img
المسئولية الاجتماعية بين التقعيد والرصد الميداني
img
Print pagePDF pageEmail page

المسئولية الاجتماعية

بين التقعيد والرصد الميداني

 

بعيدًا عن المصطلحات الحادة، والخلافات الجدلية يمكن تعريف المسئولية الاجتماعية بأنها“الشعور الصادق بما يجب على النفس تجاه الآخرين، وأخذ النفس عمليًا بما يقتضيه هذا الشعور”..

ولتحليل هذه المقولة أقف في تأن ـ دون إسراف أمام عناصرها وأجزائها:

فالشعور ـ وهو العنصر النفسي الأساس في العملية كلها ـ يعني الإيمان والاقتناع المهيئ للعمل، بحيث يكون هذا الإيمان باعثًا قويًّا لأداء متطلبات الرسالة التي حملها المسلم لبناء المجتمع، وحمايته من الشر والباطل.

 وهذا العنصر النفسي الإيماني ذو مفهوم تكاملي جامع، فهو يشمل:

1ـ الإيمان بهادفية “الخلق” كما نرى في قوله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)(الذاريات: 56)، ومعنى العبادة التي هي غاية الوجود الإنساني، أو التي هي وظيفة الإنسان الأولى أوسع وأشمل من مجرد الشعائر، وأن وظيفة الخلافة داخلة في مدلول العبادة أيضًا، وأن حقيقة العبادة تتمثل إذن في أمرين رئيسين:

الأول: هو استقرار معنى العبودية لله في النفس، أي استقرار الشعور بأن هناك عبدًا وربًا، عبدًا يَعبد، وربًا يُعبد، وأن ليس وراء ذلك شيء.

والثاني: هو التوجه إلى الله بكل حركة في الضمير، وكل حركة في الجوارح، وكل حركة في الحياة.

بهذا كله يتحقق معنى العبادة، ويصبح العمل كالشعائر، والشعائر كعمارة الأرض، وعمارة الأرض كالجهاد في سبيل الله،, والجهاد في سبيل الله كالصبر على الشدائد، والرضى بقدر الله ، ومن ثم تصبح قيمة الأعمال في النفس مستمدة من بواعثها، لا من نتائجها، فلتكن النتائج ما تكون، فالإنسان غير معلق بهذه النتائج، إنما هو معلق بأداء العبادة في القيام بهذه الأعمال؛ ولأن جزاءه ليس في نتائجها، إنما جزاؤه في العبادة التي أداها(([1]).

2ـ الإيمان بالتقوى واستشعارها دائمًا، والتقوى مأخوذة من الفعل وقى، وأصل الاسم: الوقاية، وهي حفظ الشيء مما يؤذيه ويضره، يقال: وقيت الشيء أقيه وقاية ووقاء.

قال تعالى: (فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا) (الإنسان: 11)، وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) (التحريم: 6).

والتقوى: جعل النفس في وقاية مما يُخاف. ثم يسمى الخوف تارة تقوى، والتقوى ـ في تعارف الشرع ـ حفظ النفس عما يؤثم، وذلك بترك المحظور، ويتم ذلك بترك بعض المباحات لما روي عنه – صلى الله عليه وسلم – : “الحلال بين الحرام بين، ومن رتع حول الحمى فحقيق أن يقع فيه”، وقال تعالى: (فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) (الأعراف: 35).

وقال: (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ) (البقرة: 281) ([2]).

 فنقطة الارتكاز الأساسية في “التقوى” هي التفادي والبعد، وتجنب الموبقات، وكل ما يؤدي بالمسلم إلى الإيذاء والضرر في دينه ونفسه وعقله وعرضه وماله، لذلك كان من أهم القواعد الأصولية “دفع الضرر مقدم على جلب المصلحة أو المنفعة”.

3ـ صدق النية: وخلوص القصد لله تعالى من العمل، سواء أكان العمل عبادة أو عملاً دنيويًا ذاتيًا، أو عملاً يرتبط بالآخرين، قال تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) (الأنعام: 162 ـ 163).

يقول حجة الإسلام أبو حامد الغزالي: “الحقيقة ألا يراد بالعمل إلا وجه الله تعالى، وهو إشارة إلى إخلاص الصديقين، وهو الإخلاص المطلق، فأما من يعمل لرجاء الجنة، وخوف النار فهو مخلص، بالإضافة إلى الحظوظ العاجلة، وإنما المطلوب الحق ـ لذوي الألباب ـ وجه الله تعالى فقط”([3]).

فالعمل إذن يوزن بميزان النية، والعمل يكتسب أو يعدم قيمته تبعًا للدافع أو الباعث الذاتي، وهو ما يسمى بالنية، قال أبو سلمة: قلت لأبي سعيد الخدري: ما ترى فيما أحدث الناس من الملبس والمشرب والمركب، والمطعم؟ فقال: يا ابن أخي: كل لله، واشرب لله، والبس لله ، وكل شيء من ذلك دخله زهو أو مباهاة، أو رياء، أو سمعة فهو معصية أو سرف([4]).

يقول الدهلوي: أعلم أن النية روح والعبادة جسد، ولا حياة للجسد بدون الروح، والروح لها حياة بعد مفارقة البدن، ولكن لا تظهر آثار الحياة كاملة بدونه، ولذلك قال تعالى: (لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ) (الحج: 37)، وشبه النبي – صلى الله عليه وسلم – في كثير من المواضع من صدقت نيته، ولم يتمكن من العمل لمانع بمن عمل ذلك العمل، كالمسافر والمريض لا يستطيعان وردًا واظبًا عليه، فيكتب لهما، وكصادق العزم في الإنفاق، وهو مملق يكتب كأنه أنفق”([5]).

وقد سئل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء: أي ذلك في سبيل الله؟ فقال: “من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله”([6]).

وقد تصدق النية، ومع ذلك يتأدى العمل بصاحبه إلى نتيجة غالطة، ولكن يؤجر العامل على عمله هذا، قال النبي –صلى الله عليه وسلم – : “إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر واحد”([7]).

**********

الجانب السلوكي:

وما عرضناه – كما هو واضح – يمثل الجانب النفسي أو الجواني من المسئولية الاجتماعية، وهو جانب “الشعور” بأبعاده ومرتكزاته، وهو ـ كما ذكرنا آنفًا ـ يتحقق بمصداقية، إذا توافر له وفيه الإيمان بنبل الهدف وربانيته، واستثمار التقوى، وخلوص النية ونقاؤها.

وهذا العنصر الشعوري يجب أن ينعكس من الداخل إلى الخارج، ويتكثف في صورة “برانية” ظاهرة في “السلوكيات” وهذه السلوكيات نوعان هما:

1ـ سلوكيات ذاتية أو خاصة.

2ـ سلوكيات غيرية.

السلوكيات الذاتية:

السلوكيات الذاتية:

والنوع الأول يعني ما تعلق “بنفس الفاعل” لا يتخطاه، وإن كان له أثر غير مباشر على الآخرين، وذلك كالمأكل والمشرب، والملبس، والعبادة، وكل أولئك يجب أن يكون مشروعًا حلالاً منزهًا عن الحرام، قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فيما يرويه أبو هريرة “إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا) (المؤمنون: 51)، وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) (البقرة: 172)، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له؟!”([8]).

وعلى المسلم أن يتوخى تحقيق الكمال ـ أو ما يقرب من الكمال في عمله إتقانًا وإحسانًا، عن شداد بن أوس عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: “إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته”([9]).

وهذه الأعمال ـ على ذاتيتها أو خصوصيتها ـ لا تعدم وجهها الاجتماعي، وهوجانب “الاقتداء” , فالتقصير في مثل هذا العمل والإهمال فيه، وعدم الاكتراث بنتائجه، قد يقتدي به الآخرون، وتصبح النقيصة مرضًا اجتماعيًا عامًا، فالخلية المريضة إذا أهمل علاجها أدت إلى تدمير الخلايا الأخرى، والقضاء على البنية الحية تمامًا، وتتحقق النتيجة العكسية إذا ما سلك الإنسان السلوك السوي، وأنجز عمله في إتقان، وقد حذر رسول الله – صلى الله عليه وسلم – من الحالة الأولى بالترهيب، وحث على الحالة الثانية بالترغيب فقال: “من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها، ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء”.

**********

السلوكات الغيرية:

وهي التي تتعلق وترتبط بالآخرين: كأداء الأعمال في موقع الوظيفة، أو أداء خدمة للآخرين وأداء المهن والحرف المختلفة من صناعية وتعليمية، وتربوية، ودعوية في التعامل على نطاق الأسرة، والمجتمع العام، وكل هذه الأعمال يجب كذلك أن تتسم بالمصداقية والإتقان، ويقصد بها وجه الله في كل الحالات، ولو حققت “للفاعل” منافع دنيوية , وكسوبًا مادية.

ولتحقيق الأعمال في صورتها المنشودة لا بد أن يؤمن المجتمع عقيدة وعملاً بقاعدة “الأمربالمعروف والنهي عن المنكر” , وهو واجب الأمة جمعاء، فكل مسلم علم بالمنكر وقدر على إنكاره وجب عليه ذلك بقدر ما يستطيع، لا فرق في ذلك بين حاكم ومحكوم، أو عالم وعامي.. ولكن هذه المسئولية تتأكد بصفة خاصة، وعلى نحو أكثر على صنفين من الناس هما العلماء والأمراء([10]).

وعن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: “من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان”([11]).

ويرى الإمام الغزالي أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو القطب الأعظم في الدين، وهو المهم الذي ابتعث الله له النبيين أجمعين، ولو طوي بساطه، وأهمل علمه وعمله لتعطلت النبوة، واضمحلت الديانة، وعمت الفترة، وفشت الضلالة، وشاعت الجهالة، واستشري الفساد، واتسع الخرق، وخربت البلاد , وهلك العباد، ولم يشعروا بالهلاك إلا يوم التناد”([12]).

ومن المتفق عليه بين الفقهاء أنه ليس حقًّا للأفراد يأتونه إن شاءوا، ويتركونه إن شاءوا، وليس أمرًا مندوبًا، وإنما هو واجب على الأفراد، ليس لهم أن يتخلوا عن أدائه، وفرض لا محيص لهم من القيام بأعبائه([13]).

وقد تضافرت النصوص من القرآن والسنة تدعو المسلمين وتوجب عليهم أخذ أنفسهم بهذا المبدأ، ومنها الآيات الآتية:

ـ (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (آل عمران: 104).

ـ (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) (التوبة: 71).

ـ (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) (آل عمران: 110)

وعلى المسلم أن يكون قدوة حسنة يلتزم بما يدعو إليه، ويجتنب ما ينهى عنه، لذلك نعى الله ـ سبحانه وتعالى ـ على علماء اليهود إذ يأمرون أتباعهم بالحق والخير والصدق، في حين لا يأخذ هؤلاء الأحبار أنفسهم بذلك فقال: (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) (البقرة: 44)، ومما يروى عن هؤلاء الأحبار أنهم كانوا يأمرون أتباعهم باتباع التوراة، وكانوا يخالفونها، وكانوا يحضون على طاعة الله، ويواقعون هم المعاصي، وكانوا يحضون على الصدقة ويبخلون([14]).

وحديث النبي – صلى الله عليه وسلم – في تحديد موقف المسلم من المنكر ـ يبرز ثلاث صور: صورتين عمليتين، وصورة شعورية، فالصورتان العمليتان هما ـ على الترتيب ـ التغيير باليد، ثم التغيير باللسان عند العجز عن التغيير باليد، والصورة الثالثة: هي التغيير بالقلب، وهو يعني الشعور بعدم الرضى، وبالغضب والنقمة للمنكر الذي يراه أمامه، ولا يستطيع إزالته أو إبداء الرأي فيه.

وواضح أن الحديث قد عطف التغيير باللسان، وبالقلب على التغيير باليد، وهذا ـ كما تقول الدكتور نيفين عبد الخالق ـ يجعل إنكار المنكر بالقلب ما هو إلا تعبير عن حالة ترقب وانتظار لفقدان القدرة والاستطاعة على تغيير المنكر باليد واللسان، وهذا في حد ذاته ـ يشكل طاقة كامنة للتغيير يمكن أن تبزغ فجأة إذا وجدت الاستطاعة، وبطبيعة الحال إذا لم تكن تلك الطاقة الكامنة من أسرار الرفض، والمعارضة للمنكر وموجودة بالفعل، فهذا يعني أن التغيير لن يحدث مهما وجدت ظروف مناسبة تحقق الاستطاعة، وبذلك يعد الإنكار والمعارضة بالقلب هو بالفعل ضمن وسائل تغيير المنكر([15]).

وهذا التكييف الرائع للتغيير بالقلب يقطع بأن الإسلام بمرونته، وسعة آفاقه ـ فتح الباب، لكل مسلم حتى يؤدي مهمته الاجتماعية والإنسانية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالصورة التي يستطيعها، وتتفق مع إمكاناته، حتى لا يعطل واحدة من هذه الإمكانات، ولو كانت مجرد شعور داخلي، فالحاكم مثلاً يملك التغيير باليد، وقد لا يملك العالم إلا أسلوب الدعوة الكلامية ؛ لذلك قيل: “إنالله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن”.

ونستطيع أن ندرك مصداقية هذا الحديث النبوي، وصلاحيته للتطبيق في كل زمان وكل بيئة، إذا ما نظرنا إلى المثال التالي، وهو لا يخلو منه مجتمع من المجتمعات: رأي أحد المواطنين شخصًا ما يحاول أن يجبر فتاة على مصاحبته في سيارته، فيتخذ هذا المواطن موقفًا من المواقف الثلاثة الآتية:

 1 – أن يخلص الفتاة بالقوة من يد هذا الذئب البشري، وهذا الموقف ـ بلا شك ـ يمثل أعلى درجات التغيير.

 2 – أن يحاول منع هذه الجريمة بإرشاد الشاب إلى بشاعة ما هو مقدم عليه، أو يستنجد بالناس والشرطة لتخليص الفتاة، وهذا هو التغيير باللسان.

 3 – أن يعجز المواطن عن الموقفين السابقين لسبب ذاتي كمرض يمنعه من السعي أو النطق، أو محاولة الخاطف قتله أو قتل أحد أبنائه، أو ما شابه ذلك، فهو إذن لا يملك إلا استشعار الغضب والنقمة على هذا المنكر ومرتكبيه.

وهذه المرتبة تأتي في الدرجة الثالثة من المرتبتين السابقتين، لذلك وصفها الحديث بأنها “أضعف الإيمان” ولكن هذا الحكم لا يعني انعدام قيمتها، وإلا ما جعلها الحديث مرتبة، ثم إن الضعف نسبي، أي مقدر بالقياس إلى المرتبتين السابقتين فأعلى المراتب التغيير باليد، وأوسطها التغيير باللسان، وأدناها التغيير بالقلب.

وهذه الطاقة النفسية المخزونة هي التي تصنع الرأي العام الذي ينطلق فيما بعد للثورة وتحقيق التغيير الفعلي، والحديث كما رأينا قد رتب الصور الثلاثة ترتيبًا تنازليًّا: التغيير باليد، ثم التغيير باللسان، ثم التغيير بالقلب، ولكن هذا الترتيب قد يختلف إذا استشري الفساد، ولم يستجب أهل المنكر للتغيير، فتتحول “الطاقة المختزنة” إلى قوة تدفع الجماهير إلى التغيير باليد واللسان، وبذلك تحتل قمة المراتب.

**********

من نواقض المسئولية:

والنظرة الميدانية إلى المسئولية الاجتماعية والشعور بها في مجتمعاتنا تقودنا إلى صورة منها ضعيفة، بل تكاد تكون منعدمة عند كثيرين، هؤلاء الذين استبدلوا بها صورًا متعددة من التبلد الشعوري , والإهمال واللااكتراث، وضعف التقدير للأمور، وأصبح يدور على الألسنة لفظ “معهلش” يقال للاعتذار عن ارتكاب خطأ أو حتى خطيئة، والتهوين مما حدث، وتسرب هذا اللفظ المنكود إلى أغانينا الشعبية كأنه عقيدة لازمة، فتسمع مغنيًا أو مغنية ترفع عقيرتها على نغم رقيق “معهلش النوبة دي” وغير ذلك كثير.

وأذكر بهذه المناسبة أن الكاتب الفرنسي “جان كوكتو” زار مصر أواخرالأربعينيات ، وأقام في القاهرة بضعة أسابيع ضيفًا على النبيل بدر الدين خليل، فلما عاد الرجل إلى باريس كتب كتابًا بالفرنسية عنوانه “في بلاد معهلش” وتحدث عن ظاهر اللامبالاة، وراء هذه الكلمة اللعينة.

والواقع أن هذه الكلمة أصلها عبارة “ما علي شيء” وهي عبارة تنفي المسئولية، وحولت العبارة إلى ما نسميه “النحت” في اللغة العربية، أي تحويل جملة إلى كلمة تدل عليها مثل “إيش”؟ فهي تعني “أي شيء” , ومثل “حوقل” أي قال: لا حول ولا قوة إلا بالله” , ومثل “عبدري” أي رجل من بني عبد الدار.

ومن أهم أسباب ضعف الشعور بالمسئولية الاجتماعية، ويمكن أن نسميها نواقض المسئولية، أو خوارمها ما يأتي:

1ـ الجهل، وضعف الوازع الديني، وضعف الإحساس “بالرقابة” الإلهية فيغفل العبد قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) (النساء: 1)، وقوله تعالى: (وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا)(الأحزاب: 52).

2ـ ضعف الولاء الوطني ؛ لشعور الشخص بالاضطهاد، ووقوع ظلم عليه من ولاة الأمر، أو رؤسائه المباشرين، فيسلك درب “رد الفعل” بالإهمال في العمل، واللامبالاة في التصرفات.

3ـ إغفال التربية الاستقلالية في المنزل، والمحاضن التعليمية، ففي أغلب البيوت يظل الطفل ـ لسنوات ـ مربوطًا “بالحبل السري” إلى والديه، تحت مظلة عطفهما الدائم، دون وضعه في تجربة الاعتماد على النفس تدريجيًا، بلا تدخل في أموره إلا عند الضرورة القصوى، ومن البدهيات العلمية أن الضمير لا ينمو ـ في صورته السوية ـ إلا في ظل الحرية وممارسة تجربة الصواب والخطأ.

وما يقال عن البيت، يقال أيضًا عن مدارسنا، وخصوصًا في مرحلة التعليم الأساس، فالسيادة ـ في المناهج الدراسية – للتلقين والتحفيظ، وحشو عقول التلاميذ بمواد معرفية متعددة، وليس بينها مادة، أو خطة للتربية الاستقلالية، والتدريب على الأداء السوي لتكاليف المسئولية الاجتماعية.

4ـ ضعف الحاسة الاجتماعية، مما يترتب عليه “ضعف النظر التقييمي” للأمور باستصغار كبيرها، وما يترتب على هذه النظرة الغالطة، وهذا التقييم المختل من إهمال جسيم يضر بالناس والمجتمع.

ويلحق بذلك الاستهانة بالصغائر، وإغفالها، على أساس أنها “من قبيل اللمم” , وبتوالي الإغفال تتفاقم الصغائر حتى يكون لها تأثير الكبائر، فمعظم النار من مستصغر الشرر، وما أصدق الشاعر عبد الرحمن شكري، إذ قال:

إذا نحن طامنا لكل صغيرة                فلا بد يومًا أن تساغ الكبائر

**********

إن موضوع المسئولية الاجتماعية أكبر من أن تتسع له هذه السطور القليلة، وقد حاولت أن أربط الموضوع بواقعنا المعيش بقدر المستطاع، وهذا ما أسميه بالنظرة أو الرصد الميداني، والحمد لله رب العالمين.

 

 

الالمراجع

 

([1] ) في ظلال القرآن: سيد قطب 6 / 3387 ـ 3388، دار الشروق القاهرة، 1978م.

([2] ) الراغب الأصفهاني: المفردات 545: دار المعرفة ـ بيروت: 1998م.

([3] ) إحياء علوم الدين: 8 / 1359 ، دار الشعب، القاهرة.

([4] ) السابق: 11 / 1967م.

([5] ) الدهلوي: حجة الله البالغة: 2/83، دار التراث ـ القاهرة: 1977م.

([6] ) صحيح مسلم: كتاب الإمارة.

([7] ) صحيح البخاري: كتاب الاعتصام.

([8] ) مسلم: كتاب الزكاة.

([9] ) مسلم: كتاب الصيد.

([10] ) انظر: مصطفى بغا: الوافي في شرح الأربعين النووية 277 (بيروت: 1995).

([11] ) مسلم: كتاب الإيمان.

([12] ) الإحياء: 7/1186.

([13] ) عبد القادر عودة: التشريع الجنائي الإسلامي القسم العام 493، دار النشر ـ القاهرة، 1949م.

([14] ) تفسير القرطبي: 1/311، دار الفكر، بيروت: د. ت.

([15] ) نيفين عبد الخالق: المعارضة في الفكر السياسي الإسلامي، 129: مكتبة الملك فيصل، القاهرة، 1985م، وانظر كذلك د. جابر قميحة: المعارضة في الإسلام بين النظرية والتطبيق ص 71ـ 80، المصرية اللبنانية، الاقهرة 1998م.

Print Friendly, PDF & Email
مقالات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

img
القائمة البريدية
img