img
الشائعة …مفهومها، وأبعادها، ودوافعها.
img
Print pagePDF pageEmail page

الشائعة …

مفهومها، وأبعادها، ودوافعها.

ابتداءً يجب أن نعرف أن كلمة الشائعة تستعمل كما تستعمل كلمة (الإشاعة). والفرق بينهما هو فرق صياغة، فالشائعة مشتقة من “شاع” بمعنى انتشر، فهي فعل لازم، بينما الإشاعة مشتقة من الفعل “أشاع” فهي فعلٌ متعدٍ. ويرى بعض الباحثين اللغويين أن الشائعة تبدأ ، فإذا انتشرت أصبحت شائعة.

وفي القرآن الكريم استعملت كلمة شاع فقط مرة واحدة وذلك في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ) . النور19

***

والتعريف العلمي للشائعة كما عرضه فقه الإعلام والسياسة أنها سلاحٌ من أسلحة الحرب النفسية، ويتمثل في خبر مدسوس كليًّا أو جزئيًا، وينتقل شفهيًّا، أو عبر وسائل الإعلام دون أن يرافقه أي دليل أو برهان، ويقصد غالبًا بالشائعة تحطيم المعنويات، وتحقيق أهداف سياسية، أو اجتماعية … الخ.

وقد قسموا الشائعة عدة أقسام منها: الشائعة التي تنتقل ببطء من شخص إلى آخر، والشائعة التي تنطلق بضجة فتصل إلى أسماع عددٍ كبير من الناس خلال فترة زمنية قصيرة، وتكثر أيام الكوارث، وعند الانتصارات أو الهزائم. وهناك الشائعة التي يطلق عليها اسم “الشائعة الغائصة” أي أنها تروج في البداية، ثم تختفي لتظهر ثانية عندما تتاح لها فرصة للظهور.

والشائعة يطلقها العدو أو عملاؤه، كما تطلق ذاتيًا للتنفيس عن كبت شديد.

والشائعات موجودة بوجود الإنسان، وربما كان أشهر شائعة في أيام النبوة هي الإتيان بالإفك على عائشة بنت أبي بكر ـ رضي الله عنها ـ وقد تولى كبر هذه الشائعة المنافقون وخصوصًا عبد الله بن أبي بن سلول.

وقد ظهرت الشائعات أثناء الحرب العالمية الثانية لخدمة الجيوش المقاتلة، وعلى سبيل التمثيل أشاع الألمان بين الجنود المسلمين الذين يقاتلون في صف الحلفاء بأن الشحم المستخدم في البنادق وغيرها شحم خنزير، كما أشاعوا بين الجنود الهندوس، بأن هذا الشحم شحم مأخوذ من البقر، مما جعلهم ينحدرون معنويًّا؛ لأن هذا يعتبر إساءة لمعتقداتهم.

***

ولا شك أن أشهر الشائعات ما يحقق أحلام اليقظة، وأذكر وأنا طفلٌ صغير في الأربعينيات أنه سرت شائعة حينما اقتحم رومل العلمين، مؤداها أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ جاء لهتلر في المنام (وكان العامة ينطقونها هترن) فأسلم هترل على يديه فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الله يبارك لك في مصرك يا حاج محمد”.

سرت هذه الشائعة على نطاق واسع، وصحبتها مظاهرات مصرية تهتف “إلى الأمام يا رومل”.

وهذه الشائعة تمثل حلمًا كان يعيشه المصريون وهو التخلص من الاستعمار الإنجليزي، ومظالم الإنجليز، وهذا إن لم يتحقق فعلاً يتحقق على سبيل الحلم والأمل.

ويؤكد معظم العلماء النفسيين أن أفضل وسيلة لمحاربة الشائعة هي البحث عن مصادر القلق التي تنمو فيها الشائعات بهدف إزالة سبب الشائعة للقضاء عليها نفسها، بشكل غير مباشر، ولا يتحقق ذلك إلا بإزالة متاعب الشعوب والارتفاع بمستواها، حتى لا يجد الناس متنفسهم في شائعات مضادة للنظام القائم.

***

وما دفعني إلى عرض هذا الموضوع إلا ما قيل عن مرض الرئيس مبارك، واتهام أعداء الشعب من “الإخوان المسلمين” أو “الجماعة المحظورة” بأنهم وراء هذه الشائعة التي يمكن أن تحدث بلبلة وهزة عنيفة في الشعب، بحيث تهدد استقراره والسلام الاجتماعي الذي يعيش فيه.

أي أن النظام القائم اعتمد على تفسير ما حدث، وما تردد بأنه يعتمد على مؤامرة محبوكة الأطراف هدفها ما ذكرته آنفًا.

ونسي هؤلاء أن هناك قاعدة إعلامية نصها “الشائعة تروج عند غياب الخبر“، فلو أن المسئولين في النظام صرحوا ببيان عن مرض الرئيس، لما خرجت شائعة حيث وجد “الخبر” وخصوصًا أن مسألة المرض والموت مسألة في يد الله سبحانه وتعالى.

وقد قال (وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) (سورة الأنبياء: 34 -35).

ويجب ألا نرفض التفسيرات الأخرى لسريان هذه الشائعة، ومنها أن سريان هذه الشائعة يمثل لونًا من ألوان أحلام اليقظة، لا كراهية لرئيس الدولة، ولكن كراهية للنظام القائم، وخصوصًا بعد أن تفاقمت مشكلات الناس، وارتفعت الأسعار، وكثر الفساد، وظهرت طبقات من المرتشين، والهبارين، الهباشين، في الوقت الذي يعيش فيه أكثر من نصف الشعب تحت خط الفقر، كما نلمس التخلف في نظم التعليم بمراحله المختلفة،و شدة احتياج الناس لضرورات الحياة التي لا يستطيع الإنسان أن يعيش بغيرها.

مثل هذا التفسير يجب ألا يرفض، بل يكون في الاعتبار أيضًا على الرغم من أنه قد يكون قبوله شديدًا على رجال النظام.

والدول الأخرى تعالج الشائعات بالدراسة الوافية المخلصة القائمة على أسس علمية فيما يسمى عيادة الشائعات دون أن تلجأ إلى منافقة النظام وقادته، فمصلحة الأمة قبل كل شيء.

وهذه هي النظرة الواقعية الصادقة دون أن يدمر النظام طاقته في اتهام جماعة أو اتهام أفراد بأنهم وراء مؤامرة هدفها كذا وكذا وكذا.

وإني لسائل متى نأخذ بالأساليب العلمية في معالجة مثل هذه الشائعات إن وجدت، وأكرر مرة أخرى القاعدة الإعلامية الغالية وهي “الشائعة تروج عند غياب الخبر”.

Print Friendly, PDF & Email
مقالات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

img
القائمة البريدية
img