img
جابر قميحة.. رفيق الدرب و”الضرب”
img

جابر قميحة.. رفيق الدرب و”الضرب”

د. عبد اللطيف محمد عامر

د. عبد اللطيف محمد عامر

 كلمات الرحيل والوداع والرثاء.. كلمات صعبة على النفوس وعلى الألسنة وحمية توظف هذه الكلمات في وداع الصديق قضينا معه أكثر سنوات عمرنا وأخصب أيام حياتنا.. تكون الصعوبة أشد وأقسى.

وعلى الرغم من أننا نحن المسلمين نؤمن بقضاء الله وقدره ونسلم بالموت حقيقة إيمانية لا يملكها إلا(الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً)، ولا يسعنا أمام هذه الحقيقة إلا ما وسع نبينا صلى الله عليه وسلم (إن القلب ليخشع وإن العين لتدمع، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، فإن لله وإنا إليه راجعون).

فإن الموت رهبة لا نقدر على دفعها، وإن للفراق لوعة لا نستطيع ردها، وهذه المشاعر التي تحكمني، وأنا أستقبل نبأ وفاة أخي (جابر قميحة).

رفيق الدرب

ترجع صلتي بالراحل الكريم إلى ما يقرب من ستين سنة مضت؛ حيث كان لقائي الأول به ونحن نخطو الخطوات الأولى إلى كلية دار العلوم جامعة القاهرة سنة 52- 53.

في أول فرصة سنة 52 سمح لطلبة الثانوية العامة بدخول دار العلوم بشرط اجتيازهم مسابقة تحريرية وشفوية تثبت قدرتهم على مواصلة الدراسة بهذه الكلية، وكان من أفراد هذه الدفعة (الشاعر فاروق شوشة، الأستاذ أحمد سيف الإسلام حسن البنا).

وفي الدفعة الثانية سنة 53 كانت المجموعة التي ضمت الطالب جابر قميحة والطالب حسين الترساوي والطالب عبد اللطيف عامر.

وكان الالتحاق بهذه الكلية أملا لدى بعض هواة الأدب والنقد والدراسات الإسلامية وكان منهم من قبل في بعض كليات الجامعة كالآداب والحقوق وغيرهما فسحب أوراقه ليوضعها دار العلوم الأمل والمستقبل وربما رغب بعض طلاب الانتساب إليها لأنها هي الكلية التي خرجت الرائدين الإسلاميين حسن البنا، وسيد قطب عليهما رحمة الله ورضوانه، وجاء جابر قميحة من موطنه الأصلي (المنزلة- الدقهلية).

وحين رأيته لأول مرة بالكلية حسبته بعض أعضاء هيئة التدريس أو على الأقل معيدًا بها فقد أعطاه الله بسطة في الجسم وقامة رياضية ممشوقة وصوتًا جهيرًا يبعث على الاحترام ولكن لا يبعث على الرهبة وكان يسير كما إبراهيم ناجي واثق الخطوة يمشي ملكًا.

وعلى الرغم من تداعيات وأحداث فرقتنا بعض السنوات وأشير إليها في موضعها من هذه الصفحات فإن (الصالح يبقى صالحًا أبد الدهر ويبقى الشر شرًّا).

وقد عدت بعد سنين لألتقي بجابر قميحة ومازال الشموخ في قامته والدعوة في أعصابه وعلى لسانه والصراحة في تعبيراته وجهارة صوته جمعتنا (الدراسات العليا) كل في طريقه الذي اختاره فاختار هو مجال الدراسات الأدبية واخترت أنا مجال الشريعة الإسلامية ثم كان الماجستير والدكتوراه… حتى قدر لنا بعد عقود أن تجمعنا زمالة العمل في الجامعة الإسلامية (إسلام آباد- باكستان) وعدنا مرة أخرى نمد جذور الأخوة في الله كما نمد جذرو الزمالة في العمل.

لقد بدأ جابر قميحة حياته العملية كما بدأتها مدرسا في التربية والتعليم فلم يكن هو المدرس الموظف وإنما كان المربي الأمين الذي يحمل مبادئ الدعوة على كاهله ويحمل مبدأه في قلبه ومشاعره.

وجاء إلى إسلام آباد أستاذا للأدب ولا أكون مبالغا إنما قلت إن الجامعة الإسلامية قد عرفت عهد الندوات الثقافية النشيطة حين وفد إليها جابر قميحة.

وتنوعت هذه الندوات واتسعت مجالاتها بين النقد والأدب والفقة وأصوله والسياسية والاقتصاد وأصبحت التزاما جعلته كليات الجامعة على تعددها نشاطا من أنشطتها الثقافية الفكرية.

والالتزام كما يراه النقاد التزام فني والتزام اجتماعي يفرض لونا من الالتحام بين الأديب وإنتاجه من ناحية وهموم أمته ووطنه من ناحية أخرى.

وكان انحياز الأديب الشاعر جابر قميحة إلى هذا النوع الثاني الذي يمكن أن نسميه أدب المقاومة والذي يظهر في بعض عناوين دواوينه (لله والحق وفلسطين، الزحف المدنس، لفلسطين ننزف شعرا، لجهاد الأفغان أغني).

وإذا كانت العناونين التي أشرنا إليها دليلا على الالتزام الاجتماعي وعنوانا على انتماء هذا الالتزام إلى الإسلام فإن ذلك قد دعا بعض قرائه وتلاميذه إلى الكتابة عنه في بحوث ورسائل جامعية.

“رفيق الضرب”

و”الضرب” ضرب في الأرض حين ضاق الوطن الأم بأبنائه وهو تحقيق قوله تعالى (قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها).

أما الضرب الآخر فهو ضرب الأجسام وجلد الظهور حيث يستقوي جبار على أبرياء (مستضعفين في الأرض).

وفي مجال الدراسة الجامعية يتسع المدرج لكل الوافدين من مختلف الأقاليم وينصرف الجميع إلى محاضرات الأساتذة.

ولكن لا تلبث أن تتبلور التيارات والمشارب فيتخذ كل فرد إلى تياره.

وأحسب أنه في مثل هذا المناخ المتجدد ينشأ الفكر وينشط العقل ويستنشق الجيل حريته ويعرف ذاته.

ولقد استطعت بسهولة أن أتعرف على الأخ جابر قميحة وأن أضمه إلى الألبوم الذي ضم قبله إخوة مثله جاءوا إلى الجامعة يحملون مبادئهم كما يحملون كتبهم وينشدون ثقافة كما يمثلون حضارة وشباب المبادئ دائما هم حراس الحاضر وأمل المستقبل.

ولقد وفد الطالب جابر قميحة إلى كلية دار العلوم يحمل في قلبه ومشاعره دعوة شغلت الشباب في هذه الفترة وكانت كلمة السر في سرعة اللقاء الروحي والنفسي بين القادم من الصعيد والقادم من الوجه البحري.

وقد أعزني هذا الطالب إخوانه في الفرقة الأولى بالكلية في إقامته نموذج (لحديث الثلاثاء) الذي كان يقام في المركز العام للإخوان المسلمين وأبدى استعداده لافتتاح ندوات هذا الحديث.

واقترح الأخ حسين الترساوي اسمي لتقديم الدكتور جابر قميحة في أول حلقة وملأ أخونا القاعة بصوته الجهير وضبطه اللغوي وحسه المتدفق حتى جذب انتباه الحاضرين ولفت أنظارهم.

ولكن كانت هناك أنظار وعيون أخرى تمثل ما يعرف بالكاميرا الخفية تعلب دورا جاسوسيا للسلطة القابضة على الأمور والتي سميت حين ذاك بـ”الحركة المباركة” حتى تستقر فتقبض على شئون البلاد ورقاب العباد.

وكنا قد دخلنا في سنة 54 حيث بدأ الشتاء الرهيب يغشي المدينة وبدأ البرق والرعد والغيوم تغطي الأفق بوجه عام والكلية بوجه خاص فلم يكتب لحديث الثلاثاء بالكلية أن يستمر فانفضت الوجوه وانفصلت الأيدي وسار على كل طالب أن يتحسس طريقه وسط الضباب وأن ينقل خطواته داخل كليته في حذر تراقبه عيون.

وفي هذا الجو تفرقت أجسامنا وإن لم تتفرق أرواحنا ووجدت نفسي في السجن الحربي ووجدت حسين الترساوي يحكم عليه بعشر سنوات ووجدت جابر قميحة يعاني الوحشة والغربة ويسير مع آلاف من إخوانه في مظاهرة عرفت بمظاهرة “ميدان عابدين”.

وكان ما كان من أمر هذه الفترة المظلمة التي كان “الضرب” فيها من أبرز سماتها والتي عبرت عنها حين ذاك بقصيدة جاء فيها:

الليل يا جلاد هائم    والسجن يطفح بالمظالمْ

جدرانه الصماء يا    جلاد كالحة المعالمْ

والسوط يكوي أظهرًا   لم يُحْنِها جبروتُ غاشمْ

وكلابك المسعورة     انطلقتْ لتنبح في (المحاكمْ)

ولتخنق الحق البريء   وتجعل المظلوم ظالمْ

 شاعر في حصن “الدعوة”

لقد بدأت صلة جابر قميحة بدعوة الإخوان المسلمين في موطنه “المنزلة” حيث تأثر بأساتذته من الإخوان، كما انفعل مع أحداث قضية فلسطين فكانت باكورة شعره في قصيدة بدأها بقوله:

فلسطين أمي وحق اليقين  وحق الشهيد غدًا تسمعين

ولكن الذي أخذه وشده أكثر من ذلك هو لقاؤه لأول مرة بفضيلة المرشد “حسن البنا- رحمه الله” فأنشأ قصيدة من الشعر الحر يشيد فيها ببلاغة القائد وعبقرية المرشد.. وقال فيها:

رأيته.. أمامه من القلوب ألف ألف تسمع

كأنما يلحق الضياء والشفق

ويرسل النشيد من ضياء قلبه الكبير

ترنيمة من الذهب

ولقد صور “الدكتور” جابر قميحة في رحلته الأدبية موقف القرآن من الشعر والشعراء، فسمى بعض الشعراء “بشعراء الغواية والضلال” والشعراء الملتزمين بالقيم الإنسانية الذين لا تناقض أفعالهم أقوالهم.

ولعله استنادا إلى هذا التصنيف قد انطلق ينظم قصائد الشعر الرصين، فيوظفها في حراسة القيم الإسلامية والوطنية حتى تكون هذه القصائد من نوع “الشعر الملتزم” الذي لا يصدق على أصحابه أنهم “في كل واد يهيمون”.

كما فرق د. جابر بين أنواع الشاعرية ودرجاتها فلخص هذه الأنواع في ثلاثة:

(1) الشاعرية المطلقة: وهي الشاعرية المطبوعة أو الشاعرية بالسليقة.

(2) شاعرية المناسبات الملحة أو الشاعرية العابرة.

(3) التذوق الأدبي والحسي النقدي.

هذه جولة ضيقة في حياة واسعة، وفكر الإنسان ودعوته هي حياته فإما أن ينتهي الفكر بانتهاء صاحبه وإما أن يتوهج الفكر ويضرب المبدأ بجذوره في أعماق الحياة وإن واجه الداعي إليه مصير كل حي حيث يحشر مع (النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا).

————–

* أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الزقازيق.

قالوا عن د. جابر قميحة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

img
القائمة البريدية
img