img
الهجرة إلى الجبّ
img

الهجرة إلى الجبّ

مسرحية شعرية من فصل واحد

[المنظر: ميدان واسع تمتد منه شوارع جانبية , وفي صدر الميدان مبنى ضخم مكتوب عليه بخط كبير على لافته سوداء (مصلحة الهجرة). تظهر للمشاهدين الحجرة الرئيسية من المبنى في شكل مكتب ضخم، والحيطان غاصة بأرفف الملفات.

والضابط المسئول واقف يرتب في عصبية بعض الأوراق، وهو يرتدي بنطلونه الأصفر وقميصًا أزرق بكم كامل. أما الجاكت الأصفر الرسمي فمعلق على المشجب، وشرطي النظام واقف في انتظار الأوامر ـ والمواطنون بملابس مختلفة يسيرون هنا وهناك، وكذلك ثلاثة من رجال الشرطة، وهم يمرون في تباطؤ، ودون انتظام في الشارع الفرعي في أقصى اليسار..].

الضابط (لشرطي النظام): افتح أذنيك وعينيك.

واحرص كل الحرص على أن يلزم كل دوره

وافتح عينيك لما قد يحمل بعض الناس

ممن يقفون هنا في الصف.. من يدري؟

قد يحمل أحد قنبلة في يده أو في دوسيه الأوراق.

أو حتى في داخل “سنداوتش الفول”.

الشرطي: حاضر يا فندم.

[يمر رجل في سن الشيخوخة، ضعيف النظر يبدو عليه السذاجة، ويلبس جلبابًا بلديًا مخططًا وطاقية، وفي يده جرنال قديم. يقف أمام مكتب الضابط ـ الذي لم يكن قد ارتدى الجاكت الأصفر الرسمي، ويهم بفرد الجرنال، ويتجه إلى الضابط بحديثه).

الرجل: قل لي يا ولدي: هل أخرجتم أول دفعة؟

الضابط: دفعة؟! أخرجنا دفعات لا تحصى. لكن بشروط معروفة.

الرجل: دفعات لا تحصى؟! الساعة يا ولدي الثامنة صباحًا.. فمتى كانت أول عجنة؟

الضابط: عجنة؟ أية عجنة؟

ما هذا التخريف الأبله… يا أبله؟!

[يعيد النظر والتقليب ـ وهو ما زال واقفًا ـ في أوراقه هو يتمتم في ضيق:]

هه… عجنة.. وعجين.. ودقيق أسمر أو فاخر.. لبخ.. لبخ.. لا يمكن أن ينتهي.

الرجل: يا لله.. فلأحتل مكاني منذ اللحظة.. فأنا أول من في الصف.

وسآخذ خبزي من أول لوح يخرج من نار الفرن.

الضابط: (يترك أوراقه وينظر إلى الرجل في غضب).

ماذا تبغي يا محترم؟!

الرجل: [وقد ظهرت البشاشة على وجهه وهو يفرد جرناله أمام الضابط فوق مكتبه، ويقدم إليه جنيهًا، ويقول بصوت خفيض]

عشرين رغيفًا.. عشرين.. للسكان.. شوشو هانم، ست تفيدة.. أحمد أفندي.. حسين الرايش.. وأنا أيضًا أحتاج ثلاثة..

واعذرني يا ولدي.. فأنا البواب المغلوب على أمره.

الضابط: يا سيدنا.. يا بواب..

ليست هذي طابونة.. ليس هنا خبز أو فرن.. أو فران.. أو عجان.. أو خباز..

هذا المبنى.. مبنى رسمي..

هذا المكتب.. تبع الدولة.

واسم المكتب… مصلحة الهجرة..

مفهوم.. يا شيخ البوابين؟!

الرجل: لكنك منذ قليل قلت: أخرجنا عدة دفعات!!

الضابط (في ضيق شديد)..

يا أبله..

دفعات أناس للهجرة.. طلبوا الهجرة.. لا دفعات من ألواح تحمل خبزًا..

مفهوم!!

الرجل: لا.. وحياتك

الضابط: أوه.. افتح مخك.. حاول تفهم هذا الديوان العالي يدعى “مصلحة الهجرة”.

الرجل: ما معنى هذا؟

مصلحة تصلح بين الزوجين.. بالأمس سمعت الواعظ في درس المغرب.. يشرح للناس:

من حق الزوج إذا مالت زوجته وتعصت أن “يهجرها” في المضجع حتى تتأدب ,هل تأتي المصلحة.. مصلحة الهجرة.. كي تصلح بين الزوجين.

وتجمع بينهما في المضجع؟

الضابط: [بصوت حاد، فيه سخرية]

ما شاء الله..  ما شاء الله!!

ما هذا العلم الخارق.. يا سيد مصلحة البوابين العليا؟؟

مصلحة الهجرة.. وافهمني.. في عرضك.. حاول أن تفهمني.. تمنح للراغب في أن يهجر وطنه.. بلد النهر.. تأشيرة هجرة.

هيه !!.. خلاص؟

الرجل: ولماذا يهجر إنسان وطنه؟؟

الضابط:.. والله يعني.. اسمع

فلتسأل في ذلك من يطلب تأشيرة هجرة

الرجل: لكني أجهل عنوانه… عنوان الطالب للهجرة.

الضابط [وقد زادت عصبيته وحدته…].

خلاص.. خلاص.. يا عالم….

خلاص.. اتركني.. فارق.. لا تسأله..

الرجل: لكن قد “يزعل” إن لم أسأله. قد يفهم أني لا أهتم بأمره

الضابط: يا رجل… يا أبله… تسأل من؟

الرجل: أسأل من يرغب في الهجرة عن سبب الهجرة.

الضابط: ولماذا تسأل يا أحمق؟

الرجل: بالله عليك..

أأنا الأحمق حين أنفذ ما تأمر به؟

أو لست القائل من لحظات: “اسأل عن ذلك من يبغي الهجرة؟”.

الضابط: يا ألطاف الله!!

خلاص.. اذهب واسأله.

الرجل: لكني لا أعرفه حتى أسأله.

الضابط: خلاص.. خلاص..

لا تتعب نفسك… لا تسأله.

الرجل: لا أسأل من؟

الضابط: الراغب في الهجرة.

الرجل: من هو؟ قل لي حتى لا أسأله.

الضابط: أنا لا أعرفه حتى تسأله أو لا تسأله.

الرجل: هل أنت المسئول عن المصلحة… مصلحة الهجرة؟

الضابط: أي والله.

أنا المسئول عن المصلحة… مصلحة الهجرة.

الرجل: إن كان رئيس المصلحة لا يعرف أسماء الناس.

أعني.. من يرغب في الهجرة..

فهل المرءوس كذلك يجهل تلك الأسماء؟

الضابط: يجهلها أيضًا.. مبسوط؟؟

الرجل:.. عالْ.. سوّى بينكما الجهل إذن

فلماذا كان هو المرءوس وأنت الريس؟

الضابط: يعلمها مبسوط؟

مرءوسي يعلمها.. يعلم كل الأسماء… يعلمها… هيه ارتحت؟؟

الرجل: عال.. فيفوقك في العلم إذن!!

فلماذا أنت الريس وهو المرءوس؟

“العالم أولى بالتقديم من الجاهل”. ذلك ما قال الواعظ ليلة أمس في المسجد

الضابط: خلاص.. هو منذ اللحظة ـ يعتبر الريس.

الرجل: فلماذا لا تترك هذا المكتب له؟

الضابط [في غضب شديد، وهو يضرب المكتب بقبضة يده]

لن أتركه.. لن أتركه..

الرجل: لكن.. تلك مخالفة للقانون…

الضابط: ما شاء الله!! وفقيه دستوري أيضًا؟ افهمها كيف تشاء…

واجعلها مني ألف مخالفة للقانون… أعلن ذاك لكل الناس…

مبسوط…

الرجل: لكنك من لحظات قد…

الضابط (مقاطعًا في هياج…)

اخرس… اخرس يا بواب الكلب

من سلطك عليَّ اليوم. قل لي… واخلص.

ماذا تبغي.. ماذا تبغي؟

الرجل: أبغي خبزًا..

الضابط: لا نصنع خبزًا.

نأكله.. آه.. لكن نصنعه… لا نحن هنا في “مصلحة الهجرة”.

لا فران.. ولا فرن.. ولا طابونة يا سيد.

الرجل: لا حول ولا قوة إلا بالله.

فلماذا لا تكتب لافتة تظهر أن المبنى “مصلحة الهجرة”.

الضابط: [مشيرًا بسبابته إلى أعلى]

يا سيد فلتنظر… افتح عينيك إلى أعلى.

انظر: لافتة ضخمة: مصلحة الهجرة.

الرجل: لا فائدة من النظر لأعلى أو أسفل فأنا أمي لا أقرأ أو أكتب.

الضابط: [في لهجة ساخرة هادئة]

ما شاء الله… ما شاء الله!!

الرجل: [وهو يهم بالانصراف]

لو كنتم حقًا عقلاء.. لوضعتم أعلى المكتب لافتتين..

واحدة يقرؤها المتعلم.. والأخرى للأميين.. من أمثالي.

[ينصرف الرجل، فيتنفس الضابط الصعداء، ويرتدي “الجاكت” الرسمي الأصفر ذا النجوم النحاسية على كتفيه، ويجلس إلى مكتبه، وقد وقف أمامه قرابة ستة أشخاص من طلاب الهجرة، وأولهم كهل في الأربعين من عمره مشرق الوجه، وسيم الهيئة، ذو لحية خفيفة شديدة السواد، ويرتدي ثيابًا تشبه إلى حد بعيد الثياب العربية… ويوجه كلامه للضابط..].

من فضلك خذ كل بياناتي..

أبغي تصريحًا بالهجرة.

الضابط (يفتح أمامه دفترًا ضخمًا ويمسك بقلمه استعدادًا لكتابة البيانات).

اسمك بالكامل؟

الرجل: الطيب غالب.

الضابط: والشهرة؟ لقب الشهرة؟

الطيب: محبوب الناس.

[الضابط يقف منتفضًا.. وعلى وجهه ابتسامة , ومظهر اهتمام , ويمد يده مصافحًا الطيب ثم يجلس في هدوء..].

معذرة.. مثلك كالبدر الساطع لا يخفى

 لكن هموم الأعمال تنسي صاحبها أحيانًا

فالطيب غالب محبوب الناس بحق علمًا.. أدبًا.. وعراقة أصل..

لكن عجبًا!!

الطيب يهجر أرض النهر.. لماذا؟

ما كنت أفكر أبدًا أن يهجرها الطيب..

الطيب: لا يدفعني للهجرة إلا أني الطيب.. الطيب غالب

الضابط: ما زلت أقول:

ولماذا تهجر أرضا…

كانت لك أمًّا… واحتضنتك؟

الطيب:… كانت…

لكن ما عادت أمًّا تحتضن.

الضابط: هل فقدت أرض النهر أمومتها؟

الطيب: ما فقدت أرض النهر أمومتها مختارة , بل سُلبتْ روحَ أمومتها ومشاعرها.

الضابط: يا طيب غالب

تلك مشاعر جوانية.

أعني: إحساسًا ذاتيًا.. لا يتعدى في أعماقك منطقة الوهم

الطيب: بل هذا إحساس الناس جميعًا…

صوت الواقع في هذي الأرض المقهورة.

الضابط: صوت الواقع؟ لا أفهم.

الطيب: الواقع في أرض النهر يقول..

بلسان الحال يقول: “لا تبق بأرض لا تتسع لصدّيقِـين.

أرض لا تتسع لغير اثنين: الظالمِ والمظلوم.

… أرض تُـصلب فيها الكلمة.

الضابط: الكلمة تصلب؟!!

الطيب: في أرض النهر المسكينة تشنق كلمات الحق وتسحل

وكلاب الأرض تجرر أحشاها.. وتمص دماها..

وأخيرًا… يحملها العسكر كي تصلب

ميتة تصلب.. كي تأكل منها الحشرات.. وسباع الطير.

الضابط: لم أفهم…

الطيب: ياللعار…

أضحى حق التعبير هنا ببطاقة تموين

لا كلمة إلا ما يرضي “الجنرال الأكبر”.

فإذا ما أغفلتَ رضاه بكلمة.. حتى لو كانت عين الباطل

أصبحت عديم الوطنيةْ… ووُضعتَ بقائمة الخونةِ أعداء الشعب.

الضابط: ماذا في ذلك يا طيب؟

قانون وضع لنفع الشعب.. هذا ما قال “الجنرال الملهم”…

وهدوء الأحوال بأرض النهر… تؤدي ما فيه من الحكمة والفطنة.

الطيب: هه..

نفْـع الشعب؟!

ما نفع الشعب بأن تخرس ألسنته؟!

إن الأفواه إذا كَـتِمتْ تتولى الأيدي سلطان الكلمة.

الضابط: أيد تتكلم؟!

الطيب: بإشارات تتكلم أيامًا أو أشهر.

[بصوت مرتفع، ولهجة أشد]

فإذا بلغ السيل زباه

واشتد الكرب وفاض لظاه.. تصبح أيدي الناس بديلاً للأفواه

الضابط (بابتسامة ساخرة)

شيء عجب!!

ماذا تفعل هذي الأيدي؟؟

الطيب: ساعتها..

سيكون هنالك بركان.. يتضرم في أعماق الناس

والأيدي ستكون المنفذ تتولى عنه التعبير.

الضابط: فبأي لغات العالم

تتكلم تلك الأيدي يا طيب..

الطيب: تتكلم نقمًا.

وترش الأرض حميما ودما.. لا صوتَ هنالك إلا للغليان

لا موضع فيها إلا للنيران.. آه.. رباه

هذا ما أخشاه على وطني أرض النهر.

الضابط: لم أفهم…

الطيب: لن تفهم أبدًا.. ما دمت بهذا الزي الأصفر

وعلى كتفيك نجوم وأهلّـه.

الضابط: حتى هذي لم أفهمها.

الطيب: لا تهدر وقتك… لن تفهم.

الضابط: ومتى أفهم؟

الطيب: لو أسقطت الزي الأصفر والأنجم…

الضابط: عن جسمي؟

الطيب: عن قلبك.

الضابط: هل للقلب لباس حتى يسقط؟

الطيب: أقنعة وملابس لا تحصى.

الضابط: والزي الأمثل؟؟

الطيب: “ولباس التقوى ذلك خير”.

الضابط: ياه!! يا ليتك تُـفهِـمني.. فكلامك ساحر.

الطيب: آه!! يا ليتك تَـفهَـمني..

حتى لا تغدو مخدورًا غافل.

الضابط: قد طال بنا حبل الجدل…

والصف وراءك جد طويل…

لنعد للموضوع الأصلي…

فلتكمل كل بياناتك…

الاسم: الطيب غالب.

لقب الشهرة: محبوب الناس.

والعمل؟

الطيب: أستاذ في “جامعة الحق”.

الضابط: والمادة؟

الطيب: فن الإلقاء، وإبداع النص.

الضابط: [يرفع وجهه بعد كتابة البيانات السابقة].

المركز ممتاز ..  عاٍ..

والناس يحبونك حبًا ما منحوه لأحد قبلك

فلتبق لمنصبك العالي.

الطيب: لن أبقى في أرض فيها يحتقر الرأي..

ويذوي الوعي.. والعسكر والمنسر فيها

يجمعهم قاموس واحد..

الضابط: لكن المصلحة العليا…

تتطلب أن تبقى في موقعك “بجامعة الحق” لتعلم طلابك

“فن الإلقاء وإبداع النص”.

الطيب: هذا لا مرية فيه.. لو تركوا لي حرية أن أتنفس

أن أمنح طلابي خير عطائي..

حتى تثمر أرض العلم نقاء ثرًّا وصفاء … إبداعًا حقًا ونماء.

لكن ـ واأسفاه ـ انتهكوا حرمة جامعتي..

جامعة الحق..

الضابط: لا.. لا.. يا طيب..

الجنرال الأعظم ينهض بالتعليم العالي..

رصد الحظ الأوفى من أموال الدولة للتعليم العالي

الطيب: (غير ملتفت إلى ما يقول الضابط.. مستمرًا في حديثه)

واأسفاه…

انتهكوا حرمة جامعتي.. جامعة الحق..

فرضوا في “منهج” هذا العام.

ألا يدرس طلابي ـ

إلا عفنا يدعى “الفكر الغالي”.

قالوا من تأليف “الجنرال الأعظم”.

الضابط: لا يا طيب..

إن “الفكر الغالي” خير مؤلف

والجنرال الأعظم أفرغ فيه تجاربه

… خبرات جهاده.. فلسفة حياته..

رؤيته للمستقبل في أرض النهر..

كتاب رائع.. رائع

بدليل التوزيع المدهش..

في أرض النهر وأرجاء العالم.

الطيب: [وعلى وجهه ابتسامة عريضة]

دعك من التوزيع الآن

نحن جميعًا نعرف كيف يوزع

والفكر – كما تعلم أو لا تعلم ـ

لا يحكم قيمته مقدار التوزيع.

الضابط: يا طيب.. أتهين “الجنرال الأعظم”

وهو اليقظ الساهر من أجل الشعب؟

[يفتح صحيفة على يمينه]

اقرأ هذا التحقيق الصحفي مع الجنرال الأعظم

سجله “قلمون الهايص”

أشهر صحفيي الشرق الأوسط

اسمع .. “الجنرال الأعظم لا يأوي لفراش

إلا بعد الفجر…

كي يستيقظ عند شروق الشمس.

أي لا يعرف طعم النوم سوى ساعة”.

الطيب: [وعلى وجهه ابتسامة…]

يا ليت الجنرال الأعظم يستغرق في النوم طويلاً…

الضابط: [وعلى وجهه أمارات الاستغراب]

ماذا تعني؟.. لم أفهم..

الطيب: أحيانًا يغدو النوم عباده

الضابط: واليقظة؟؟

الطيب: أحيانًا تصبح إفسادًا في الأرض.

الضابط: هل هذا صح؟

ذلك عكس المألوف ـ كما نعرف.

الطيب: لا تنس.. قدمت وقلت “أحيانًا”.

الضابط: لم أفهم…

الطيب: لن تفهم… نبهتك… نبهتك

ما دمت أسيرًا في هذا الزي “الصفراوي”.

الضابط: ياه!! عدنا من حيث بدأنا

الطيب: أنت العائد.

الضابط: ماذا؟

الطيب: وأنا الثابت في خط لا يتعرج.

الضابط: من فضلك… يكفيي هذا

فلتستكمل كل بياناتك..

(يصمت لحظات وهو ينظر في أوراق أمامه)

هيه… وإلى أي مكان تهجر؟

تلك قوائم كل بلاد المعمورة

مغلقة الأبواب.. استكفتْ…

ريكا العظمى.. ريكا الوسطى

شافا العليا.. شافا الصغرى

دولة نيرا…

كل بلاد المعمورة مغلقة الأبواب… استكفت

هيه…

أو مازلت مصرًا أن تمنح تأشيرة هجرة؟

الطيب: لن أتراجع..

الضابط: فإلى أي مكان تبغي الهجرة؟

الطيب: للجب…

منطقة الجب هنالك في الصحراء الكبرى.

الضابط: منطقة تابعة للوطن فلا تحتاج لتأشيرة

الطيب: قالوا لي: هجرة أمثالي من أصحاب الحيثية

حتى لو كانت للداخل تحتاج لتصريح خاص…

الضابط: [بعد تقليبه في أوراق أمامه..]

هذا صح…

منشور لم يصل المكتب إلا أمس

[يكتب في الدفتر الكبير وهو يسمع الطيب الكلمات التي يكتبها..]

ومكان الهجرة منطقة الجب المهجور

في الصحراء الكبرى

(رافعًا رأسه وعلى فمه ابتسامة ساخرة):

قد لا يلتقطك سيارة

لو جاءوا يستسقون البئر.

الطيب: غير مهم…

بل لو جاء السيارة كي يلتقطوني لأبيت..

الضابط: وطعامك.. قل لي: وشرابك…

في أرض ليس بها عمران؟

الطيب: أشرب من ماء الجب.

وأطعم من فِـطر قد ينبت عند الجدران…

هذا في الأيام الأولى

الضابط: ومشاعرك الإنسانية؟!

قد تفقدها حين تعيش بعيدًا عن كل الناس.

الطيب: بل ستكون أنيسي وعزائي

حيث أعيش… قلوب الناس… كل الناس…

الضابط: كيف وأنت بعيد عنهم؟

الطيب: قد يغدو أقرب خلق الله إليك بعيدًا عنك

وهو أمامك… بين يديك

ويكون الأبعد عنك ليالي وشهورًا وسنينا

أقرب خلق الله إليك…

والسبب الواضح أنك تحياه… يحياك…

يعيشك في نبضه.

الضابط: (وعلى وجهه ابتسامة سخرية):

ما شاء الله!!

أتكون كذلك في منطقة قاحلة

لا يوجد فيها غير الجب المهجور؟؟!!

الطيب: الجب؟! الجب أصيل وعريق..

ومن الجب يكون شروق.

الجب كيان.. لم يستعبده هوان

الضابط: (في سخرية): ولماذا.. يا طيب غالب؟!!

الطيب: لم يشهد من قبل عساكر.

الضابط: آمل أن تدرك هذه المرة.. أنك لن تلقى من تبيض

لأجلك عيناه من الحزن.

الطيب: أنا لست حريصًا أن يحزن من أجلي الناس.

الضابط: لكنك تحزن.. بل تبكي

حين تصيب الناس مصيبة

الطيب: أن أحزن للثكلى والبؤساء

ولجوع الجوْعى والفقراء

ولأرض النهر العطشى للأنداء..

أن أمسح دمع المفجوعين

أن أرفع إصر الظلم عن المقهورين

أن أطلق ألسنة المخروسين

أن أهتف “قولوا.. قولوا

فالكلمة حق مشروع

والكلمة ليست منحة حاكم

بل هي أعظم نعم الخالق.

والحر يشرد ويجوع

لكن يتكلم

يتألم…

لكن يتكلم

يحتضر وتذوي أنفاسه

لكن يتكلم…”.

هذا جوهر دعوتي العظمى

وعليها أحيا

وعليها ألقى ربي بعد الموت

الضابط: يا طيب.. هذا شعر رائع

هذا محض خيال بارع

الطيب: بل إحساس ينبض بالحق

وشعور لا يكذب أبدا

إن غشاه الألم العاتي

لم ييأس من نصرآتِ.

الضابط: يا عجبا …

أن تترك أرضا عامرة خضراء

وتهاجر للصحراء القاحلة الجرداء!!

والبئر هنالك صامتة مهجورة

الطيب: أنا أعلم أن البئر هنالك

راقدة في صحراء جرداء

صفراء ولكن عادلة لا تظلم

فنجوم الصحراء نجوم غير نحاسية.

بل بيضاء البسمة في ليل الكون.

ونجوم الصحراء عيون ساهرة.

كضمائر أهل العدل من الحكام

الضابط: يا طيب دع عنك خيال الشعر

وتعامل يا طيب من منطلق الواقع

ولذلك أسأل في إلحاح:

كيف تعيش هنالك .. في منطقة الجب؟؟

الطيب: سأعيش على فطر ينبت في جدران البئر

والماء بحمد الله وفير في البئر عميقة

الحب الطاهر في قلب موصول بالله.

الضابط: يا طيب …

هل ستظل تعيش على ماء، وطعامك فِـطر

يخرج من أعلى جدران البئر؟

هذا لا يضمن أن تبقى حيًّا إلا أيامًا.

الطيب: قدمتُ ـ بقولي ـ

إني لا أحتاج لذلك إلا أيامًا.

الضابط: (في لهجة ساخرة)

ومخططك التالي يا … طيب!!

الطيب: سأكون أمينًا وحفيظًا.

لرعاية ماء البئر المهجورة

أستخرجه …

أستحلبه.

وأُروِّي من أثداء البئر

الأرضَ العطشى المحترقةْ

سأشق بها قنوات النعمة والأملِ

أيام تمضي …

وبُـعَيد الأيام المعدودة

تخضر الأرض

وتهتز وتربو

فإذا ما أصفر الزرع المائس فيها

فلِـنُضج يتلوه حصادُ

لا صفرة عطش وموات.

والطير الجائع والعطشان

الباحث عن ظل وأمان

سيحط ليشرب، أو يلتقط الحب

ويُـرقِص روضتَـنا النشوى

بنشيد العملِ

نشيد الأملِ

نشيد الحبْ

وستهوي أفئدة كانت جدباء إلينا

وتمد يديها ليدينا

ليقول الكل بحرية

ويكون عمارٌ بعد يبابْ

ويكون طعامٌ وشراب

من بعد جفاف وخراب

ويكون العدل شريعة أرضٍ.

عانقها اللون الأخضر

أرض صاحبها لم يتزيَّ بزيٍّ أصفر

الضابط: آه.. هذي المرة … صدقني …

أدرَكَـني الفهم

أو ـ إن شئت ـ فبعضُ الفهم

الطيب: شيء عجَبُ …!!

إن صح فإني جِـدُّ سعيد.

الضابط: مضمون كلامك في إيجاز

“صحراء جرداء صفراء

ترويها من ماء الجب التاريخي المهمل

تتحول بالعمل الدائب والسهر الدائم

لحدائق غلْـبٍ غنَّـاء

تنبت تينًا .. عنبًا .. زيتونًا .. قثاء.

أرض بالمجهود الذاتي المضني

تتحول من صفراء إلى خضراء

والكل يقول بحريةْ

لا قيد على فكر أو كلمةْ

ما دام الحق هو الغاية ..

هيه .. فهمي صح ؟؟!!

الطيب: هذا حق ..

قانون أزلي لا يتخلف أو يختل

لا يتخلف أو يختل

لا يتخلف أو يختل

الضابط: لا … بل قد يتخلف أو يختل

فكثيرًا ما تطغى الصحراء على أرضٍ زُرعتْ فتبور

وتئول إلى فقر متيبسْ.

أرض ميتةٍ لا تتنفسْ.

أرض قاحلة لا تزرع ..

الطيب: (وهو يرفع نظره إلى أعلى , شاخص العينين كأنهما مشدودتان إلى شيء مجهول، وكأنه يقرأ من كتاب غير مرئي مفتوح أمامه بصوت عميق متئد).

حين يهون الحي الأخضر في نفسهْ

حين تميع إرادته بإرادته ..

ويسلِّم لفحيح الأفعى في وهَـنٍ

ويجافي في بلَـهٍ أصل جذورٍ

ضربت في أعماق الأرض سنينا وسنينا

ويريق بقية عزٍّ رفعتْ أغصانه

تنقض عليه الديدان لتمتص نخاعهْ

والنمل الأبيض والأسود ينخر سيقانه

يأكل عيدانه ..

يوقف خفقانهْ.

في هذي الحال المنكودةْ

الأصفر يزحف ويهيمنْ

الأصفر يزحف ويهيمن

ويصير الدرس الباقي للأجيال

من قصة زحف الأصفر فوق الأخضر

“إن ظهر فساد في بر أو في بحرٍ

فبما كسبت أيدي الناسْ

والناس إذا ما شاءوا تغييرًا

فبأيديهم يأتي التغييرْ

فبأيديهم أن ينتصروا

وبأيديهم أن ينكسروا”.

الضابط: (وقد بدا على وجهه شعور هو مزيج من الأسى والغضب , وهو يضرب بيده ما أمامه من أوراق).

واأسفاه .. واأسفاه

عدت لحالتيَ الأولى

لا أفهم … لا أفهم شيئًا مما قلْـتْ.

الطيب: لن تفهم إلا …

الضابط: أعرف …

أخلع هذا الزي الأصفر

سأقوم وأخلعهُ

فالفهم ولا زي أصفر

(ينهض ضابط الهجرة، ويخلع الجاكت الرسمي الأصفر ذا النجوم على كتفيه، ويعلقه على مشجب بجواره، ويظهر بقميصه الأزرق الذي كان يرتديه تحت الجاكت].

الطيب: [وهو يضحك بصوت مسموع]:

اخلع ما شئت فلن تفهم.

الضابط: من أجل الفهم أخذت بأمرك

فلماذا سأظل جهولاً؟

الطيب: يا سيد …

الثعبان إذا ما غير جلدهْ

هل يصبح كالبلبل خلقًا وطباعًا؟

هل تسمع منه فحيحًا أم تغريدًا؟

الضابط: لم أفهم ..

الطيب: لن تفهم إلا حين تحول ثعبانًا

يرقد في أعماقك .. طيرًا غريدًا.

يكسو آفاق الكون ربيعًا

وورودا

ونشيدا.

الضابط: بلبل

وربيع

وورود .. ونشيد!!

ما هذا؟ .. لم أفهم ..

فلتكمل كل بياناتك …

[يبدي الضابط تأففه الشديد، ويلقي نظرة على “الجرنال” الذي وضعه على يسار المكتب، فيمسك بالصحيفة وقد تهلل وجهه .. ويقول بنبرة عالية متدافعة الكلمات ..]:

يا طيب ..

يا .. أطيب .. من وقعت عيناي عليه

أقرأت جرائد هذا اليوم..؟!!

[لا ينتظر حتى يستمع إجابة الطيب.. بل يواصل حديثه المتلاحق..]

اسمع يا طيب هذا الخبر

[يقرأ في الصحيفة بصوت عال..]

“الدولة تبدأ مشروعًا ضخمًا للتعمير

الدولة تردم جب الصحراء الكبرى

وتقيم هنالك ..

ألف بناء للإسكان الفاخرْ

الجنرال الأعظم يفتتح المشروع

بقص شريط في الثامنةِ

صباحَ اليومْ …

الجنرال الأعظم يأمر …”.

الطيب: (مقاطعًا في لهجة يختلط فيها الحزن بالغضب)

ردموا البئر …!!؟

رباه …

خنقوا بالإسكان الفاخر كنز الماءْ

كتموا أنفاس البئر ودفنوها

وأنا أسمع فيها نبضات القلب الزاكي المعطاء

رباه!!

وأدوا الماء.

وأنا أسمع همس الصحراء الجرداء

كنشيج يبكي .. يستجدي ..

“يا أهل الله .. لله

أعطوني جرعة ماء

كي أمنحكم زرعًا ناضرْ

فالزرعُ الناضر يمنحكم في المستقبل

إسكانًا فاخر..

والإسكان الفاخرُ

يعجز عن أن يُـخرِج في الأرض

نباتًا ناضر”.

الضابط: لكن الإسكان الفاخر أجمل

أَسرِعْ يا طيب … وتملك

إحدى وحْدات الإسكان الفاخر

الخبر يقول:

تدفعُ ربع القيمة بالعمْلات الصعبة

والباقي تقسيطٌ

يُدفع في عشرين من السنواتْ.

أسرع واحجز قبل فوات الفرصة.

حقًا فرصةْ.

بدلاً من أن تقضي أيامك في صحراء قاحلة

يلسعك البرد المجنون ..

والقيـظُ العاتي الملعونُ

وتلوِّح وجهك شمسُ الظهر القهارةْ

أنصحك ـ بشرفي ـ فلتحجِز ..

الطيب: (بصوت خفيض وقد ظهر على وجهه علامات حزن شديد)

إن أفعل فسأخسر ذاتي

وأكون ..

[يدق جرس الهاتف، فيرفع الضابط السماعة وينهض واقفًا، وقد بدا على وجهه علامات الاهتمام..]

الضابط: سعدتْ أيامك يا فندم (بعد ثوان من الصمت)

نحن جنودك يا جنرال (بعد ثوان من الصمت)

نحن عبيد الإحسانات الجنرالية (بعد ثوان من الصمت)

نصدع بالأمرِ

وأمر سيادتكم لا يُـنقضْ .. (لحظة صمت)

لا يا فندم .. لن يهرب

أبدا لن يهرب يا جنرال.

طاب مساؤك يا جنرال.

[يضع السماعة ويوجه كلامه للطيب].

الطيب غالب

المشهور بمحبوب الناس:

لا هجرة..

الطيب: أنا أعرف هذا

بعد قراءتك الخبر المشئوم..

أنصرفُ ..؟

من حقي طبعًا أن أنصرفَ

الضابط: لا .. لن تقدر

مقبوض أنت عليك الآنَ

بأمرِ الجنرال الأعظمْ

الطيب: من غير محاكمةٍ ؟ .. يا عجبا!!

الضابط: بل بعد محاكمةٍ .. في محكمةٍ

سمعتُ ورأتْ.

كلَّ الحركات ..

والسكنات

والكلمات

مما قيل ودار هنا.

الطيب: لم أفهم

الضابط: هاهاها .. انقلب الحال

أنت الآن ـ بحق ـ في موقع من لا يفهم

لكن ..

من حقك يا طيب أن تفهم

(في لهجة متهكمة بطيئة)

لن تخلع زيًّا … وستفهم

اسمع يا طيب:

عُـقِدت محكمة الشعب الكبرى لمحاكمتك

الطيب: من غير سؤال أو تحقيق؟

من غير محقق؟

الضابط: بل بعد استجوابات وإجابات ومحققْ …

الطيب: أين التحقيق إذن؟

الضابط: يتمثل فيما قيل اليومَ.

ودار هنا…

كنت المسئول المستجوَب

وأنا سائلك المستجوِب

والمحكمة العليا يرأسُها الجنرال الأعظم

تستمع وتشهد

فالجلسة قد نُقلت

ومباشرة …

بالصوت وبالصورة نقلت

الطيب: لكن لم تشعرني أن هنالك

من يشهد أو يستمع

الضابط: ذلك أقرب من مفهوم العدل

ولبِّ الإنسانية

الطيب: لم أفهم

الضابط: (مقهقهًا..)

ها .. ها .. ها

لم تفهم!!

أشرح لك ..

مجهوليتك الرقباءَ

أي أن تجهل أن هنالك

من يسمع أو يشهد ..

تدفع عنك الخوف

وتمنع عنك الرهبة

فتكون طبيعيًا يجنان ثابت

الطيب: هل صدر الحكم؟

الضابط: طبعًا ..

قد صدر وصُدِّق واعتُـمِدَ

حكم عادل من محكمة يرأسها الجرنال الأعظم

الطيب: محكمة لم أمْـثُل بين يديها

الضابط: ولماذا تمثل بين يديها؟

الطيب: حتى تسمع مني .. وتراني

وأراها ..

حتى أبدي أقوالي بين يديها

وأدافع عن نفسي ..

هذا حقي ..

الضابط: ذلك يا طيب ما قد تم

تركتْـك المحكمة تقول

وأنا كنت المُستجوِب

طبقًا لقرار الجنرال الأعظم

المرقوم بعشر بعد الألف.

أقوالك سُمعتْ

ودفاعَك أبديْـتَ بحريةْ

دون مقاطعة من أحد

وعلى ذلك صدر الحكم.

الطيب: الحكم؟

ما الحكم؟

الضابط: السجن إلى أن تلقى الموت.

الطيب: والتهمة؟

الضابط: تعني التهمَ  ؟؟

اسمع تهمك يا طيب:

“الأولى: سب الجنرال الأعظم

باعث نهضة هذا الشعب

ومن غرس العزة في وجدانه

والثانية: التدبير المتقن.

من أجل الاستيلاء على جب الدولة

والثالثة: الإجرام الفاحش في حق العلم

برفضك تدريس كتاب “الفكر الغالي” للطلاب

وهو خلاصة فكر الجنرال الأعظم.

(لحظة صمت)

لكن هنالك تذييلاً

بعد الحكم وبعد التهم ونصه:

“تسقط هذي التهم وذاك الحكم

إذا ما الطيب عاد

لتدريس كتاب الجنرال الأعظم للطلاب”.

هيه يا طيب ما رأيك؟

الطيب: رأيي:

السجن إلي أحب وأحلى

ليظل الحق هو الأعلى

لا يفنى أبدًا أو يبلى

[يخرج الثلاثة الذين وراءه مباشرة في الصف، والذين كانوا يتظاهرون بأنهم من المواطنين الذين جاءوا لتقديم طلبات للهجرة . والحقيقة أنهم أفراد من البوليس السري، ويخرج أحدهم مسدسه.. صارخًا في الطيب]:

سلم نفسك لا تتحركْ ..

نحن رجالُ الجنرال الأعظم.

(يقتادون الطيب .. وهو يكرر ..)

السجن إليَّ أحب وأحلى

السجن إلي أحب وأحلى

(ويرخى الستار بالتدريج مع ابتعاد الطيب ورجال الشرطة في الشارع المتجه إلى داخل المسرح).

قصص وروايات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

img
القائمة البريدية
img