img
إلا الشعر.. يا سيدي العميد
img
Print pagePDF pageEmail page

إلا الشعر.. يا سيدي العميد

عاش «متممّ بن نويرة» طيلة حياته يبكي أخاه مالكا الذي قتله خالد بن الوليد رضي اللّه عنه لردته, وقال فيه مراثي تعد من عيون الشعر العربي كله, ويقال إنه كان إذا رأي أي قبرا بكي, فلامه بعضهم فقال:

 لقد لامني عند القبور علي البكا = رفيقي لتَذْراف الدموع السوافك

 وقال أتبكي كل قبر رأيتَه = لقبر ثوَي بين اللِّوي والدَّكادك?

 فقلتُ له إن الشجا يبعث الشجا= فذرني فهـذا كلّه قـبر مالـكِ

 وبعد أن استشهد زيد بن الخطاب رضي اللّه عنه في موقعة اليمامة دخل “متمم” المسجد في خلافة عمر رضي اللّه عنه, فاستنشده عمر بعض شعره في أخيه «مالك», وأعجب عمر بما سمع حتي قال: «يامتمم» ليتني كنت شاعرًا حتي أقول في أخي زيد مثل ما قلت في أخيك مالك..

 وظل عمر رضي اللّه عنه حزينًا علي أخيه طيلة حياته, ولكن هذا الحزن العارم ما كان ليصنع شاعرًا لم يرزقه اللّه «موهبة» الشعر, ومضي عمر رضي اللّه عنه نموذجًا للحاكم العبقري العادل الذي حقق للإسلام والدولة الإسلامية, ما لم تحققه الدولة الرومانية علي مدي ألف عام بشهادة الغربيين أنفسهم, ولم يأخذ عليه أحد أنه لم يكن شاعرًا. بل إن كلمته لمتمم بن نويرة لتقطع بأن الشعر ملكة لااكتساب.

 وفي هذه السياقة نقول: إن العالم العبقري الخليل بن أحمد الفراهيدي الذي قدم للعربية «علم العروض» وهو علم أوزان الشعر, لم يكن شاعرًا, وإن كان له بعض القصائد والمقطوعات القليلة, وهي في مجموعها لا ترقي إلي مستوي شعر معاصريه, أو سابقيه.

 مع النقاد القدامي

 وكان عمر رضي اللّه عنه يحب الشعر والشعراء, ويثني علي جيد الشعر, ومن كلماته الخالدة «تعلموا العربية, فإنها تثبت القلوب, وتزيد في المروءة. وارووا الأشعار, فإنها تدل علي الأخلاق, وخير صناعات العرب أبيات يقدمها الرجل بين يدي صاحبه, يستميل بها الكريم, ويستعطف بها اللئيم” .

ومما يروي عنه أنه استمع للاميّة «عبدة بن الطبيب» فلما بلغ المنشد إلي قوله:

 والمرءُ ساع لأمر ليس يدركُهُ = والعيش شحّ وإشفاق وتأميلُ

قال عمر متعجبًا: «والعيش شحوإشفاق, وتأميل» ما أحسن ما قسم!!

 وللمزباني: أبي عبيد اللّه محمد بن موسي كتاب (الموشح – مآخذ العلماء علي الشعراء في عدة أنواع من صناعة الشعر). وهو سفر ضخم عرض فيه – ضمن ما عرض – العيوب التي تؤخذ علي كثير من الشعراء في الفكرة والخيال واللغة والوزن والقافية, وفضح فيه الأدعياء من المتشاعرين والشعارير.

 وله في هذا المجال حكايات حقيقية طريفة مسلية, ومنها: خبر الفتي الذي جاء أباه : محمد بن الحسن الحصني . وأخبره أنه نظم شعرًا رائعًا, وسأل أباه أن يكافئه بجارية أو غلام لو استجاد شعره فوافق والده. وأنشد الفتي أبياتًا منها:

 إن الديـار بميّفا          هيجن حزنا قد عفا

 أبكيٍنتي لشقاوتي          وجعلن رأسي كالقفا

فقال الأب محمد بن الحسن: واللّه – يا بني – ما تستأهل بهذا جارية ولا غلامًا, ولكن أمك مني طالق ثلاثًا إذ ولدت مثلك.

 وعن الأصمعي قال: عرض رجل علي أبيه شعرًا, فقال له يا بني, ما بقي أحد إلا وقد عرض عليه الشيطانُ هذا الشعر, فما قبله أحد غيرك.

وقال دعبل الخزاعي مفتخرًا بشعره:

يقولون: إن ذاق الرَّدى مات شعرهُ          وهيهاتَ عمرُ  الشعر طالت طوائله

سأقضي  ببيتٍ  يحمد  الناسُ أمرَهُ          ويكثر من أهـل الروايـة حـاملُه

يموت  رديءُ  الشعر منٍ قبل أهله          وجيـده يبـقي, وإن مـات قائلهْ

 ورأي أحدُهم شعرَ غيره غير منتظم, ولا متّسق, مع اختلاف المعانيوتنافرها, فقال:

 وشعرٍ كبعْرِ الكبش فرَّق بينه         لسانُ دعيٍّ في القريض دخيل

إلا الشعر يا عميد..

 فالعرب إذن كانوا يهتمون بالشعر. ونقادهم – من العصر الجاهلي كانوا يبدون رأيهم فيما يسمعون منه, بل إن الشعراء كانوا حريصين علي استطلاع آرائهم فيما ينظمون. وكان النابغة الذبياني تنصب له خيمة من أدَم (جلد) في سوق عكاظ, ويأتيه الشعراء يحكمونه في شعرهم, ومن هؤلاء الخنساء, وحسانُ بن ثابت علي ما هو معروف في التاريخ.

 ولأن النقد أمانة,, ولأننا – دعاةَ الأدب الإسلامي – نري أن تقييم الأعمال الإبداعية جزء من رسالتنا الإنسانية والإسلامية والخلقية,وخصوصًا إذا كانت هذه الأعمال تمثل خطرًا أو إيذاء لثوابتنا التراثية التي يقوم عليها البناء الفني, كان من الحتمي أن نتصدي لها بصراحة واضحة دون مجاملة, ودون أن تأخذنا في الحق لومة لائم. أما المنقود فهو الأستاذ الدكتورعبد الرحمن عبد الحميد علي , عميد كلية اللغة العربية بالزقازيق بجامعة الأزهر , أعني عطاءه الذي يصر على أن يسميه شعرا .ويعلم الله أننا لا نقصد التشهير بأحد . ولكنها كلمة حق , لم نرد بها غير الحق .

ومصدر الخطورة في هذه «الأعمال» يرجع إلي ما يأتي:

 1 – أن مبدعها – والأدق أن أقول منتجها – عميد لإحدي الكليات النظرية التي يتخرج فيها مدرسون للغة العربية ودعاة وأدباء.

 2 – أنه لم ينشرها في ديوان مستقل – علي حسابه الخاص, أو علي حساب دار نشر – ولكنه نشرها في أعداد متتالية من مجلة الكلية وهي (حولية) علمية أدبية محكمة . وهيئة تحكيمها لا يقل عددها عن عشرة من خيار الأساتذة.

 3 – أن بحوثه الأدبية والنقدية في هذه الحوليات بحوث رائعة فيها علم غزير, وتعمق واع, ولا كذلك «إبداعاته». وروعة هذه البحوث, قد تغري طلابه بالاقتداء الشامل به: بحثًا وإبداعًا.

 والشيء العجيب الغريب, بل المؤسف – أن يورد العميد شعرًا لابن المعتز, وجرير, وعبيد بن الأبرص, وأبي فراس الحمداني, وبعدها يورد من تأليفه ما يعتقد أنه شعر ومنه:

الكلام عن النساء

يذهب إلي السماء

فيه الحب والعطاء

نساء العالم أنجبن الآباء

إنها حواء رمز الإباء

إنها هاجر التي كانت فتاء

إلي أن يقول:

كنَّ مصقولات كالسيف المضاء

لهن كل الحب والثناء

علمنَ العالم كل الصفاء

هن النساء وغيرهن هباء

 * مجلة الكلية: العدد 21 – 2001 ص 66 *

 وعن مصر يقول:

مصر هي الزمام

مصر هي كل الأعلام

مصر لكل الناس الإلهام

مصر هي النطف الطاهرة

في كل الأرحام

مصر هي كل الأنغام

مصر هي أجمل قَوام

مصر هي كل الغرامٍ

 *السابق 27 *

 وعن مصر يقول أيضًا:

في مصر جاء الشتاء

وظهر الاخضرار والبهاء

وظهر النور والحناء

وظهرت الجنات في الصحراء

سأطير لأقبّل سيناء

سيرجع شبابي إلي الوراء

سأعرض حبي علي الغيداء

سأصمت وأعلن الحياء

إنها النرجس والفل الأبيض

والجمال الذي لكل حسناء

 *السابق ص 29)*

 وفي حولية 2003

وفي العدد 23 من مجلة الكلية (2003) يمدح رئيس جامعته بمطولة منها «الكلام» التالي:

(فلان) رئيس الجامعة

تري عينيه دامعه

من خشية اللّه

هو دائمًا الداعيه

قام للّه وصلي

وقدماه للّه ساعيه

نجله دائمًا للّه

لن تسمع عليه ناعيه

إن رأيتَه فكبر

وشخصيته ليست باليه

فهو المخلص دوما

وأفكاره بيضاء ساريه

هو الإخلاص الخالص

في الرائحة والغادية

 *ص 29 *

 أما المحافظ فقد مدحه العميد بـ«كلام» طويل, فقد وصفه بأنه: هو الثمار, وهو المحار, وأنه جعل المحافظة عمار, وهو الورود والأزهار وآراؤه كلها إصرار. ويقول عن المحافظ بالنص:

إن رأيتَه عرفتَ الحب والانبهار

يا له من محافظ إلي الإصلاح سوار

أعماله النور سأقبًّلها وابعثها إلي الأقمار

فهو العالم, والعلم ليس له أسوار

عليه تجليات اللّه وهو الواحد القهار

جعل (المحافظة) في ثوب عرس جرار

وهو العريس, فارفع ذكره علي البحار

وهو التقي عليه من اللّه وقار..

هو في حياته المليارات لا الأصفار

 *ص 33 *.

 العميد وسجع الكهان

 وأكتفي بهذا القدر من هذا “الكلام ” الذي يصر عليه الأستاذ العميد, لأنني أعتقد أن القارئ لن يستطيع أن يتحمل أكثر من ذلك. فهو «كلام» مثقل بالتكلف, ضعيف الفكرة, غث التصوير, مريض الخيال, لا يليق بسمعة كلية فيها أدباء وشعراء لهم وزنهم علي مستوي العالم العربي, ومسئولية العميد هنا مجسمة مضاعفة لأن هذا الكلام منشور في مجلة محكمة توزع علي الكليات, وكبارالمفكرين والشعراء والأدباء.

 وقد حاولت أن أنسب هذا الكلام إلي “فن المقامات ” فأخفقت لأنه لا يساوي شيئًا إذا قيس بها لغة وتصويرًا, ولكنه – إحقاقًا للحق,وإنصافًا للسيد العميد. يقترب – إلي حد كبير – من «سجع الكهان» وما دار في فلكهوسجع الكهان يعتمد أساسًآ علي الجٍرس الصوتي المؤثر, بصرف النظر عن المضمون الفكري, وبمثل هذا الجرس كانوا يؤثرون في قاصديهم من البسطاء, ومن نماذجه ما قاله الكاهن الجاهلي «سلمة بن أبي حية» والأرض والسماء, والعُقاب والصَّقعَاءواقعةً ببقعاء, لقد نفّر المجدُ بني العشراء للمجد والسماء.

 ويقال إن بعض الكفار قلد هذا اللون في مقام تحديهم لأسلوب القرآن, فيروي عن أحدهم قوله:

يا ضفدع يا بنت ضفدعين

نصفك في الماء ونصفك في الطين

فلا الماء تعكًرين

ولا الشارب تمنعين

 ***********

 يا سيدي العميد, إنها نصيحة يعلم اللّه أنني أقصد بها وجه اللّه, فأقبلها مني, فأساتذة كليتكم قد يأخذهم «الحياء» أن يصارحوك. وأنت– واللّه – لا يعيبك ألا تكون شاعرًا, ولكن يعيبك الإصرار علي إفراز مثل هذا “الكلام ” الذي لا يعد شعرًا, ويصعب علي الناقد جدًا أن ينسبه إلا لفن قديم مات, وانتهي وهو سجع الكهان. وتقبل تحيتي وتقديري … يا سيدنا العميد.

Print Friendly, PDF & Email
مقالات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

img
القائمة البريدية
img