img
الخطابة في أدبيات الإمام البنا
img
Print pagePDF pageEmail page

الخطابة في أدبيات الإمام البنا

مفهوم الأدبيات والملامح

وأدبيات الإمام الشهيد تعني العطاء الفكرى والعقدي الذى قدمه للمسلمين شفاهة، أو كتابة، من خطب، ومحاضرات، ومحاورات، ومقالات، وكتب، ورسائل عامة، وخاصة.

ويصعب على مثلي استقراء كل ما كتب من مقالات، والنظر في كل ما قدمه من خطب، ولكن قد يكون المكتوب ترجمة “للمنطوق”، كما نجد في بعض رسائله، وهي خطب صيغت كتابة، كرسالة: إلى الشباب، ورسالة المؤتمر الخامس، ورسالة المؤتمر السادس، وغيرها.

ونقصد بالملامح والطوابع الفنية: السمات الأسلوبية والتصويرية، والوجدانية، وطبيعة الأداء التعبيري في هذا العطاء الغني الثرار. ومن البدهي أن من أهم هذه الملامح منهج – أو مناهج- معالجة هذه الأدبيات وعرضها.

***

وأهم أجناس هذه الأدبيات: الخطبة، والمقالة، والترجمة الذاتية، والرسالة، والقصة

ونحاول في الصفحات الآتية أن نقف في إيجاز –أمام كل جنس من هذه الأجناس، ومنهج الإمام في عرضه ومعالجته.

أولا الخطابة

الخطابة هي فن مشافهة الجماهير الذى يقوم على الإقناع والاستمالة. أو كما عرفها بعض النقاد بأنها: فن أدبي نثرى، هدفه إقناع السامعين، فهو إلقائي، يكتب أو يرتجل أو ليسمع، لا ليقرأ(1).

وكانت الخطابة هي الآلية الأولى التي اتخذها الإمام الشهيد لدعوته، ونشرها في كل الأوساط، واستطاع الإمام الشهيد أن يجعل لهذا الفن وجودا وكيانا قويا بالغ التأثير.

***

وسلك دعاة الإخوان السبيل نفسها في اتخاذ الخطابة أهم الآليات في نشر الدعوة، والدفاع عنها، يستوي في ذلك الخطب الجماهيرية العامة والمحاضرات الدعوية والأكاديمية، والحوار، والمناقشة، والمجادلة.

واختيار هذه الآلية إنما هو اتباع لمنهج النبي صلى الله عليه وسلم واستصحاب لهذا الأصل الكريم من ناحية، واعتراف بالواقع الاجتماعي والسياسي والديني بالنسبة لمصلحة الدعوة من ناحية أخرى. وهو واقع يتأثر بالكلمة المسموعة، أكثر من الكلمة المكتوبة. ولأمر ما كان فعل الأمر “قلْ” هو أكثر الأفعال ورودا في القرآن الكريم.

كما أن الخطابة أيسر تناولا واستخداما من الشعر والمقال، فهي تنطلق بلا قيود صارمة، وضوابط حادة من وزن وقافية.

وفي حقل الدعوة الإخوانية آلاف الخطباء من العلماء والطلاب والأكاديميين، وكثير منهم تمرسوا بالخطابة وتدربوا عليها من أيام أن كانوا في حقل الدعوة أشبالا، وكذلك منخرطين في الأسر.

***

وعن طوابع الإمام ومنهجه في خطبه يقول واحد من تلاميذه وهو محمد لبيب البوهي(2) أنه كان رضى الله عنه يزور شعب الإخوان جميعا مرة واحدة على الأقل –كل عام، ويخطب فيهم ولكن كان له خطبة موسمية تأتي في حينها من الأعياد الإسلامية كالإسراء والمعراج، وغزوة بدر، وليلة القدر، وما إلى ذلك، ويخيل إليك حين تصاحبه، وتذهب معه في المدن والقرى في المناسبة الواحدة أنك ستسمع نفس الخطبة في كل حفل، ولا بأس في ذلك.

ولكن حكمته وبراعته كانا تخلعان على الموضوع الواحد في كل حفل ثوبا جديدا، حتى لتود أن تسمع نفس الموضوع عشرات المرات، في عشرات الجهات، فستجد مع الموضوع صورة من الإلمام المركز لخلاصة مشكلات المنطقة التي أقيم فيها الحفل، وكيف تستخلص حلولها من أمثال هذه المناسبة.

ولما كانت الأماكن تختلف، والمشكلات تختلف، فسترى وتحس ألوانا رائعة تتوالى في فن وقدره عجيبين على الموضوع الواحد. وفي كل مرة كان يتكلم ثلاث ساعات، أو أربعا، دون أن تجد كلمة واحدة سبقت أختها، أو أنحرفت عن الموضوع المناسب بالذات لهذه المناسبة، في هذا المكان.

وكان لا يبدأ حديثه حتى يعالج روح الحفل بتوحيد المشاعر والأحاسيس في جو من الانسجام العاطفي والتوافق الروحي.

وأحاديثه تبدأ أولا بالتحية، والإشادة بعاطفة المحبة الخالصة بين بني الإنسان جميعا. ويذكر الناس بأن هذا الحفل هو نوع من العبادة.. فمجالس العلم تحضرها الملائكة، وتباركها. ويفيض الإمام في هذا ويضرب الأمثال.

ومن عينيه ينبعث بريق الحب الخالص، المصفى حتى للجماد، وتكاد تحس هذا الحب مجسدا يسعى بين يديه.

ومن هذا الإشعاع الروحي العلوي الموفق يجمع إليه في خيط الحب الأبصار والأسماع، والأفئدة والقلوب، وينسى الناس أنفسهم، وينسون الوقت والمكان، ويهيمون معه في عالم الروح.

ويشعرون من ذلك بنشوة عليا هي فيض من بركات الاجتماع –كما كان يقول.

وبأسلوب سهل واضح متدفق يمضي الإمام معالجا موضوع خطبته، وقد قسمه في ذهنه إلى عدة مواقف ومقاطع مرتبة في عبقرية وإلهام، لا يبدأ موقف إلا من حيث انتهى الآخر دون أن يشعر السامع بخطوات الانتقال.

ومن أهم ملامح خطبه:

1. تأكيد المعاني المهمة، والعودة إليها، والوقوف عندها لاستخلاص الدروس والعظات المنشودة.

2. الربط بين الماضي والحاضر لتأصيل ما يدعو إليه.

3. الإكثار من التشبيهات وضرب الأمثال التى ترتبط ارتباطا عضويا بالموضوع.

4. الإكثار من الشواهد القرآنية والسنة النبوية وسلوك السلف الصالح.

5. فتح باب الأمل أمام سامعيه حتى العصاة منهم. يقول محمد لبيب البوهي:

“- لم يعرف عنه أنه هون من شأن سامعيه: كان أولا يصور لهم في صورة رائعة بطولات أسلافهم وأمجادهم،ثم يؤكد لهم أنهم مثلهم، وأن لهم نفس المجد لو ساروا في نفس الطريق، ثم يذهب يكشف لهم عن معالم هذا الطريق. فتدب في النفوس قوى من العزم الحديدي.. كان ينفخ في سامعيه من روح العزة الإسلامية. ولعل هذا هو سر الهتاف القوي الموجه الذى ينبعث من الجموع يرج الفضاء في أعقاب خطبه”(3)

***

وما سبق يعرض صورة موضوعية فنية للإمام الشهيد في خطبه. عرضها بإيجاز واحد من تلاميذه عرفه عن كثب، بل عاشه، وعاش دعوته وعرف بقدرته القلمية في كتابة المقال، وتأليف الكتب. وكذلك في القصص والروايات، ويتمتع بقدرة فنية على العرض والتصوير.وقد يكون من تتمة البحث أن أعرض في السطور الآتية صورة عفوية للإمام الخطيب وجنود دعوته، وهي صورة مازالت محفورة في ذهني بعد أن مضى عليها قرابة ستين عاما.

***

ومن الذكريات ما يطويه الزمن، ويسدل عليه ستائر النسيان إلى غير رجعة.

ومن الذكريات ما يطوّف بالإنسان في فترات متباعدة من حياته، ولكن في صورة شجية غائمة، لاتثير في النفس من المشاعر إلى هوامشها الطافية، ومساحاتها السطحية.

ومن الذكريات ما يتغلغل في نفس الإنسان حتى تتشربه روحه، وتغدو هذه الذكريات كأنها عضو حي من أعضائه، بل أشدها وأقواها نبضا وحياة.

أقول هذا بعد مضيّ قرابة ستين عاما من الزمان على واقع عظيم لذيذ.. عشته لساعات، وأنا تلميذ بالمرحلة الابتدائية، وذلك في مدينة “المنْزَلة” –بلدى ومسقط رأسى- وهي مدينة ساحلية تقع على بحيرة المنزلة، في أقصى شمال دلتا النيل، بعيدا عن القاهرة بقرابة مائة وخمسين ميلا.

***

كان ذلك في شارع (البحر المرْدوم)- أوسع شوارع “المنزلة” وأطولها، فبعد صلاة الظهر- في يوم شديد الحرارة- رأيت مسيرة من خمسمائة رجل –على الأقل- ما بين شاب في العشرين،وشيخ جاوز الخمسين.. أزياؤهم واحدة: لونها “كاكي”:والزي الواحد يتكون من “بنطلون” قصير (شورت)،وجورب طويل،وقميص وطربوش، ومنديل أخضر كبير يُلفّ على العنق، ويُرخى قرابة نصفه على منطقة التقاء العنق بالظهر على شكل مثلث، ويتدلى طرفاه على الصدر محبوسَيْن بحابس من الجلد.

وعرفت بعد ذلك أن هذا الزي يسمى، زيّ الجوالة”، وأن هؤلاء جميعا –من شباب وكهول وشيوخ- اسمهم “جوالة الإخوان المسلمين”، وأنهم جميعا من أهل “المنزلة” والقرى التي تحيط بها، أو قد جمعَتْ هذه المسيرة –الموحدة الزي- فلاحين وعمالا وأطباء ومدرسين ووعاظا وتجارا.

ياه!! أنا لم أشهد مثل هذه المسيرة من قبل لا في الواقع، ولا في الخيال والأحلام.. صدّقوني..

رأيتهم يسيرون على دقات طبول منتظمة، يتخللها أصوات قوية نفاذة من “النفير” أو “البروجي”، وكان النافخون في هذه “الآلة النحاسية” لا يقلون عن أربعين جوالا موزعين على ثلاث مجموعات: في المقدمة والوسط والمؤخرة. ومن عجب أن النافخين كانوا ينفخون كل مرة قرابة خمس دقائق دون نشاز، ودون أن يسبق نافخ زميله، أو يتأخر عنه للحظة واحدة على تباعد أماكنهم.

ثم يصدر الأمر من قائد المسيرة الأستاذ محمد قاسم صقر –رحمه الله- بالتوقف ليهتف كل مَنْ في المسيرة –وراء حامل المصحف الكبير: “الله أكبر ولله الحمد”.. “الله غايتنا والقرآن دستورنا والرسول زعيمنا، والجهاد سبيلنا، والموت في سبيل الله أسمى أمانينا.”

وفي نهاية الشارع الطويل تطول وقفة المسيرة –بأمر القائد- لعشر دقائق ليكون بعد الهتاف السابق نشيد ما زلت أذكر مطلعه، وكلماته:

هُوَ الحقُّ يحشدُأجْنادَه ويعتدُّ للموقفِالفاصلِ

فَصُفّوا الكتائبآسادَه ودُكّوا به دولة الباطل

سبحان الله!!.. ما شاء الله!! من عَلَّم هؤلاء –الذين آراهم لأول مرة- كلَّ هذه الآداب.. الطاعةَ والنظامَ.. والإنشادَ والانضباط، وكلهم على قدم المساواة استجابة وتنفيذا، مع اختلاف ثقافاتهم، وأنماطهم الفكرية، ومراكزهم الاجتماعية. بل إن كثيرين منهم أميون لا يعرفون القراءة والكتابة؟!!

وأراني أربط ربطا قويا بين هذه الخاطرة، وبين حقيقة تاريخية قرأتُها بعد ذلك بسنوات، وخلاصتها أن “رستم” –قائد جيوش الفرس- كان إذا سمع تكبير المسلمين للصلاة –في خط المواجهة الفارسي- بكى، واستبدّ به الحزن، وصرخ “أَكَلَ عمرُ بنُ الخطاب كبدي” –أي قتلني عمر- فيسأله من بحضرته: كيفَ أكلَ كبدَك وأنت حيّ بيننا؟!!. فيجيب: لأنه يُعلِّم هؤلاء الأَعرَاب الآداب.”

***

وأعود لخاطرتي، وأقول: بمثلِ هذه “الآداب” استطاعَ أصحاب هذه “المسيرة الإسلامية” أن يأكلوا أكبادَ اليهود في فلسطين أواخر الأربعينيات، ويأكلوا أكباد الإنجليز في خط قناة السويس أوائل الخمسينيات.

***

وأعود إلى “المسيرة الإخوانية” في مدينتي –المنزلة- وأراني –أنا ابن العاشرة- أكاد أطيرُ من الفرح.. إنهم يسيرون، وخطواتي الضيقة لا تتمكن من مسايرة خطواتهم الواسعة إلا بشيء من الجرْي بين الفينة والفينة، وكأننى أخشى أن يتخطوا مجال رؤيتي، فيقفز قلبي من بين جنبيَّ،.. ويواصل المسيرة المنتظمة معهم، ويحثني أن أغذّ السير، حتى أدركه، ويسكن صدري من جديد، ومع فرحي الغامر كان شيء من الحزن يخامرني مخافة أن ينتهي العرض الحلو الجليل.

ياه.. ليته يستمر ساعات.. بل أياما متواصلة. إن تيار الشعور المتدفق في نفسي لم يستطع، ولن تستطيع اللغة أن تعبر عنه بكماله، إنها حقيقة أؤكدها بصدق وأمانة، وأستحضرها، وأنا أقرأ فيما بعد قول أبي تمام في حديثه عن فتح عمورية على يد المعتصم:

فتحُ الفتوح تعالَى أنيُحيطَ بهنظمٌ من الشعرِ أو نثْرمنَ الخُطَبِ

فمن المواقف والمشاعر ما يكون له من الأبعاد والدلالات والإشعاعات والظلال ما تعجز اللغة –أية لغة- عن الإحاطة بكل أقطاره.

***

ولكن ما شأن هذا “العرض” . أو هذه المسيرة؟ ولماذا خَرَجَتْ ظهر هذا اليوم بالذات؟

وأسأل “عم مسعد” الخضراتي صديق والدي، فيأتيني جوابه:

-دُول رِجّالة الشيخ حسن البنا.. لأنه سيحضر الليلة، ويخطب في الصوان (السرادق) الكبير.. راجل فصيح قوي..سمعته مرة في بورسعيد..و…و…

– حسن البنا؟!.. حسن البنا؟! إنه اسم لم أسمع به من قبل.

***

وبعد صلاة العشاء كنت أنا ووالدي نأخذ مكانينا في السرادق الكبير، أما “جوالة” الظهيرة فقد انتشروا داخل السرادق وخارجه لإقرار النظام. وبعد نصف ساعة أرتج المكان بالهتاف “الله أكبر ولله الحمد”.. وشعرت بأنني كبير جدا وأنا أردد مع هؤلاء الناس بصوتي “النحيف”.. “الله أكبر ولله الحمد”.. لقد حضر المرشد.. رأيته وعلى فمه ابتسامة عريضة، وهو يشق طريقه إلى المنصة بين صفين من الجوالة على هيئة “كردون” وهم متشابكو الأيدى، واستطاعوا بصعوبة بالغة أن يمنعوا “بظهورهم” تدفق الجمهور المتدافع من الجانبين لمصافحة المرشد العظيم.

***

وعلى مدى ثلاث ساعات كان الناس يستمعون إليه كأن على رءوسهم الطير، لقد سمعته يقدم لونا جديدا من الكلام.. كلاما يختلف تماما عما نسمعه في خطب الجمعة، واحتفالات المولد النبوي، ومن المشهور عن بلدي “المنزلة” أنها بلد الصيد والسفن والتجارة (نقل الركاب والبضائع بالسفن الشراعية في بحيرة المنزلة). ومن هذا الواقع البيئي- الذي لا يجهله واحد من الحاضرين صغارهم وكبارهم- انطلق حسن البنا في حديثه فشبه الأمة بسفينة: جسمها الشعب وشراعها الإيمان ودفتها الحكومة، وقد تعوزني الدقة في هذا التجْزِيء التشبهى. ولكن الذي أذكره- وقد مضى أكثر من ستين عاما على ما سمعت –أن السفينة كانت مشبَّها به، وأنه –رحمه الله- دخل نفوس الناس من الدقائق الأولى، وهو يشرح مقولته مكثرا من الاستشهاد بالقرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، ووقائع من السيرة النبوية وحياة السلف الصالح(4).

كنت –على صغر سني- أفهم، بل أعيش كل كلمة بقولها الرجل العظيم. ولكن الأهم من ذلك هو إحساسي القوي –وأنا أجلس بجانب والدي في الحفل- أن الإمام يوجه كلماته ونظراته إليّ دون غيري. وأخفيت هذا الخاطر عن والدي، وفي اليوم التالي سمعت والدي يقول لواحد من جيراننا الذين حضروا الحفل- وكان يجلس أقرب إلى المنصة منا:

-لقد شدني الشيخ حسن –الله يكرمه- بخطبته مساء أمس، كنت أشعر أنه يخصني بنظراته وكلامه الجميل.

وقال جارنا.

-عجيبة!!! والله كنت أشعر نفس الشعور.” فآمنت بعدها بأن الرجل –رحمه الله- قد بلغ مقاما مما يمكن أن نسميه “البلاغة الإيمانية”، لا يرقى إلى مثله إلا أقل الأقلين على مدار التاريخ الإنساني كله.

ولعل مصدر هذه السمة ما سجله الأستاذ البوهي وعرضناه، ونكرر بعضه في السطور الآتية:

“كان الإمام لا يبدأ حديثه حتى يعالج روح الحفل بتوحيد المشاعر والأحاسيس في جو من الإنسجام العاطفي والتوافق الروحي… ومن عينيه ينبعث بريق الحب الخالص المصفى حتى للجماد. وتكاد تحس هذا الحب مجسدا يسعى بين يديه.

ومن هذا الإشعاع الروحي العلوي الموفق يجمع إليه في خيط الحب الأبصار والأسماع،والأفئدة والقلوب، وينسى الناس أنفسهم، وينسون الوقت والمكان، ويهيمون معه في عالم الروح، ويشعرون من ذلك بنشوة عليا، هي من بركات الاجتماع، كما كان يقول…”(5)

Print Friendly, PDF & Email
مقالات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

img
القائمة البريدية
img