img
السعادة في ديوان الشعر العربي
img
Print pagePDF pageEmail page

 مرآة الأدب الإسلامي
السعادة في ديوان الشعر العربي

إن السعادة هي ذلك المعنى الذهبي الكبير، والقيمة النفسية العظيمة التي يحرص كل إنسان على أن يعيشها، ويوفرها لكل من يحب.

 ترى هل السعادة حقيقة واقعة، لها وجودها وكيانها، وآثارها في الحياة؟ أم أنها مستحيل رابع ينضم للمستحيلات الثلاثة المشهورة “الغول، والعنقاء، والخِل الوفي” ؟.

 وإذا كان للسعادة وجودها: فما مفهومها؟ وما طوابعها، وأبعادها، ومظاهرها؟ وما مجالاتها وحدودها؟

 ونحاول في هذا المقال أن نستنطق ديوان الشعر العربي، فقد نجد إجابات لهذه التساؤلات.

**********

 إن أول من يلقانا هو “أبو العلاء المعري” وعلى وجهه أمارات الحزن، والأسى، واليأس، والتشاؤم، وهو يقول:

هذا جناه أبي عليّ         وما جنيت على أحدْ

فيرى بتشاؤُمِه أن وجودَه جنايةٌ اقترفَها أبوه إذْ أنجبَه؛ لذلك عاش عَزَبًا طيلة حياتِه. لم يتزوجْ حتى لا يكرر هذه الجناية بالإنجاب.

أما الدنيا فهي دارُ شقاء لا مكانَ للسعادةِ فيها. يقول:

تعَبٌ كلُّها الحياةُ فما أعْـ          ـجِبُ إلا مِنْ راغبٍ في ازْديادِ

ويرى أنه لا خلاص من هذا الشقاء إلا بالموت، فيقول:

ضجْعَةُ الموْتِ رقدٌ يستريحُ الجِسْ          مُ فيها، والعيشُ مثلُ السُّهادِ

ويدعو ربه قائلاً:

يا رَبِّ أخرجْني إلى دارِ الرضى         عَجِلاً فهذا عَالَمٌ منْكوسُ

ونجابه أبا العلاء بحقيقة لا يستطيع أن ينكرها، وهي أنَّ الحياة الدنيا لا تخلو من السعادة، بدليل ما تراهُ في حياةِ بعض الناس من استقرار وأفراح. فيجيبنا قائلاً:

وإنْ يَكُ في الدنْيا سُعودٌ فإنما         تكونَ قليلاً كالشُّذوذِ الشوارِدِ

ولكنء سَرْعان ما تظهر مسحة من الرضى على وجه أبي العلاء، ونحن نسأله عن مفهوم السعادة في نظره فيلخصهُ: في العزلةِ والتفرّدِ، والتقوى، والانتقالِ إلى العالم الآخر، فلْتستمع إليه إذ يقول:

 إن صَحَّ عقْلُك فالتفردُ نعمةٌ         ونَوَى الأوانِسِ غايةُ الإِيناس

ويقول:

 أغْنى الأنامِ تقِيٌّ في ذُرى جَبلٍ          يَرْضَى القليلَ ويأبى الوشْيَ والتَّاجا

ويقول:

 أصولٌ قد بُنينَ على فسادٍ          وتَقْوى الله سوقٌ لا تبورُ

 **********

 ومِنْ عجب أن نرى كثيرًا من الشعراء المحدثين لا يرى السعادةَ إلا في العزلةِ والبعدِ عن الناس، وإن كانتْ عزلتهم تختلفُ في نوعها ومَداها الزمني عن عُزْلةِ أبي العلاء. يقول أبو القاسم الشَّابِّيّ:

فاتْرك إلى الناسِ دنياهمْ وضَجَّتَهُمْ          وما بَنَوا لنظامِ العيشِ أو رسمُوا

واجعلْ حياتك دَوُحًا مُزْهِرًا نضِرًا          في عزلةِ الغابِ يَنْموُ، ثم يَنْعَدِمُ

ويقول الشاعرُ القَرَوِيّ:

 في حمى الوَحْدَةِ بين الـ          ـمَاء والظِلِّ الظَّليلْ

 ساعةُ     العزلةِ     فيها          كلُّ ما النفْسُ  ترومْ

 من   بقاءٍ   دائمٍ    بَعْـ          ـدَ   بقاءٍ   لا يّدُومْ

**********

 لقد قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مخاطبًا ربَّه “إن لم يكن بك غضبٌ عليَّ فَلَا أُبالِي” . فرضاء الله على عبْدِه، يُشْعِرُهُ بالأمانِ والطمأنينة والسعادة، وقد ردَّدَتْ رابعة العدوية هذا المعْنَى في قَولِها:

 يا سُرورِي ومُنْيتي وعمادِي          وأنيسي   وعُدَّتي   ومُرادِي

 إن  تكُنْ  راضيًا  عليَّ فإني          يا مُنَى القَلْبِ قدْ بدا إسْعادي

**********

والإمامُ عليٌّ ـ كرم اللهُ وجْهَه ـ يرى أن طريقَ العلم هو طريقُ السعادة والخلود فيقول:

 فَقُرْ بعلمٍ تَعِشْ حيًّا به أبدًا          الناسُ مَوْتى وأهْلُ العلمِ أحْياءُ

**********

 والإمام الشافعي ـ رضي اللهُ عنه ـ يرى أيضًا أن السعادةَ الحقيقية في تحصيلِ العلمِ، وصَرْفِ الجهْدِ له، والمعاناةِ من أجُلِه، وسهر الليالي في القراءة والكتابة فكُلُّ أولئك أمتعُ عنده من وَصْل الغواني، وسماعِ الدفوف، ومعاقرةِ بنتِ الحان، وهي المتعُ الزائلةُ التي يرى بعضُهُمْ فيها ما يحقق سعادتهم، ثم يُصْدَمون ـ بعد ذلك ـ بالواقع المر حين يُفيقون، يقول الإمام الشافعي رضي الله عنه:

 سَهـَرِي  لتنقيح  العلوم أَلّذُّ لي          مِنْ وصْلِ غانيةِ وَطيبِ عنَاقِ

 وصريرُ أقْلامي عَلَى صَفَحاتها          أحْـلَى  مِنَ الأحبابِ والعُشَّاقِ

**********

وإذا كان بعضهم يرى السعادة في جمع المال، فإن نابغةَ بني شيبانَ يرفضُ هذا المذهب، ولا يرى السعادةَ إلاّ في التقوى، فهي خيرٌ وأبقى. يقول الشاعر:

ولستُ أرى السعادةَ جمْعَ مال          ولكنَّ التقي هُوَ السعيدُ

وتَقوَى  اللهِ  خير الزادِ ذُخْرًا          وعندَ  اللهِ للأتقى مَزِيدُ

**********

 ويرى الشاعر العراقي جميل صدقي الزَّهاوي، أن السعادة لا تتحققُ إلا إذا حقَّق الإنسان كل ما يتمنَّى دون أن يتعرض للضرر والإيذاء، فيقول:

 إنَّ السعادةَ في أنْ          تَنَالَ نَفْسِيِ مُناها

 وأن  تكونَ بِمنْأَى          عمَّنْ يريدُ أذاها

**********

 ويرى الشاعرُ محمد عبد الغني حسن أن السعادةَ الحقيقيةَ في القناعةِ والرضى بما قسمَ الله. أما الجشعُ فليس وراءَهُ إلا الشقاءُ والضياع:

 أنا بالقناعةِ سيِّدٌ لسَعَادَتِي         فإذا جَشَعْتُ فإنني العبدُ الشَّقِي

 **********

 ويرى أحمد زكي أبو شادي أن السعادةَ لا يمكنُ أن تتحقق إلا إذا تأسَّسَتْ على حبِّ الخير، وعملِ الخيرِ لذاتِ الخير، بعيدًا عن المظهريَّة والزَّهْو والخُيلاء. فالسعداء ـ في نظره ـ همْ هؤلاء الذين:

 يَبْنُونَ  لا قَصْدَ زَهْوٍ          ولا  لأَجـْلِ الإشَادَةْ

 لكـنْ وُلُوعًا بخـيرٍ          فالخيرُ أصْلُ السَّعَاده

 **********

 وعلى الذين يعتقدون أن السعادة في المال الجمَ والمأكل الطيب، والقصر العالي، والملبس الفخم.. على هؤلاء أن يؤمنوا أن مثل هذه السعادة سعادة موهومة، وأنها إذا تحققت بهذه المظاهر فهي سعادة مؤقته رهينة بالزوال؛ لذلك كان الشاعر المهجري إيليَّا أبو ماضي على حق حين قال:

 إن قَصْرًا بنيتهُ سوفَ يَنْدَكُّ          وثوبًا  حَبَكْتَـهُ سْوفَ يَنْقَدّْ

 لا يكنْ للخصامِ قلبُكَ مأوَى          إنَّ قلبي للحبِّ أصبحَ مَعْبَدْ

فلنهجر الكراهية والخصامَ والبغضاء، ولنجعل الحبَّ الطاهرَ يؤلفُ بين القلوب، وبذلك نزرعُ السعادة في أعماقنا، وأعماقِ الآخرين.

Print Friendly, PDF & Email
مقالات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

img
القائمة البريدية
img