الحمير وهي تشرب وكذلك وهي تتمرغ في السباخ ، لذلك أحببتها ، وكثيرا ما كنت أطلب من أحد إخوتي أو أحد العمال أن يُرْكبني حماره ، ويمسك بي جيدا ويمشي بي مسافة طيبة .

**********

     وكان أبي يحبني حبا جما ، كما أنني من طفولتي الباكرة كنت متعلقا به إلى أقصى حد ، فكان يصحبني إلى صلاة الفجر ، ويحقق كل رغباتي ، وهناك واقعة لا أنساها ، وما زالت حتى الآن محفورة في ذاكرتي ، وتتلخص في أن أبي اشترى قبل عيد الأضحى بعشرة أيام كبشين ضخمين للأضحية ، وتركهما أمام منزلنا مقدما لهما العلف والماء . كنت في الرابعة من عمري ، وكان اليوم يوم جمعة وفي الصبحة الباكرة والناس نيام أخذت أداعب أحد الكبشين بشد قرنيه ، واعتقدت أنه سعيد بذلك ، ولكني رأيته فجأة يخلص قرنيه من كفي الرقيقتين ويتراجع إلى الخلف ، وينطحني نطحة ألقتني على الأرض ، وصرت أزحف بظهري إلى الخلف ، فإذا ما حاولت النهوض أخذ الكبش يوالي نطحه . وانضم إليه زميله في أداء هذه المهمة ، مع أن ربع كبش كان فيه الكفاية ، وتوالى النطح وأنا أصرخ ولا أحد يسمعني إلى أن أوصلاني بنطحهما إلى آخر الحارة ، ورحت في غيبوبة ، فلما استيقظت منها وجدت رأسي ملفوفا بالشاش ، وذراعي اليمنى داخل الجبس . وأصر أبي ــ والحزن يغمره ــ أن يبيع الكبشين لأحد الجزارين ، ورأيت الأسى والحزن على وجه أبي وأمي وكل أفراد الأسرة .

                                                 **********

     وقد أواجه اعتراضا مؤداه : لقد أطلت وأسهبت في ” الأرضية والمهاد “ ، فما علاقة ذلك بعنوانك الأساسي ” سبعون عاما في حضن اللغة العربية ” .

     وأقول : إن الإنسان ــ بالوعي أو باللا وعي ــ إنما هو ابن بيئته في أدبه وسلوكه وتوجهاته : فحبي للحمير في شربها وتمرغاتها وفقني في الكبر أن أكتب مقالا بعنوان ” ذهب الحمار يطلب قرنين فعاد بلا أذنين ” .

     كما كتبت بحثا طويلا عن ” شخصية الحمار في الأدب ” : دراسة مقارنة بين الأدبين العربي والغربي ، عرضت فيه ما كتبه الجاحظ عن الحمار ، وما كتبه توفيق الحكيم عن الحمير ، وكذلك لما كتبه الأديب الأسباني” خمنيث ” في كتابه ” بلاتيرو وأنا ” . وما كتبته الكونتس ” دي سيجير ” في كتابها مذكرات حمار .

   أما الواقعة التي ما زلت أستشعر آلامها فهي واقعة عدوان الخروفين عليّ ، وأنا في الرابعة من عمري ، وقد أفرغتها في مقال بعنوان ” حكايتي.. مع خرفان طفولتي ” أقدمه نموذجا لبيان أثر البيئة  والحياة في الأدب . ونص المقال :

   ” كانت «مأساة» مواجهتي مع كبش العيد وأنا في الرابعة معمري، ومع ذلك    ما زلت أتميز ضيقا وغيظا كلما رأيت كبشا ذا قرنين ، وترتفع حرارة هذه الحالة إذا كان القرنان من النوع المقوس الذي يظهر ـ في راس الكبش ـ كأنه حرف الهاء الذي يكتب في أول الكلمة ( هـ( ولكن في صورة عكسية. ولو كنت أملك القدرة والشجاعة لهجمت على مثل هذا الكبش وخلعت قرنيه، أو حطمتهما، ولكنها عقدة الخوف من القرون. وهي عقدة ما زالت تتحكم فيّ من أيام الطفولة الباكرة، بسبب مأساة كان للخراف دور البطولة فيها، ولأبدأ الحكاية من أولها:

   مسرح هذه الحكاية مسقط راسي مدينة المنزلة في أقصى شمال الدلتا، وكانت أشبه بالقرية منها بالمدينة، فقد كان عدد سكانها لا يزيد على عشرة آلاف، والآن أصبح قرابة ربع مليون. وكانت البلدة تتكون من حارات تسمى كل حارة باسم أهم الأسر التي تعيش فيها وأكثرها عددا، وهو تقليد متوارث عن أسلافنا العرب في السكنى: فيقال مضارب بنى فلان، ولما بنيت المدن تكونت من أحياء كل حي تشغله قبيلة، أو بطن أو فخذ منها.

   وكانت حارتنا المسماة بـ “حارة قميحة” أو “حارة القمايحة” يشغلها مسكن أسرتنا، ومساكن أعمامي، وعمتي، وأبناء العمومة، ويجاورها حارة “منيسي” أو “المنايسة” و”حارة الطير” وغيرها.

   وتمتد حارتنا قرابة مائة وخمسين مترا، لتخلص إلى حارة أخرى مفتوحة على عدة حارات هي حارة “عبد ربه” ولكن كان على يمين حارتنا من ناحية وسطها عطفه أو زقاق “الترعيوالعطفة أصغر بكثير من الحارة. وهي عطفة “سد” تمتد إلى اليمين قرابة ثلاثين مترا، وتنتهي بمنزل في صدر العطفة، ومن ثم لم يكن للعطفة منفذ. والمنزل المذكور هو منزل أرملة طيبة القلب هي: “أم محمد“.

   أما تاريخ المأساة فهو ما قبل عيد الأضحى بأيام ، وكانت شقيقتي “نبوية” التي كانت تشاركني لعبي  تكبرني بعام وبضعة أشهر. وقبل يوم المأساة بقرابة أسبوع اشترى والدي كبشين كبيرين أقرنين دفع فيهما ستة جنيهات كاملة لذبحهما في العيد. وفي حارتنا بجانب بيتنا دق لهما في الأرض وتدين خشبيين متجاورين، وفي رقبة كل كبش حبل متوسط الطول يتصل بوتده، ووضع أمامهما “طوالة” أي صندوقا خشبيا وضع فيه “العلف” وهو خلطة من الفول المجروش والشعير وقشر الفول، والردة. زيادة على إناء فيه ماء.

   لا أستطيع أن أعبر عن سعادتي بالخروفين، وإن كانت سعادتي يقطعها مسحة من الحزن كلما تذكرت عبارة والدي “لازم نعلفهم كويس علشان ندبحهم في العيد”، وأصبح من الصعب علي أن أتصور أو أتخيل غيابهما عنا. لقد استجاب الخروفان لي ولشقيقتي، ولا شك أنهما يبادلاننا حبا بحب، بدليل أنهما يتناولان العلف من أكفنا الصغيرة، وكذلك بعض أعواد البرسيم، ولا شك أنهما كانا يبادلاننا السعادة ونحن “نملّس” على رقبة كل منهما، وندلك ظهره، وأذكر أنني حاولت ذات يوم أن أركب أحدهما بمساعدة شقيقتي فنهرني والدي بشدة:

”   أوعى تعمل كده تاني… لو عملتها حينطحك، ويسيّح دمك”. واستجبت لأبي ، فلمأعملها تاني” ، وأذكر كذلك أننا ـ أنا وشقيقتي ـ كدنا نطير من الفرح.. عندما رأينا خروفينا يسجلان انتصارا باهرا على كبش عمي مسعد الذي جاء من آخر الحارة حيث يسكن عمي، ويظهر أن الجوع “قرصه” فحاول أن يشارك كبشينا “علفهما” ، فثارا عليه ثورة غيرميمونة”، وأخذا يسددان إليه دفعات من القرون “الموجهة”، ولم يتركاه إلا بعد أن جاوز مقره إلى حارة “عبد ربه” خوفا وفزعا. وأقسم أنني شعرت بالزهو وأنا أراهما يعودان إلى موقعهما في وقار وخيلاء، وضحكت أنا وشقيقتي ونحن نراهما بحبليهما.. وفي نهايتهما “الوتدان” اللذان لم يصمدا، فاستسلما وانخلعا للكبشين الناقمين الثائرين على الغازي المعتدي. وأضطر أبي إلى ربطهما في وتدين آخرين أطول من السابقين، ولم يكتف بذلك بل أعطى وتداً مثلهما لعمي مسعد، وطلب منه أن يربط فيه خروفه، بعد ان يدق الوتد عميقا في الأرض لأنها “أرض مايعة” على حد قوله.

**********

   وأويت إلى فراشي وأنا أستشعر السعادة الغامرة بالنصر الذي أحرزه كبشانا، ولا يفارق مخيلتي منظرهما، وهما عائدان إلى موقعهما في وقار وزهو وفخار، ورأيت فيما يرى النائم أني أركب أحدهما، وأنا أميل بصدري ممسكا بقرنيه من الخلف، ولم أشعر بالخوف وهو يطير بي فوق منازل حارتنا، ونظرت إلى أسفل فرأيت كبشنا الثاني ـ في حجمه الطبيعي ـ ينظر إلينا، وكأنه ينتظر دوره لأركبه كصاحبه، ونظرت إلى كبش عمي مسعد فرأيته ـ وأقسم ـ في حجم كلب صغير، وقد نكس رأسه دافنا نظره في الأرض، عجبا.. لقد رأيت في راسه أذنين طويلتين بدل القرنين.. ياه… لقد شغلت عن “الأعلى” بالأسفل.. وتغير شعوري من الأمن والسعادة إلى الخوف والفزع، وأنا أري الكبش يواصل صعوده حتى جاوز السحاب… وخشيت السقوط.. فقد انطلق الكبش بي إلى أعلى وهو في وضع رأسيوازداد تشبثي بقرنيه من الخلف.. وازداد فزعي. وأخذت أصرخ: “الحقوني.. انزل… انزل ـ كفاية كفاية”. ولم ينقذني إلا أمي التي أخذت تهزني إلى أن استيقظت.. وأخذتني في حضنها وهي تبسمل وتستعيذ بالله من الشيطان الرجيم.  

”   فيه إيه يا حبيبي..؟ ما تخافشي.. دا كابوس وزال. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم..”

   وشعرت بالطمأنينة لأن ما حدث كان حلما لا حقيقة. ولكني لم أستطع أن أفسر الدموع الغزيرة التي ملأت عيني، وغمرت خدّيّ واستأنفت النوم، وبعد استيقاظي تناولت الإفطار على عجل، ونزلت إلى الخروفين بمفردي، كانا كعهدي بهما هدوءا، ووقارا، وأخذت أملأ كفي اليمني بحفنات العلف، فيتناولانها، وأنا أكثر منهما رضاء وفرحا، وبذلك تأكدت أن ما رأيته كان حلما مزعجا، ولم يكن حقيقة.. وألحت عليَّ مشاهد الحلم… هذا الكابوس المزعج وأخذت أمرر يدي على ظهر أحدهما، وأقول في نفسي “على هذا الظهر ركبت وطرنا إلى السحاب”، واستدرت مواجها الخروف وأخذت أشد قرنيه إلىّ بقوة ، وأحّدث نفسي “لولا إمساكي بهذين القرنين، لسقطت على الأرض. ومت”. ولتأكيد اعترافي بالجميل اشتد جذبي للقرنين نحوي. وفجأة أخذ يهز رأسه بشدة يمينا ويسارا، حتى خلص قرنيه من قبضتيّ الصغيرتين، وفي لمح البصر نطحني في صدري نطحة طرحتني أرضا، ونهضت، وتراجعت إلى الخلف عدة خطوات، ووجهي إليه. وفي لمح البصر رأيته يخلص عنقه ورأسه من الحبل الذي لم يُحكم ربطه،وسدد إلى نطحة أخرى، أخفقت كفاي في اتقائها، حاولت أن أصرخ، ولكني عجزت عن ذلك تماما، فقد التصق لساني من الرعب بحلقي، وأحسست أن قدرتي الصوتية قد تجمدت تماما. وزحفت على ظهري إلى الخلف قرابة مترين مستعينا بيمناي الواهنة المرتعشة، وأثناء الزحف المفزوع كنت أرفع راسي عن الأرض قرابة شبر، وعيناي معلقتان بالكبش الجاحد المعتدي، وتوقف منشغلا برفيقه الذي كان ـ على ما يبدو ـ مؤمنا بفضيلة التعاون، فتمكن من قطع حبله لحظة نهوضي من سقطتي، وصرت أواجه كبشين لا كبشا واحدا.

   وتكرر السيناريو على النحو التالي:

   ينطحني الأول، وأحاول تخفيف ضغط النطحة عن صدري بكفيّ وأنطرح أرضا، وأنهض.. وأتراجع بظهري داخل الحارة خطوة أو خطوتين، ويبدأ الثاني مهمته بنفس الطريقة، ويتكرر النطح، فالسقوط، فالنهوض،فالتراجع وهلم جرا. وأثناء انسحابي المهزوم رأيت كبش عمي مسعد مضطجعا على جنبه الأيمن فتظاهر بأنه مشغول بالتهام بعض عيدان البرسيم، وكأنه يعلن أنه اتخذ قرارا فوريا بالحياد، وعدم الانحياز ” بعد العلقة ” التي أكلها من يومين من خروفينا .

   كانت الحارة خالية من البشر تماما، فاليوم يوم جمعة، والناس لا يستيقظون من نومهم إلا قبل الصلاة بساعة أو ساعتين. ودخلت “عطفة الترعي” التي تنتهي بلا منفذ، وفي صدره منزل الأرملة أم محمد. سيناريو العطاء مستمر، ولا يُسمع في العطفة أو حارتنا إلا صوت “بُمْ”… صوت النطحات المسددة إلى صدري، ويديّ، وأحسست أن جسدي أصبح كصوتي تبلدا متجمداً.. فلم أشعر بأي وجع وألم، واقتربت بظهري من منزل “أم محمد” الذي يسد العطفة، وحاولت النهوض من آخر سقطة، ولكني عجزت عن الوقوف، إلا على ركبتيّ.. فوجه أحد الكبشين نطحة إلى وجهي، فأحسست أن أنفي قد تحول إلى جمرة من نار، وأحسست أن دما دافئا يتدفق إلى ذقني وعنقي، ولكني أقول للحق ـ أن هذه النطحة فكّتْ عقدة صوتي، ومنحتني قدرة فائقة على الجري… وارتميت على باب “أم محمد”، وأنا أصرخ صراخا باكيا… انفتح الباب عن الأرملة الطيبة، وأخذتْ تطلق عبارات الاستغاثة بالجيران، وهي تتلقفني بذارعيها.. وما زلت أذكر من كلماتها التي أدخلت بعض الطمأنينة إلى نفسي “يا حبيبي… يا ابني… يا ضنايا… يا حتة من قلب أمك“.

   وللحق أيضا شعرت بأنني صرت خفيفا جدا… وأن كل شيء صار في عينيّ.. غائما شبحيا، حتى نور الصباح، ورأيتني أطير… فوق سطوح حارتنا… وتجاوزت السحاب في طيرانيدون الاستعانة بأجنحة… أو خروف.

**********

   وأفقت من غيبوبتي… لأجدني على سريري الصغير وقد لُف رأسي في شاش كثيف، وذراعي اليمني في الجبس، وحول سريري الصغير والداي وأعمامي وكثير من أقاربنا… ووجدتني أجهش بالبكاء، وأنا أقول لأبي:

”   ـ النهارده تموتْهم.. ضروري تموتهم

   ـ حاضر… خلاص حموّتهم النهارده

   ـ لا… قبل ما تموتهم اربطهم كويس… وهات خروف عمي مسعد ينطحهم، ويكسر قرونهم… وبعد كده تضربهم جامد.. قبل ما تموتهم

   ـ حاضر… كل ده.. حيحصل النهارده إن شاء الله“.

   وكان هذا أول عيد أضحى لم يدخل بيتنا فيه لحم الضأن. بعد أن تخلص أبي منهما، وذلك بتسليمهما لخالي الذي كان يسكن في حي بعيد. وهذا ما علمته بعد ذلك بأشهر.

**********

   لقد مضى على هذه الواقعة المأساة عشرات من السنين، ومع ذلك ما زلت أتميز ضيقا وغيظا كلما رأيت كبشا ذا قرنين . ألست معي ـ يا قارئي العزيز ـ أنني على حق في هذا الشعور؟

**********

Print Friendly, PDF & Email
مقالات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

img
القائمة البريدية
img