img
حسن البنا في السيرة والمسيرة سنوات الطفولة والصبا
img

حسن البنا

في السيرة والمسيرة

سنوات الطفولة والصبا

ولد حسن البنا ضحى يوم الأحد 25 من شعبان 1324 (14 من أكتوبر 1906) في مدينة المحمودية بمحافظة البحيرة. وكان هو باكورة الأبناء من أبيه الشيخ أحمد عبد الرحمن الذي عاش يهوى العلوم الشرعية، أما عمله فكان إماما ومأذونا بالمحمودية، كما كان يملك دكانا يزاول فيه هوايته في تصليح الساعات، وزيادة على ذلك احترف تجليد الكتب، واشتغل بعلوم السنة، وقدم في هذا المجال مصنفه الشهير

” الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني”

وقد انتهى منه في شهر شوال سنة 1352ﻫ.

وتلقى الطفل حسن البنا تعليمه الأولي بمدرسة الرشاد الدينية، ثم المدرسة الابتدائية بالمحمودية، كما تعلم في صغره من والده صناعة الساعات، وقد أغرم بها، وأخذ يزاولها بعد الانصراف من المدرسة إلى أن تحل صلاة العشاء.

***

وظهرت تطلعاته وطوابعه الدينية والأخلاقية الإصلاحية في صغره، فكان عضوا، ثم رئيسا لجمعية سميت باسم “جمعية الأخلاق الأدبية” وكان لها لائحة مكتوبة تنص على فرض غرامات مالية محددة على من يخالف قواعد الأخلاق والآداب الاجتماعية([1]).

ثم اشترك في جمعية أوسع دائرة من السابقة باسم “جمعية منع المحرمات” كانت مهمتها توجيه رسائل مكتوبة إلى من يرتكبون المعاصي والآثام، أو يقصرون في الصلاة والفرائض تأمرهم بالمعروف، وتنهاهم عن المنكر.

ثم تعرف على الطريقة الحصافية وهو في الثانية عشرة من عمره، وقرأ كتاب “المنهل الصافي في مناقب حسنين الحصافي” وهو الشيخ الأول للطريقة، وأعجبه من سيرة الشيخ حرصه على “نشر دعوة الإسلام على القواعد السليمة، والغيرة العظيمة على محارم الله، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر”([2]).

وقادته هذه النزعة الصوفية في صورتها الروحانية العملية إلى أن يؤسس مع بعض إخوانه – وأهمهم صديقه الحميم أحمد السكري جمعية باسم “جمعية الحصافية الخيرية”، وقد وزعت جهادها على ميدانين:

الميدان الأول: نشر الدعوة إلى الأخلاق الفاضلة، ومقاومة المنكرات والمحرمات الفاشية كالخمر والقمار وبدع المآتم.

والميدان الثاني: مقاومة الإرسالية الإنجيلية التبشيرية التي هبطت البلد واستقرت فيه.

في القاهرة طالبا

وبعد أن أنهى حسن البنا دراسته بدار المعلمين بدمنهور انتقل إلى القاهرة، والتحق بدار العلوم، وتخرج فيها سنة 1927، وكان ترتيبه الأول.

وأثناء سنوات الطلب في دار العلوم رأى في القاهرة من مظاهر الفساد والانحلال الكثير والكثير، واكتشف أن إلقاء المواعظ في المساجد لم يعد يكفي لمواجهة هذه التحديات اللاأخلاقية، فاتفق مع عدد من إخوانه فى دار العلوم والأزهر على أن يتجهوا بوعظهم إلى المقاهي، ونجحت التجربة نجاحا باهرا، ويصور ذلك حسن البنا في مذكراته بقوله “.. كان شعور السامعين عجيبا، وكانوا ينصتون في إصغاء، ويستمعون في  شوق، وكان أصحاب المقاهي ينظرون بغرابة أول القول، ثم يطلبون المزيد منه بعد ذلك، وكان هؤلاء يقسمون بعد الخطبة أننا لابد أن تشرب شيئا، أو تطلب طلبات، فكنا نعتذر لهم بضيق الوقت، وبأننا نذرنا هذا الوقت لله، فلا نريد أن نضيعه في شيء. وكان هذا المعنى يؤثر في نفوسهم كثيرا، ولا عجب فإن الله لم يرسل نبيا ولا رسولا إلا كان شعاره ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ﴾[الأنعام:90] لما لهذه الناحية العفيفة من أثر جميل في نفوس المدعوين..”([3])

***

وبعد إلغاء الخلافة الإسلامية في تركيا بدأ تيار العلمانية والإلحادية والمروق من القيم يندفع، ويهدد كيان الوطن، وفي ذلك يقول الإمام الشهيد في مذكراته:

“فهأنذا أرى أن الأمة المصرية العزيزة تتأرجح حياتها الاجتماعية بين إسلامها الغالي العزيز الذى ورثته وحمته، وألفَتْه وعاشت به، واعتزَّ بها أربعة عشر قرنا كاملة، وبين هذا الغزو الغربي العنيف المسلح المجهز بكل الأسلحة الماضية الفتاكة من المال والجاه والمظهر والمنعة والقوة ووسائل الدعاية”([4]).

وبإيمان قوي وشعور فياض بدأ حسن البنا يتصل بذوي الحماسة الإسلامية والغيرة على الدين من العلماء والكتاب مثل الشيخ يوسف الدجوي ومحمد الخضر حسين ومحب الدين الخطيب. وكان من ثمرات هذا الاتصال وتلك اللقاءات إنشاء مجلة “الفتح” التى كانت –كما يقول حسن البنا- “مشعل الهداية والنور لهذا الجيل من شباب الإسلام المثقف الغيور”([5]) ثم كان من الثمرات كذلك فيما بعد إنشاء جمعية “الشبان المسلمين”

***

ولاشك أن كل هذه المشاعر والسلوكيات كانت إرهاصات وتمهيدات طبيعية لإنشاء جماعة “الإخوان المسلمين”، يدل على ذلك ما كتبه حسن البنا في الموضوع التعبيري الأخير بالسنة النهائية بدار العلوم، وكان عن “آمال الطالب بعد أن يتم دراسته”، وفيه يقول إن أمله العام “أن يكون مرشدا معلما: إذا قضى في تعليم الأبناء سحابة النهار قضى ليله في تعليم الآباء هدف دينهم، ومنابع سعادتهم، ومسرات حياتهم، تارة بالخطابة والمحاورة، وأخرى بالتأليف والكتابة، وثالثة بالتجول والسياحة”([6]).

ويعلن أنه يرصد لنشر هذه الدعوة “..نفسا باعها لله صفقة رابحة، وتجارة بمشيئته منجية، راجيا منه قبولها..”([7])

في الإسماعيلية مدرسا ومؤسسا

ويحقق الله أمله، ويعين مدرسا في مدينة الإسماعيلية في سبتمبر 1927. وفي ذي القعدة سنة 1347 (مارس سنة 1928) كون مع ستة من أهلها أول شعبة للإخوان المسلمين.

وكانت السنوات الخمس التى قضاها في الإسماعيلية –مدرسا ومرشدا- سنوات خير وبركة، فقد استطاع أن يوفق بنجاح فائق بين وظيفته الحكومية –مدرسا مثاليا بالمرحلة الابتدائية- ومرشدا يدعو إلى الله على هدى وبصيرة فى المدينة والقرى.. في المساجد والمحافل والمقاهي.

وفي الإسماعيلية بنى الإخوان دارا ومسجدا ومدرسة سموها “معهد حراء”([8]).

وأنشأ الإخوان كذلك مدرسة للبنات باسم “مدرسة أمهات المؤمنين”. كما أنشأ الإخوان قسما خاصا “للأخوات المسلمات” يتألف من زوجات الإخوان وقريباتهم.

ومن الإسماعيلية انطلقت الدعوة واتسع نطاقها، وأنشئت شعب للإخوان فى عدد من القرى والمدن مثل: أبو صوير وبورسعيد والسويس وشبراخيت والمنزلة وجديدة المنزلة والمطرية وميت خضير والبصراط وميت سلسيل وبرِمْبَال القديمة وميت عاصم وغيرها.. وكلها مدن وقرى في شمال دلتا النيل.

وتزوج حسن البنا فتاة من أسرة صالحة هي أسرة الصولي. وتطلع إلى الانتقال والعمل بالقاهرة، وطلب رسميا نقله إليها، فحقق الله له ما أراد في أكتوبر سنة 1932.

في القاهرة .. الانطلاقات الكبرى

وفي القاهرة اتسع نشاط الإخوان لينتظم الأنواع الآتية:

1-   المحاضرات والدروس في الدور والمساجد، وتأسيس درس الثلاثاء.

2-   إصدار رسالة المرشد العام عددين فقط، ثم مجلة الإخوان المسلمين “الأسبوعية، وفي أثناء ذلك مجلة “النذير”

3-   إصدار عدد من الرسائل والنشرات.

4-   إنشاء الشعب في القاهرة، وزيادة شعب الأقاليم، ونشر الشعب في الخارج

5-   تنظيم التشكيلات الكشفية والرياضية.

6-   تركيز الدعوة في الجامعة والمدارس، وإنشاء قسم الطلاب، والانتفاع بجهود الأزهر الشريف: علمائه وطلابه.

7-   إقامة عدة مؤتمرات دورية للإخوان في القاهرة والأقاليم.

8-   المساهمة في إحياء الاحتفالات الإسلامية والذكريات المجيدة في القاهرة والأقاليم كذلك.

9-   المساهمة في مناصرة القضايا الإسلامية الوطنية، وبخاصة قضية فلسطين.

10- تناول الناحية الإصلاحية السياسية والاجتماعية بالبيان والإيضاح والتوجيه، وكتابة المذكرات والمقالات والرسائل بهذا الخصوص.

11- المساهمة في الحركات الإسلامية كحركة مقاومة التبشير، وحركة تشجيع التعليم الدينى.

12- مهاجمة الحكومات المقصرة إسلاميا، ومهاجمة الحزبية، والدعوة في وضوح إلى المنهاج الإسلامي، وتأليف اللجان لدراسات فنية في هذه النواحي([9]).

***

وفي القاهرة صدرت مجلة “الإخوان المسلمون” الأسبوعية، وقد استمر صدورها أربع سنوات، وتلتها في الصدور مجلات أخرى مثل: النذير والمنار، ثم صحيفة “الإخوان المسلمون” اليومية التى ظلت تصدر إلى أن حلت الجماعة عام 1948. كما أصدر الإمام البنا سنة 1947 مجلة شهرية للدراسات الإسلامية باسم “الشهاب”.

وفى القاهرة كان “المركز العام” للجماعة كلها، ووضع النظام الأساسي للجماعة فهناك المرشد العام، ومكتب الإرشاد، ثم الهيئة التأسيسية والمكاتب الإدارية والمناطق والشُّعَب التى تجاوز عددها ألف شعبة في مصر كلها.

وأخذت الدعوة طريقها إلى البلاد العربية، فأنشئت شعب في الأردن وفلسطين والشام، وانفتحت الدعوة على كل فئات الشعب فأنشأ مكتب الإرشاد الأقسام الآتية:

1-   قسم نشر الدعوة.

2-   قسم العمال.

3-   قسم الفلاحين.

4-   قسم الأسر.

5-   قسم الطلبة

6-   قسم الاتصال بالعالم الإسلامي.

7-   قسم التربية البدنية.

8-   قسم الصحافة.

9-   قسم المهن.

10- قسم الأخوات المسلمات.

وحدد لكل قسم من الأقسام السابقة مهامة واختصاصاته.

وانتشرت الدعوة بين الطلبة على نطاق واسع، وأصبح للإخوان ثقل واضح في الجامعات المصرية، كما كان لهم تأثيرهم الفعال في توجيه المسارات السياسية.

وتوالى صدور رسائل الإمام البنا تحمل فكر الجماعة، وتشرح أهدافها ووسائلها وأساليبها، ومن هذه الرسائل الوزارات، وذوي المراكز المرموقة، وكلها تتناول القضايا الإسلامية والعربية والاجتماعية، وموقف الإخوان منها، ورؤيتهم الخاصة لها، والحلول التى يرونها، وهي حلول تنطلق من الفهم العملي الشامل لمبادئ الدين الحنيف.

المرشد وخوض الانتخابات النيابية

وتفاعلا مع الحياة السياسية المصرية بهدف الإصلاح رشح المرشد نفسه عن دائرة الإسماعيلية مرتين: المرة الأولى سنة 1942. ولكنه تنازل عن ترشح نفسه بعد لقاء مع النحاس باشا رئيس الوزراء صارحه فيه بأن الإنجليز –وهم الذين يصرفون أمور مصر وسياستها- يضغطون على الحكومة ضغطا رهيبا بضرورة تنازل المرشد عن ترشيح نفسه. والرفض –فى ظروف الحرب العصيبة- قد يؤدي إلى نكبة على مصر، وفي استطاعة الإنجليز – على حد قول النحاس “أن يدمروا البلد في ساعتين”([10]). فآثر المرشد مصلحة مصر، وتنازل عن الترشيح، على الرغم من معارضة مكتب الإرشاد في أول الأمر.

وجاءت وزارة أحمد ماهر (الأولى) في 8 من أكتوبر سنة 1944، وأعلنت عن عزمها إجراء انتخابات نيابية “نزيهة”، وقرر الإخوان خوض هذه الانتخابات،  ورشح المرشد نفسه في دائرة الإسماعيلية. وأرسلت السفارة الإنجليزية خطابا سريا إلى أحمد ماهر لمنع المرشد من ترشيح نفسه، والتقى أحمد ماهر بالمرشد وطلب منه التنازل، وألح في الطلب، ولكن الإمام البنا رفض طلب رئيس الوزراء رفضا قاطعا.

وفي ويوم الانتخاب واجه المرشد والإخوان حربا حقيقية، فكان الذي يشرف على الانتخاب هو الحكمدار الإنجليزي لمدينة الإسماعيلية، وتدخل الجيش البريطاني فى الانتخابات تدخلا سافرا، وأحضروا آلافا من عمال المعسكرات الإنجليزية، وتم تزوير الانتخابات، وظهرت النتائج بإعادة الانتخابات بين المرشد ومرشح آخر.

وفي الإعادة تكثفت وتضاعفت جهود الحكومة المصرية والحكمدار الإنجليزي والقوات البريطانية وعشرات الآلاف من عمال الجيش البريطاني،وزورت الانتخابات على نحو أفدح، وكانت النتيجة معروفة مقدما وهي سقوط المرشد([11])

قضايا العالم الإسلامي

واهتم الإخوان اهتماما بالغا بقضايا العالم الإسلامي، وفتحوا صدورهم للمضطهدين والمجاهدين الذين أخذ المستعمرون وأعداء الإسلام يطاردونهم في كل مكان.

ووجهوا أكبر اهتمام إلى القضية الفلسطينية، وقدموا من أجلها التضحيات بالجهد والوقت والمال والدم، وتقدمت كتائب الإخوان، وسجلت على اليهود انتصارات باهرة في معارك طاحنة مازال بعضها يدرس في الأكاديميات العسكرية في العالم([12]).

وكان دخول الجيوش العربية أرض فلسطين سقطة كبرى، ولم تستمع الحكومات العربية لمقولة الإمام الشهيد “إن دولة الباطل قامت على أكتاف عصابات صهيونية، ولا ينهي وجودها إلا عصابات إسلامية”.

وتوالت السقوطات الفادحة، فبينما كان الإخوان يسجلون أروع الانتصارات، ويتأهبون لاحتلال القدس الجديدة فوجئوا بقبول الحكومات العربية الهدنة الأولى في 11 من يونيو 1948، وكانت فرصة لليهود لالتقاط الأنفاس وتكريس القوة، واستيراد أنواع متطورة من الأسلحة، واستأنفوا القتال، وتقهقر الجيش المصرى، وحوصرت بعض قواته في الفالوجة، وارتكب اليهود مذابح وحشية كان أشهرها مذبحة “دير ياسين” في 9/4/1948.

وأصبحت كتائب الإخوان هي القوة الفاعلة الوحيدة في فلسطين، فلا عجب أن تتكالب الصهيونية العالمية والقوى الاستعمارية، والساسة والحكام الخونة على ضرب الإخوان وإيقاف قوتهم العسكرية المنتصرة في فلسطين.

حل الجماعة

ووقع في القاهرة بعض حوادث العنف والنسف الفردية نسبت إلى أفراد من الإخوان. وفي 10 من نوفمبر سنة 1948 اجتمع ممثلوا بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة في فايد –وهي قاعدة بريطانية تقع على قناة السويس والبحيرات المرة، وأجمعوا على ضرورة حل جمعية “الإخوان المسلمين” وتقدمت السفارة البريطانية بهذا الطلب، بل هذا الأمر لرئيس الوزراء محمود فهمى النقراشي الذى أصدر في 8 من ديسمبر 1948 الأمر العسكري رقم63 “بحل جماعة الإخوان وشعبها أينما وجدت، وبغلق الأماكن المخصصة لنشاطها وبضبط جميع الأوراق والوثائق والمجلات والمطبوعات والمبالغ والأموال، وكافة الأشياء المملوكة للجمعية”([13])

وقد علل الإمام الشهيد اندفاع النقراشى إلى حل الإخوان بتعليلات حقيقية خلاصتها:

1- الضغوط الأجنبية على حكومة النقراشي بضرورة حل الإخوان، وبذلك بعد اجتماع فايد في 10/11/1948، واستجابة لهذا الأمر صدر قرار الحل في 8/12/1948. وقد أقر وكيل وزارة الداخلية عبد الرحمن عمار بذلك.

ولم يكن هذا جديدا على القوى الاستعمارية: ففى سنة 1942- والحرب العالمية على أشدها –طلب السفير البريطاني من رئيس الوزراء مصطفى النحاس حل الإخوان ولكنه رفض، واكتفى بإغلاق الشُّعب مع بقاء المركز العام إلى حين.

2- اقتراب موعد الانتخابات التى زعمت حكومة السعديين أنها ستكون في أكتوبر سنة 1949.وتصفية الإخوان، وتشويه سمعتهم تفسح المجال للسعديين للحصول على الأغلبية كما كانوا يعتقدون.

3- رغبة الحكومات العربية في إنهاء قضية فلسطين بالصورة التي يريدها المستعمرون ومواليهم. وكان الإخوان هم القوة الوحيدة الضاربة التي تقف في وجه الحلول الاستسلامية والتفريط في الحق الفلسطيني.

***

وأكدت الأيام صدق ما استنتجه الإمام البنا، فبعد أن اغتيل مساء 12/2/1949،وقعت اتفاقية الهدنة بين مصر وإسرائيل في جزيرة رودس في 24/2/1949،وسحب الجيش المصري من فلسطين، وعشنا بعد ذلك “حياة من التنازلات” المؤسفة المخزية على ما هو مشاهد على الساحة العربية حاليا”([14]).

الاغتيال … والشهادة…

واستكمالا لحلقات المؤامرة دبرت جريمة اغتيال المرشد في الخامسة من مساء السبت 12 من فبراير سنة 1949، وكان التدبير دقيقا، فقبل الاغتيال اتخذت الحكومة من الخطوات والأعمال التمهيدية ما يأتي:

1- سحبتْ من المرشد سلاحه المرخص، وهو وسيلته الوحيدة للدفاع عن نفسه.

2- رفضت الحكومة طلبا تقدم به لكي يُعتقل مع أصحابه ومريديه

3- رفضت الحكومة كذلك طلبه بأن ينزل ضيفا مقيما بعزبة أحد الإخوان بالريف. وألقت القبض على صاحب العزبة.

4- منعته الحكومة من السفر إلى الخارج ، أو التنقل من مكان إلى مكان داخل القطر بغير إذن من الحكومة.

* * *

وأمام جمعية الشبان المسلمين في شارع الملكة نازلي أُطلق عليه الرصاص، واستقل الجناة سيارة سوداء ثبت بعد ذلك أنها سيارة القائمقام محمد عبد المجيد مدير إدارة المباحث الجنائية بوزارة الداخلية، وقد قُدم –بعد قيام الثورة- للمحاكمة هو وعدد من كبار الضابط ورجال المباحث.

وبعد إطلاق الرصاص تحامل الإمام البنا على نفسه، وذهب إلى الإسعاف، ويقال إن أوامر مشددة صدرت إلى الأطباء بتركه ينزف إلى أن لفظ أنفاسه الأخيرة، ليلحق بركب النبيين والصديقين والشهداء، وحسن أولئك رفيقا([15]).

* * *

صورة نفسية

إننا لو أردنا أن نرسم صورة نفسية لحسن البنا ما اتسع لذلك ضعف هذا الكتاب الذي نقدمه للقارئ، وما هذه الكلمات التى نكتبها عن مسيرة حياته وأبعاد شخصيته إلا مدخلا وتوطئة للموضوع الأصلي للكتاب وهو: وقفة نقدية وتقييمية مع رسائله، وخصوصا رسائله إلى “الكبار” من رجال السياسة والمجتمع، وكذلك رسائله إلى والده في شبابه.

ولكننا لا نغلو إذا قلنا: إنه كان يمثل في حياة العالم الإسلامي “الرجل الأمّة”، فقد عاش ثقيل الميزان، عالما، خطيبا قوي البيان، مؤمنا بالله إلى أقصى حدود الإيمان، ذكيا خارق الذكاء، بعيد النظر في أعماق النفوس، وآماد الأحداث، يتمتع بأعظم الحظوظ من روح الأبوة والسماحة والقدرة على تطويع النفوس وتوجيهها وتربيتها، وساعده على كل أولئك قوة الذاكرة بصورة لم يسمع أحد، ولم يشاهد أحد لها مثيلا في عصره، وربما في عصور سابقات. وفي ذلك يقول تلميذه عمر التلمساني- وهو المرشد الثالث للجماعة بعد الإمامين حسن البنا وحسن الهضيبي:

كانت له ذاكرة غير مألوفة في قوتها: إذا سأل أخا عن اسمه مرة وابنه وأبيه وعمله ثم التقى به بعد أشهر طوال حياه باسمه وسأله عن والده فلان وابنه فلان، وكان ذلك مثار العجب عند الجميع. ولو علمت عدد شعب الإخوان أيام حياته، ولكل شعبه مسئول ثم هو بعد ذلك يعرف كل مسئول عن كل شعبة، وهو الذي يعرّف الآخرين بهم لأذهلتك هذه الذاكرة الجبارة التي ما ضاقت يوما عن اسم، أو غاب عنها حدث مهما طال به الزمن.

كانت هذه الذاكرة تواتيه بالوقائع على وجهها الصحيح إذا أراد مجادل أن يحاور أو يكابر فيرده إلى الواقعة بزمانها ومكانها وأفرادها وملابساتها، كأنما يقرأ من كتاب، بلا تحد ولا محاولة إحراج، ولكنه الإقناع المترفق حتى ليظن العائد إلى الحق أنه هو الحق.

كما كانت هذه الذاكرة المتوقدة سببا في إزالة الكثير من المشاكل بين الإخوان إذا ما رجعوا إليه، وإذا ما دعا الأمر إلى سرد أحداث معنية سردها كأنما تسمعها من شريط مسجل([16]).

وأغرب الوقائع التي تدل على قوة ذاكرة الإمام البنا –رحمه الله- ما كان بينه وبين كتاب “مستقبل الثقافة في مصر” الذي كتبه طه حسين، ودعا فيه إلى “تغريب” التعليم والثقافة ووسائل العيش والحياة.ويحكي الإمام البنا قصته مع هذا الكتاب للأستاذ محمود عبد الحليم، فيذكر أن المسئولين في جمعية الشبان المسلمين أصروا على سماع رأى الإخوان في هذا الكتاب، وخصوصا بعد أن أعلن طه حسين بوصفه “مستشار وزارة المعارف” إصراره على وضع آرائه موضع التنفيذ، وطبع المسئولون في جمعية الشبان المسلمين الدعوات لحضور محاضرة يلقيها الأستاذ المرشد عن كتاب “مستقبل الثقافة في مصر” بعد خمسة أيام، ولم يكن الأستاذ البنا قد قرأ الكتاب، ولم يجد وقتا يخصصه لقراءة الكتاب إلا فترة ركوبه الترام في الصباح إلى مدرسته، وفترة رجوعه منها، وكان يضع علامات بالقلم الرصاص على فقرات معينة، ولم تمض الأيام الخمسة حتى استوعب الكتاب كله.

يقول الأستاذ البنا: وفي الموعد المحدد ذهبت إلى دار الشبان فوجدتها –على غير عادتها- غاصة، والحاضرون هم رجال العلم والأدب والتربية في مصر… ووقفت على المنصة،واستفتحت بحمد الله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبجانبي الدكتور يحي الدرديري السكرتير العام للشبان المسلمين، ورأيت الكتاب كله منطبعا في خاطري بعلاماتي التى كنت علمتها بالقلم الرصاص.

وبدأت أول ما بدأت فقلت إنني لن أنقد هذا الكتاب بكلام من عندي، وإنما سأنقد بعضه ببعضه، وأخذت –ملتزما بهذا الشرط- أذكر العبارة من الكتاب، وأعارضها بعبارة أخرى من نفس الكتاب. ولاحظ الدكتور الدرديرى أنني في كل مرة أقول: “يقول الدكتور طه حسين في الكتاب في صفحة كذا.. وأقرأ العبارة بنصها من خاطري، ثم أقول: ويناقض الدكتور طه نفسه فيقول في صفحة كذا.. وأقرأ العبارة بنصها أيضا من خاطري. فاستوقفني الدكتور الدرديري، وطلب إلي أن أمهله حتى يحضر نسخة من الكتاب ليراجع معي النصوص والصفحات، لأنه قرأ الكتاب، ولم يلاحظ فيه هذا التناقض، وكأنه لم يقرأ العبارات التى يسمعها الآن.

وأُحضِر له الكتاب،وظل يتابعني، فيجد العبارات لا تنقص حرفا، ولا تزيد حرفا، ويجد الصفحات كما أحددها تماما، فكاد الدكتور الدرديري يجن، كما ساد الحاضرين جو من الدهشة والذهول،والكل يتجه –كلما قرأت من خاطري عبارتين متناقضتين- إلى الدكتور الدرديرى كأنهم يسألونه: أحقا هذه العبارات في الكتاب؟ فيقول الدكتور الدرديري في كل مرة: “تماما بالنصوص والصفحات”

وظللت على هذه الوتيرة حتى أنهيت الكتاب كله، وأنهيت المحاضرة، فقام الجميع –وفى مقدمتهم الدكتور الدرديري- بين معانق ومقبل([17]).

وقد يوظف الإمام الشهيد قوة ذاكرته هذه في اعتبارات إنسانية لنفع الآخرين، ووقايتهم من الضرر والإيذاء، ومن ذلك ما رواه واحد من تلاميذه هو محمد لبيب البوهى. قال

“حضرت مرة إحدى خطبه الموسمية في عواصم الأقاليم، وكانت الظروف الدولية تجتاز مرحلة دقيقة، فكانت كل كلمات الرجل تدون، وتراجع بعد إلقائها.

وقد جاء إلى الحفل مأمور الإدارة، ومعه أحد رجاله، وقد كلفه المأمور بتدوين خطاب الأستاذ البنا.

وراح الرجل يدون ما يسمع، ولكن الساعات امتدت، ونسي الرجل نفسه، وانساق مع مشاعر الجموع في إمتاع نفسه وروحه بالسماع فحسْب. حتى إذا انتهى الحفل، وعلم المأمور بإهمال مندوبه شحب وجهه واضطرب، فقد كان رئيسه في انتظار هذا الخطاب، وأحاطت بالرجل همومه، ولم يدر ماذا يصنع، ورئيسه بالتليفون يتعجله.

وعلم الإمام المرشد، فطب المأمور إليه، وطمأنه، وراح الإمام بنفسه بعد هذا الإجهاد الطويل ساعات وساعات مما قد يحتاج إليه بعض الخطباء إلى راحة أيام وأيام، وراح الإمام بنفسه يكتب خطابه الذي ألقاه.وأنقذ الرجل من مسئولية دقيقة. هكذا أصحاب النفوس الكبار.”([18])

***

وثمة إجماع على أن الإمام الشهيد كان ذا قدرة فائقة على إقناع الآخرين واستمالتهم بحجج فيها من القوة قدر ما فيها من الوضوح والتبسط والتدفق، ومن شواهد ذلك أنه –رحمه الله- اجتمع بأستاذ جامعي درس في أوروبا،وراح الأستاذ الجامعي يقول: من المحال أن تكسبني إلى صفك؛ فإن الدين شيء، والسياسة شيء، ولن يجتمعا. قال المرشد

متسائلا في تواضع: ما الدين؟ وما السياسة؟

قال الأستاذ الجامعي: إن الدين هو القوة الروحانية العليا، والسياسة مهاترات وأكاذيب.

قال الإمام الشهيد: أوافقك تماما فيما ذهبت إليه، ومن المستحيل أن يرى عاقل أن تجتمع القوة الروحانية بالمهاترات والأكاذيب. ولكن: ما هو الإسلام؟ قال الأستاذ الجامعي: هو النظام الذي يربط الدنيا بالآخرة، ويجعل الإنسان في حياته يعمل وهو موقن أنه محاسب عما يأتى من عمل أو قول.

قال المرشد: ومن علم الإنسان هذا النظام؟

قال الأستاذ الجامعى محمد صلى الله عليه وسلم. قال المرشد: إن محمد صلى الله عليه وسلم كان يعلم الناس الصلاة مثلا، وهي شأن من شئون الآخرة.

-هو ذاك

- وإذا تخاصم بعض الناس في زمن النبي صلى الله عليه وسلم إلى من كانوا يتحاكمون؟

- إلى محمد صلى الله عليه وسلم

- وهل يرتضون حكمه وينزلون عنده؟

- نعم: فإن ذلك من الإيمان.

قال الإمام المرشد: إذن محمد صلى الله عليه وسلم كان يرى نفسه مسئولا عن تنظيم حياة الناس.

- نعم لا ريب في ذلك.

- وتنظيم الحياة أمر ليس من أمور الآخرة لأنه متصل بحاضر الناس في حياتهم التي يعيشونها على الأرض؟

- هذا حق

- إذن فقد كان محمد صلى الله عليه وسلم يعنى بتنظيم دنيا الناس.

وهنا سكت الأستاذ الجامعي. وابتسم الإمام المرشد، وراح يقول ليعينه على الجواب:

- أعني أنه كان ينظم دنياهم على قواعد الأخلاق

- أوافق على ذلك تماما.

- لقد التقينا: فدعوتنا هي وضع قواعد الأخلاق في كل أمر من أمور الدنيا، والسياسة التي تسميها أنت مهاترات وأكاذيب نريد أن نطعمها بالأخلاق الفاضلة.

وسكت الأستاذ الجامعي وابتسم.. سكت سكوت الرضا، وابتسم ابتسامة الموافقة([19]).

ويسقط أدعياء الزعامة من المتشيئين،والمتعملقين، ويهيل عليهم التاريخ تلالا من الطين والبصاق، ويبقى حسن البنا في ذاكرة التاريخ إشراقه متوهجة لا تخبو ولا تذبل ولا تموت. وتبقى مسيرة حياته وفكره مدادا ومددا لحملة الأقلام الشريفة الأصيلة، من شرقيين أوفياء مؤمنين، وغربيين عدول منصفين، ومن هؤلاء الكاتب الأمريكى روبير جاكسون في كلمات تتدفق بشعور يمتزج فيه الإعجاب والعجب بالحزن واللوعة والأسى:

- هذا الشرق لا يستطيع أن يحتفظ طويلا بالكنز الذى يقع في يده.

- إنه رجل لا ضريب له في هذا العصر.. لقد مرَّ في تاريخ مصر مرور الطيف العابر الذي لا يتكرر.

- كان لابدّ أن يموت هذا الرجل -الذي صنع التاريخ وحوَّل مجرى الطريق- شهيدا كما مات عمر وعلي والحسين.

كان لابد أن يموت باكرا، فقد كان غريبا عن طبيعة المجتمع.. يبدو كأنه الكلمة التي سبقت وقتها، أو لم يأت وقتها بعد.([20])

 

————————————–

([1] ) انظر التفصيل 17-18 من كتاب الإمام الشهيد: مذكرات الدعوة والداعية. (دار الزهراء للإعلام العربي- القاهرة1990)

([2] ) السابق 25

([3] ) المذكرات62

([4] ) المذكرات 66

([5] ) المذكرات71

([6] ) المذكرات74

([7] ) المذكرات نفس الصفحة.

([8] ) المذكرات 122- سجل الإمام الشهيد أن أول جمعية للإخوان قامت في الإسماعيلية في ذي القعدة 1347. لإبريل 1928والتاريخان لا يتوافقان: فلو اعتمدنا العربى (ذو القعدة 1347) لكان موافقا لإبريل 1949. ولو اعتمدنا على الإفرنجى (مارس 1928) لكان موافقا. لشوال 1346(انظر: التوفيقات الإلهامية لمحمد مختار باشا المجلد الثانى صـ1417، 148ط(1)1980

([9] ) المذكرات 180-181.

([10] ) فريد عبد الخالق: الإخوان المسلمون في ميزان الحق35. (دار الصحوة. القاهرة 1408-1987)

([11] ) انظر محمود عبد الحليم: الإخوان المسلمين: أحداث صنعت التاريخ 1/326طـ1 (دار الدعوة- الإسكندرية)

وكذلك: فريد عبد الخالق: السابق 45-46.

وريتشارد ب.ميتشل: الإخوان المسلمون. ترجمة الدكتور محمود أبو السعود.

هامش ص112 من تعليقات الأساذ صالح أبو رقيق. (دار الوفاء- مصر ط(1)1399-1979).

([12] ) ارجع في تفصيل ذلك إلى كتاب: كامل الشريف: الإخوان المسلمون في حرب فلسطين وخصوصا الصفحات 57-76. والصفحات 142- 149.

(مكتبة المنار- الأردن. دار الوفاء: المنصورة. مصر. ط(3)1404- 1984).

([13] ) انظر: محمد شوقي زكي: الإخوان المسلمون والمجتمع المصرى23-24.

وميتشل: الإخوان المسلمون 171

وفريد عبد الخالق: الإخوان المسلمون في ميزان الحق 53. وقد نشرت مجلة “الدعوة” في عددها الأول الصادر يوم الثلاثاء 22 من ربيع الآخر1370-30 يناير1951 تحقيقا مدعما بالوثائق والصور للتسلسل التاريخى لحل الإخوان ابتداء من 10 نوفمبر وانتهاء بقرار الحل الصادر في 8 ديسمبر 1948.

وراجع في تفاصيل هذا المخطط: 132-137 من كتاب: لماذا اغتيل الإمام الشهيد حسن البنا. لعبد المتعال الجبرى (دار الاعتصام- القاهرة- ط2- 1398-1978).

([14] ) انظر: فريد عبد الخالق: السابق 53-55.

محمد شوقي زكي: السابق29-31.

وللتوسع راجع: موسوعة السياسة: د: عبد الوهاب الكيالي وآخرون4/581.طـ(2) 1990. وكذلك 7/103-106طـ(1)1994- المؤسسة العربية للدراسات والنشر- بيروت

([15] ) ارجع إلى كتاب عباس السيسي” في قافلة الإخوان المسلمون” 1/283-284. (دار الطباعة والنشر والصوتيات- الإسكندرية.طـ(2)1407-1987)

([16] ) عمر التلمساني: الملهم الموهوب حسن البنا أستاذ الجيل28. (دار النصر للطباعة. القاهرة. د.ت).

([17] ) الإخوان المسلمون: أحداث صنعت التاريخ 1/240-241.وبعد ذلك بمدة ألقى الإمام الشهيد –بطلب منه- محاضرة قوية عن الكتاب في جامعة القاهرة مبينا خطورة الكتاب على العقيدة. واستمرت المحاضرة عدة ساعات (أنظر عمر التلمساني: ذكريات لا مذكرات46- دار الاعتصام- القاهرة1985)

([18] ) محمد لبيب البوهي: الإيمان والرجل56-57(دار الطباعة المصرية الحديثة.د.ت)

([19] ) محمد لبيب البوهي: الإيمان والرجل45-47.

([20] ) من كتاب: روبير جاكسون: حسن البنا الرجل القرآني: 5، 15، 19.

مقالات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

img
القائمة البريدية
img