img
إلا القصة يا مولاي! [7]
img
Print pagePDF pageEmail page

همسًا في أذن القذافي

إلا القصة يا مولاي! [7]

 

رسم الكاتب “معمر محمد عبد السلام أبو منيار القذافي” في أول نص من نصوص كتابه صورة “سيكيوباتية” ممسوخة نتنة للمدينة، وهو يرى أن أحكامه تصدق – لا على مدينة معينة- بل كل مدينة في العالم، وهذه الصورة تشبه إلى حد بعيد الصورة التي رسمها الفارابي لما سماه “بالمدينة المضادة”، وهي المدينة التي تقف على طرف نقيض “للمدينة الفاضلة”.

أما صورة المدينة الفاضلة فنجدها عند القذافي في “القرية” – لا قرية معينة، ولكن أي قرية، ولكل قرية في العالم، إن القرية في المنظور القذافي:

“ليس فيها قمع وزجر وضغط عكسي، بل هناك تشجيع، وتمجيد بالانطلاق والظهور إلى النور.. لا شوارع(!!) لا قاذورات، لا مجهولون..”. (ص 17-18).

“وليس في القرية كسل وكساد وسأم وملل وتثاؤب” (ص23)، “وليس في القرية سرقات حيث التكافل الاجتماعي يسد حاجة المعوزين، ويكفيهم السؤال والسرقة..”.(ص24)

“وأهل القرية لا يعانون من عذاب التعقيد والتوتر واللهث وراء المثيرات، لذلك كانت حياتهم هادئة وهنيئة”.(ص25)

“وحياتهم يحكمها الضمير، كما أن المُثُل هي مصدر الإلزام الخلقي، وليس الخوف من الشرطي والقانون والحبس والغرامة..” (27).

ومرة أخرى نسأل القذافي: أين تقع هذه القرية من خريطة العالم؟

ولا ينقذنا من هذه الحيرة إلا أول سطر في “التقريظ النقدي” الذي ذيل به أحمد الفقيه “مجموعة القذافي” إذ يقول بالحرف الواحد “القائد معمر القذافي حالم كبير”(1).

نعم ففي الأحلام متسع رحيب لما تفتقده – بل نفقده- في واقع الحياة، وهذا “التوصيف اليوتوبي” للقرية قائم على افتراضية “الثبوت” وتوقف التطور، وهو ما ترفضه القواعد الاجتماعية ونواميس الحياة، وقد تنبه إلى ذلك الأستاذ أمين الخازن – على إسرافه في “تلميع” أعمال القذافي، فهو يقرر أن “المدينة لم تكن جحيمًا في يوم من الأيام إلى هذا الحد… كما أن القرية – أيضًا- لا تبقى بالصورة العفوية التي صورها الكاتب، فالقرية.. أية قرية تتحول مع الزمن إلى مدينة، ويكتسب أهلها سلوك المدينة، فليس هناك تفاضل بين الناس، بل هناك واقع يؤثر في سلوك الناس ويحدد مداركهم ومواقفهم..” (2).

الأرض الأرض..

جميل جدًا أن يتحمس الكاتب للأرض، ويدعو إلى إحيائها والإبقاء عليها، وجميل جدًا أن يوجه إلى الناس هذا الحديث عن الأرض.. “لا تعقوا أمكم، لا تقطع شعر رأس أمك، ولا تقطع أصابعها، أو تمزق لحمها، أو تجرح جسمها، فقط قلم أظفارها، ونظف جسدها من الأوساخ والأدران، وداوها من الأمراض..”(ص32)

ولكن المرفوض عقلا ودينا أن تأتي حماسة القذافي للأرض والقرية على حساب المضامين القرآنية، وتحميل آيات القرآن ما لا تحتمل، ومن ذلك إصراره على أن القسم بمظاهر الطبيعة كالشمس، والضحى والفجر والقمر، والليل والنهار.. جاء خاصا بالقرية، وهذا ما لم يقل به أحد من المفسرين، ولن يقول به أحد، فمن الصعب على المسلم – بل من المستحيل- أن يصدق أن الله سبحانه وتعالى حينما قال: (وَالْفَجْرِ*وَلَيالٍ عَشْرٍ..) إنما يقسم بفجر القرية، لا فجر المدينة،”،فكل هذه المظاهر نِعَم وآيات تدل على عظمة الخالق، ونحن جميعا مطالبون بالإيمان بدلالتها، يستوي في ذلك المدني والقروي، وهي أيضًا مواقيت وضعها الله للناس كي ينظموا بها حياتهم أيامًا وشهورًا ومواسم وسنين وفرائض، يستوي في ذلك سكان القرى وسكان المدن، ولله في خلقه شئون.

رائد الفضاء.. ومنظومة السذاجة

وفي نص “انتحار رائد الفضاء” (37-40) أراد الكاتب العقيد أن يصور أزمة الحضارة التقنية الحديثة التي تسير حاليا في طريق معكوس، فهي تهتم بالبعيد، وتترك القريب، وتحاول أن تكتشف خفايا الفضاء، وهي لم تكتشف أسرار الأرض بل خفايا الإنسان.

هذا ما أراده الكاتب، وهو طموح نبيل، ولكن “التنفيذ” لم يرْق إلى مستوى الطرح، فعالج الكاتب معمر هذه القضية علاجا مسطحًا غير مقنع في أسلوب حكائي  يعتمد على “الحدث المفرد البسيط”، فرائد الفضاء انتهى من مهمته، وعاد إلى الأرض، وأراد أن يجد عملا يقتات منه، في النجارة أو الحدادة، أو النقاشة أو السمكرة، ولكنه عجز عن الحصول على عمل من هذه الأعمال، لأنه لا يتقن واحدًا منها.

فنزل على أحد الفلاحين يطلب عملا في مزرعته، وسأله الفلاح: هل تجذبك الأرض يا بني؟ فانطلق رائد الفضاء يحدثه عن “جاذبية الأرض وحجمها، ومكانها بين الكواكب، وبعدها عن الشمس والقمر، إلى آخر منظومة المعلومات التي يتقنها، وهذه المعلومات – كما هو معروف- لا تهم الفلاح، ولا يمكن أن ينتفع بها في زراعة أرضه، بل إنه لم يفهم منها شيئا، ومن ثم لم يوفر عملا لرائد الفضاء.

وتنتهي الحكاية فجأة بانتحار رائد الفضاء “بعد أن أيس من الحصول على عمل يعيش به فوق الأرض”(ص40)، وهذه النهاية – وهي ما يمكن أن نسميها مع التسامح- بلحظة التنوير(3)،-جاءت حلا عبثيا عدميا نتيجة اليأس الوجودي المفاجئ، والانتحار كحل لا يتفق مع ديننا وقيمنا، والنهاية يجب أن تكون نتيجة طبيعية غيرمفتعلة لمعطيات السرد، والعناصر الفكرية والفنية السابقة، ولكن انتهاء حياة رائد الفضاء بهذه الصورة جاء حلا غير مقنع، ولا يخدم الهادفية التي حرص عليها الكاتب.

فالمعروف أن رواد الفضاء تختارهم حكوماتهم من أصحاب الكفايات العالية والقدرات الفائقة في العلوم الهندسية والتقنيات العلمية المتقدمة، ومن ثم يستطيع مثل هذا الرائد العالم  الحصول على أي عمل “في الأرض” في مجال تخصصه الأصلي، أو ما دون هذا التخصص، فالذي يؤدى الأكبر كان على ما دونه أقدر..

ثم هل قام هذا الرائد برحلته الفضائية العلمية على سفينة فضاء خاصة، حتى لا يجد قوته بعد عودته من رحلته؟

ثم ألا يستطيع هذا الرائد –  ذو اللياقة البدنية العالية – أن يؤدي من أعمال الفلاحة “حدها الأدنى” الذي لا يحتاج إلى تخصص زراعي” كعزق الأرض أو حرثها، أو حتى حمل السباخ، ورش المبيدات الحشرية.

وكان أمام الكاتب مجال طيب لإنماء شخصية رائد الفضاء التي ظهرت من البداية إلى النهاية “مسطحة”.. وذلك بتطوير الحدث المفرد بدمج الرائد في العمل الزراعي الشاق ابتداء من أولى درجاته، فيثري الإنتاج العائد، ويتحقق المغزى الذي حرص الكاتب على تحقيقه، وألح عليه في نصوص سبقت هذا النص ومؤداه: الأرض أولا.. وقبل كل شيء.

السلوك الانهزامي في الهروب إلى جهنم

وامتدادا لعقدة كراهية المدينة يقدم القذافي “الفرار إلى جهنم” (ص 41-53)، وهو في هذا العمل يستخدم أسلوب المونولوج والهجاء للمدينة وسكانها حتى أنه يشبههم بالكلاب: “أنفاسكم تلاحقني كالكلاب، ويسيل لعابها في شوارع مدينتكم”.(ص48)

ويرى أن الحياة في جهنم أطيب من العيش في المدينة بكثير (ص51) فمحنته بالمدينة –  أو عقدة المدينة- لا حل لها إلا بالفرار إلى جهنم، وجهنم العقيد ليست هي جهنم الموروث الديني, ولكن جهنم “ساكنة تمامًا” وهادئة للغاية، وليس لها لهب، وإن خيم فوقها الدخان والضباب، وحجارتها سوداء، ومع ذلك تأوى الحيوانات البرية إليها.. هناك وجد الكاتب، أو بطل هذا العمل نفسه، وأحس بوجوده وهويته..” (ص 49-50).

ويستخدم القذافي في هذا النص أسلوب المونولوج، والأداء التعبيري فيه أرفع بكثير من نصوصه السابقة، ولكن حدة الانفعال جعلت هذا المونولوج ذا نبرة واحدة تنطلق في خط شعوري مستقيم، مما جعل الحركة النفسية – وهي أساس المونولوج- ضئيلا، فحُرِمَت التَوثُّب والتصعيد، لذلك يصعب إلحاق هذا النص بجنس القصة القصيرة، وإن لم يُحرم بعض عناصرها.

أما أحمد الفقيه –  ففي “نقده التقريظي” الذي ذيل به القذافي كتابه فيرى أن هذا النص استخدم فيه كاتبه “تقنية فنية قصصية متطورة، واستفاد من آخر إنجازات التعبير القصصي، لأن الكاتب العقيد مسكون بهاجس الابتكار والتجديد، والبحث عن بدائل جديدة للصياغات الفنية العتيقة..”(ص134).

وفي العبارة السابقة نرى الناقد المجامل قد وقع – وبتعبير أدق- قد أوقع نفسه طواعية- في وهم كبير غالط إذ يعتقد أن كل خروج على القديم أو السابق يعد تجديدًا محمودًا، وابتكارًا خلاقا، وهي قضية تحتاج إلى تفصيل لا يتسع له المقام.

وكيف “استفاد القذافي من آخر إنجازات التعبير القصصي”؟ إن هذا يقتضيه قراءة.. بل دراسة هذه الإنجازات التي تتمثل في عشرات.. بل مئات المجموعات القصصية والكتب التنظيرية، وكذلك الإنجازات التي سبقتها.. وهذا يحتاج إلى تفرغ.. أو شبه تفرغ… فأني يتأتىله ذلك؟ وكيف نوفق بين نقيضين: ما قاله أحمد الفقيه، وما يقوله ناقد آخر هو أمين الخازن الذي يقول بالحرف الواحد “فنحن لسنا أمام كاتب متفرغ، بقدر ما نحن أمام نصوص كتبت في لحظات معينة..” (4).

ويقول كذلك “.. والكاتب القذافي-لا يمارس عمله على أساس التفرغ، ولكنه اقتنص لحظات من وقته عبر فيها عن بعض المشاغل التي شدت انتباهه، وأثارت أسئلته، بل وحددت إجاباته.. فالعمل – إذن- استثناء من القاعدة، والحديث عنه يتم بهذه الكيفية..”(ص15).

الفرار.. والمواجهة.. والطموح

وهذا النص – وإن لم يحرم بعض الطوابع القصصية النـاصلة—لا يبتعد عن فصيل التداعيات الفكرية المتتابعة، والمتداخلة أحيانًا، والخيط الشعوري الذي يربط بينها هو كراهية المدينة والنقمة عليها لمبررات لا أساس لها من الواقع، كما بينا تفصيلا من قبل.

أما النهاية فهي مفهومة ابتداء من عنوان النص، وهي تمثل حلا هروبيا انهزاميًا هو الهرب إلى جهنم.. وجهنم اسم علم يدل على مسمى لا يتعداه هو : نار الآخرة , وربما كان استخدام(النار) أو “الجحيم” , أنفى للحرج الذي قد يقع فيه الكاتب بسبب توظيف مسمى من المواريث الدينية في غير موضعه.. على أن “عملية الهروب” في ذاتها تتعارض مع قيمتين إنسانيتين:

الأولى: الإصرار على مجابهة الصعاب والعقبات، والتصدي لها.

والثانية: الطموح الإنساني بالأمل، والتطلع لما هو أرقى وأنقى وأجمل.

ويحاول الناقد أحمد الفقيه – في تعسف واضح- رفض الواقع الإيحائي الانهزامي لهذا العمل فيقول: إن راوي القصة يقصد “بادية سرت بليبيا” بعد أن تولتها الثورة التي قادها القذافي، ومسحت بيد الحنان عليها، فأحالتها إلى أرض خضراء، وغرست بها الأشجار، وزرعت بها النبات، فأحالتها إلى واحة عامرة بالخضرة والظلال”(5).

وهو كلام يمثل “هروبا” آخر، ولكن من النقد الجاد، وليتذكر الناقد “الفقيه” أن العنوان هو “الهروب إلى جهنم”، وليس “الهروب إلى الجنة” التي تتمثل في واحة سرت الظليلة الخضراء.

البطل.. الراوي

في مجال الفن الروائي تثور مسألة “وجهة النظر” وهي ترجمة للمصطلح الإنجليزي Point of View وإن حاول بعض النقاد الغربيين أن يستبدلوا بهذا المصطلح مصطلحًا قد يبدو أكثر دقة وتحديدًا وهو “Focus of Narration” أي بؤرة السرد، ولكن لم يكتب لهذا الأخير الانتشار، وعجز عن أن يأخذ مكانه بجانب المصطلح الأول(6).

ووجهة النظر تعني في إيجاز الموقف الفكري أو الفلسفي لمؤلف الأثر الأدبي، وهو في القصة بخاصة ذلك والجدان أو العقل الذي ترشح من خلاله أحداث القصص، فتنطلق تحمل مضامين فكرية وفلسفية يحرص المؤلف على إيصالها للمتلقي(7).

و”وجهة النظر” ترتبط بنقطة جوهرية من الناحية الفنية وهي مَنْ صاحب “وجهة النظر” في العمل القصصي؟ إن نسبة وجهة النظر تتوقف على التحديد الفني لموقع الشخصيات، فقد يكون صاحب وجهة النظر هو المؤلف ذاته وهو يروي قصته بضمير المتكلم أو ضمير الغائب، أو هو الراوي الذي قد يكون واحدًا من شخصيات القصة، أو هو الراوي الذي هو نفسه الشخصية الرئيسية بها(8).

وعلى أية حال يبقى استخلاص وجهة النظر – أو وجهات النظر أيًا كانت الشخصية المرسلة أو الموصلة –  عملا يحتاج إلى تعمق وحساسية نقدية قادرة، وفي “الفرار إلى جهنمنلتقي “بالبطل الراوي” أو “الراوي البطل” , فالقذافي هو الشخصية المحورية الرئيسية، بل هو الشخصية “الوحيدة” في هذا العمل، وإن حاول أن يتواري في بعض المواقف العابرة خلف شخصية “البدوي” بمفهومه العام، ولكن سرعان ما يكشفه الرد المتتابع , فبعد صفحات المطلع التي تتحدث بأسلوب تقريري مباشر عن العقل الفردي، والعقل الجماهيري، ومشاعر الناس واتجاهاتها يتساءل في حيرة “فبماذا أطمع – أنا البدوي الفقير التائه- في مدينة عصرية مجنونة، أهلها ينهشونني كلما وجدوني: ابْنِ لنا بيتا غير هذا، أمدد لنا خطًا أرفع من ذلك.. ازرع لنا حديقة..”(ص45).

“.. ولكن كل من يقابلني يطلب مني شيئا من تلك الأشياء، فأنا لا أملكها في الحقيقة، ولكن خطفتها من أيدي اللصوص، ومن أفواه الفيران، ومن أنياب الكلاب ووزعتها على أهل المدينة باسم فاعل خير قادم من الصحراء، بوصفي محرر عقود وأصفاد..” (9).

فهذه ليست صفات بدوي عادي، ولكنها صفات البدوي الحاكم الزعيم الذي اسمه “معمر محمد عبد السلام أبو منيار القذافي”.. نعم هذه صفاته في “مرآة ذاته” وفي نظر أتباعه ومؤيديه وحواريه: بني لهم.. وزرع.. ورد الحقوق لأهلها بعد أن انتزعها – أو خطفها- من أيدي مغتصيبيها اللصوص ومخالبهم، وحرر عقود التمليك للأرض، وملك من كان مستأجرًا، فهو بذلك، “محرر عقود” لمن يستحق وهو “محرر شعب” من الأصفاد والأغلال.

الشعور الحاد بالأنا.. والفوقية

والنص من أوله إلى آخره مخنوق بالأنا، والشعور الحاد بالفوقية، وهو شعور يحاصر كل المواقف ويلتف حولها، فمن عَـلٍ ينظر إلى الناس , ويصفهم فلا يرى إلا “كلابا مسعورة.. يسيل لعابها في الشوارع.. وتتعقبه.. وتلاحقه أنفاسها..” (ص48)، أما هو.. فمقصود دائمًا.. والناس لا يهرعون إلا إليه لكي يبني لهم.. ولكي يزرع لهم.. ولكي يحرر العقود.. ولكي يحررهم من الأصفاد والقيود.. وأمام هذه الصراحة يرفض القارئ غلالات التظاهر بالتواضع.. والتظاهر “بالمظلومية” في مثل قوله “أنا بدوي أمي، لا أعرف حتى معنى المجاري، وأشرب ماء المطر، وماء البئر بكلتا يدي، وأصفى يـرقات الضفادع بطرف عباءتي.. ولا أعرف شكل النقود..” (ص45)، فالكاتب ما ذكر إلا توطئة أو مقدمة لإدانة الجماهير بالأنانية وقصر النظر وسوء التصرف، ثم لإثبات وجوده وفوقيته وقدراته الخارقة، فهو يقول بعد ذلك مباشرة، “ولكن كل من يقابلني يطلب مني شيئا من تلك الأشياء، فأنا لا أملكها في الحقيقة، ولكن خطفتها من أيدي اللصوص، ومن أفواه الفئران، ومن أنياب الكلاب، ووزعتها على أهل المدينة باسم فاعل خير قادم من الصحراء..”(ص46).

الكاتب هو الراوي … هو الشخصية المحورية، وهي شخصية تبدو هائجة قلقة مضطربة ممزقة تفتقر إلى كثير من الوقار العقلي.. مما قادها إلى الانسحاب بل الهروب النهائي إلى ما هو أسوأ من الواقع الذي يشكو منه ويعانيه.

وإذا كان هذا هو البعد النفسي أو الداخلي أو الجواني للشخصية فإن بعدها الاجتماعي يحكمه “الود المفقود” والكراهية المتأججة للمدينة وسكانها.

والذين عرضوا لهذا النص يثنون على ما فيه من “عفوية العرض والمعالجة” . وهذا خلط منكود بين “العفوية” و”السذاجة” , فالعفوية تعني الانطلاق الفني في مصداقية دون معوقات أو تكلف أو تصيد، وهذا الانطلاق يكون من قيم شعورية وفنية ذات أبعاد إنسانية، دون الوقوع فيأسر مذهبية حادة خانقة، أما السذاجة فتعني الانطلاق التسطيحي، والطرطشة العاطفية بلا ضوابط أو مرتكزات قيمية، فلا مكان إلا للتداعيات التي تتدفق بلا وشائج منطقية، أو جماليات فنية مما يهبط بالعمل الأدبي إلى منطقة الأسلوب الصحفي الدارج.

ومن عجب أن يكون العنوان ” الفرار إلى جهنم” بمضمونه الفكري ترديد لمقولة عامية، نسمعها دائما من عوام الناس: فالواحد منهم إذا بلغ به الضيق بالآخرين أقصى مداه هددهم “بـترك البلد” أو “يروح من وشهم في ستين داهية” أو “يروح من وشهم لجهنم الحمرا”.

وما زال للحديث صلة.

 

 

(1)من فضول القول أن أذكر هنا أن الفقيه يقصد غير ما أقصده، وتمام عبارته “القائد معمر القذافي حالم كبير، ولا شك أن حلمه هو الذي قاده إلى إبداع النظرية الجماهيرية التي أصبحت واقعا يعيشه ويمارسه ملايين الناس (!!) ص 133 من كتاب القذافي “دراسة الفقيه الملحقة به”.

(2) ندوة تونس عن كتاب القذافي وهي منشورة في مجلة (الثقافة العربية) العدد الأول السنة 20- يناير 1995 (ص 15)

(3) ارجع إلى: آيان رايد.: القصة القصيرة: ترجمة د. منى حسين مؤنس (ص 110-130) (الهيئة المصرية العامة للكتاب 1990).

(4)ندوة تونس –  مرجع سبق (ص 14).

(5) دراسته الملحقة بكتاب القذافي (ص 137).

(6)ارجع إلى كتاب د. أنجيل بطرس سمعان: دراسات في الرواية العربية (ص91-96) الهيئة المصرية العامة للكتاب –  القاهرة- 1987).

(7) انظر: مجدي وهبة: معجم مصطلحات الأدب (ص 425) – مكتبة لبنان- بيروت 1974م.

(8) انجيل بطرس: مرجع سبق (ص 93).

(9) من كتاب القذافي (ص 46)، وهو في هذه العبارة يستعمل كلمة “محرر” بمعنيين: فمحرر عقود أي كتابها ومانحها، وربما قصد عقود تمليك أرض أو مساكن للمواطنين.

 

ومحرر أصفاد: أي مانح الناس التحرر من قيود العبودية، ولكن يبقى التركيب الأخير غالطًا، فالتحرير يكون من الأصفاد، لا للأصفاد أي القيود.

Print Friendly, PDF & Email
مقالات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

img
القائمة البريدية
img