img
إبراهيم عبد الفتاح
img

الفصل الثاني: إبراهيم عبد الفتاح

(من شعراء الإخوان المسلمين قي مصر)

شاعر من الشعراء المطبوعين، عاش فياضا بالكلمة الشاعرة أكثر من نصف قرن، وكان يجمع بين شاعرية النظم، وشاعرية الإلقاء. كتب الدكتور محمد رجب البيومى “… وأذكر أننى شرفت -أول ما شرفت- بسماع شعر الأستاذ إبراهيم ذات عشية فى إحدى الحفلات الدينية المباركة حيث قدمه الإمام الشهيد حسن البنا بكلمات صادقة مخلصة كانت قصيدة الأستاذ فيما بعد خير برهان على صدقها الأصيل.

  وما زلت من يومها أشرئب إلى شعره فى كل مناسبة تحين. وكان من حظى أن شاركته فى بعض المحافل الشعرية بالمنصورة حيث كان رائع الأداء، بارع الإيحاء، قوى الإلهام”(1).

  وأذكر –وأنا طالب فى المرحلة الثانوية- أننى التقيتُه فى حفل أقامه الإخوان بمدينة المنزلة فى أواخر الأربعينيات من القرن الماضى، وألقيت فى الحفل كلمة الطلاب”، ثم جاء دور الرجل، فعلق على كلمتى بكلمات مشجعات طيبات، قبل أن يلقى قصيدته الرائعة التى شدت إليه جموع الحاضرين.

  مسيرة الحياة

  ولد إبراهيم أحمد عبد الفتاح فى “ديرب نجم” شرقية – بمصر فى 9 من أغسطس سنة 1909م.

·    تخرج فى كلية دار العلوم العليا سنة 1935م.

·    اشتغل بالتدريس، ثم ناظرا بالمرحلة الإعدادية، ثم موجها للغة العربية بالمرحلتين: الإعدادية والثانوية.

·    أحيل إلى المعاش (التقاعد) فى أغسطس سنة 1969م.

·    ثم عينه الإمام الدكتور عبد الحليم محمود مستشارا لشيخ الأزهر لشئون المعاهد الدينية بالإسكندرية.

·  عكف على تأليف كتاب “القاموس القويم للقرآن الكريم”. وطبعه مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر على نفقته فى جزأين جاءا فى أكثر من ثمانمائة صفحة.

·  نال – وهو طالب بدار العلوم- الجائزة الثانية فى الشعر فى موضوع “مشروع القرش” والذى اقترحه الأستاذ أحمد حسين رحمه الله سنة 1934.

·  ونال –وهو طالب بدار العلوم- الجائزة الثانية فى “عيد الوطن الاقتصادى” فى الشعر، ونشرت قصيدته الفائزة فى جريدة الأهرام فى مارس سنة 1935.

·  طبع له سنة 1947 ديوان “من وحى الدعوة الإسلامية” وكتب مقدمته الإمام الشهيد حسن البنا المرشد العام الأول للإخوان المسلمين. وأعيد طبعه سنة 1989.

·  وله مسرحية شعرية هى “لبنى وابن ذريح”. وقد نظمها وهو طالب فى دار العلوم، وإن لم تطبع إلا بعد ذلك بعشرات من السنين.(2)

  شعره المسرحى

  ولإبراهيم عبد الفتاح – كما ذكرنا فى قسم الشعر المسرحى مسرحية شعرية طويلة، عنوانها “لبنى وابن ذريح” أو “فاتنة بنى كعب وشاعر الحجاز”. نظمها قبل أن ينظم عزيز أباظة مسرحيته “قيس ولبنى” بعشر سنين. وإن أخذت مسرحية عزيز حظها من الذيوع طبعا وتمثيلا.

  وقد عرضنا هذه المسرحية، ورأينا كيف كان الشاعر إبراهيم عبد الفتاح موفقا –إلى حد كبير- فى عمله هذا، ويزيد من تقديرنا له أن هذا العمل من بواكير أعماله الشعرية، كما يبقى له قصب السبق الزمنى فى نظم هذا العمل الدرامى، وإن تأخر طبعا وظهورا.

  آفاقه الشعرية

  غير قصائد نشرت فى صحف الإخوان ومجلاتهم نقرأ للشاعر ديوانا شعريا جامعا عنوانه “من وحى الدعوة الإسلامية”(3).

  ويظهر أن الشاعر كان يعتز بهذا الديوان اعتزازا خاصا، فمما كتبه فى تقديمه للطبعة الثانية “…ويسعدنى أن يعاد طبعه؛ ليعم النفع به. وسيجد فيه عشاق اللغة العربية والشباب المسلمون ما يغذى قلوبهم، وما يقوّم ألسنتهم، وما يحبب إليهم اللغة الفصحى، فإنهم سيجدون فى هذا الشعر السهولة والوضوح، حتى كأنه نثر مفهوم قريب المأخذ، واضح المعانى، نبيل الغاية، شريف القصد…”(4).

  ثم يحدثنا الشاعر عن الأفق الأساسى الذى سبح فيه هذا الشعر، فمعظمه هو صدى صادق، وصورة حية للأحاديث الشائقة والخطب البليغة التى كان يمتعنا بها إمامنا الشهيد المغفور له الأستاذ حسن البنا المرشد الأول للإخوان المسلمين، والتى كانت تفعل فى أرواحنا وقلوبنا فعل السحر، ولهذا سميته “من وحى الدعوة الإسلامية”، ففيه خلاصة دقيقة للمبادئ والأفكار التى كان يرددها، ويدعو إليها إمامنا الراحل الكريم رضوان الله عليه. فالذين فاتهم أن يستمعوا إليه فى حياته القصيرة المباركة يمكنهم أن يتعرفوا عليه، ويستحضروا صورته من خلال هذا الديوان..(5)

  وأكد هذا المعنى الإمام الشهيد حسن البنا، فى تقديمه للديوان(6)، بقوله “… ولا زالت هذه الدعوة الربانية الكريمة تجد فى كل عصر من العلماء والعالمين، والخطباء، والقائلين، والشعراء، والمجاهدين من يجلو على الناس أنوارها، ويطلع فى سماء البيان شموسها وأقمارها، ويدلّهم على ما فيها للإنسانية من خير وبرّ وسعادة ومجد وجمال وجلال، وفضل وكمال “وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين”

  … وممن وفقهم الله إلى سلوك سبيل دعوة الحق، والمناضلة عنها بموهبة الشعر الحكيم، ومشاعر من قيود الخوف وخشية غير الله طليقة, وعاطفة رابطتها بالملأ الأعلى، وبروح القدس قوية وثيقة: أخونا فى الله تبارك وتعالى الأستاذ “إبراهيم عبد الفتاح” الذى فتح الله عليه بفيض المعانى، فى درر من الألفاظ صاغها قصائد عصماء معبرا بها عن دعوة الإخوان، وإن شئت فدعوة الإسلام تعبيرا صادقا دقيقا، أصاب به المحز، وطبق فيه المفصل، وكان فيه على حد قول القائل:

إذا   قال   لم   يتركْ  مقالا لقائل        بملتقطات  لا  ترى  بينها  فصْلا 

كفى وشفى ما فى النفوس فلم يدعْ        لذى لسَنِ فى القول جدًّا ولا هزْلا 

  وما اقتبسناه من المقدمتين: مقدمة الشاعر، ومقدمة الإمام الشهيد تضع أيدينا على أهم الموضوعات التى عالجها الشاعر فى ديوانه، وعلى جوهر الرسالة الإنسانية الإسلامية التى حرص على أدائها بنظمه، والأهداف التى توخى تحقيقها.

  وأغلب الديوان نظم فى حياة الإمام الشهيد حسن البنا، وفى الطبعة الثانية من الديوان ملحق بما زاده الشاعر، وهو عشر قصائد، منها اثنتان نظمهما فى حياة المرشد الشهيد، وبقية الملحق قصائد نظمت بعد استشهاده بسنوات، وكان أقدمها قصيدة “من وحى المولد النبوى بنادى المعلمين بالإسكندرية سنة 1962″(7).

  وأهم الموضوعات التى عالجها الشاعر فى ديوانه:

1. المناسبات الإسلامية: كمولد الرسول r- والهجرة والإسراء والمعراج

2. حفلات الإخوان، ومؤتمراتهم، ومهرجانات الجوالة.

3. مدح الإمام حسن البنا فى قصائد مستقلة (مثل رسالة إلى أخى فى الله ومرشدى إلى طريق الحق الأستاذ حسن البنا)(8) (وقصيدة: زيارة أخى فى الله)(9)

4. عرض فكر الإخوان، ومنهجهم، وجهادهم.

5. موضوعات عامة عالجها فى القصائد الآتية: ماذا فعلت الحرب- فضل المدارس- عيد الوطن الاقتصادى- مشروع القرش- شهداء المنصورة- شهداء الطيران- فى ظلال القومية العربية(10)

  رهافة الحس وحضور البديهة

  والشاعر –كما ذكرت آنفا من الشعراء المطبوعين، والمتمكنين من لغتهم، المتميزين برهافة الحسّ، وسرعة الاستجابة للتعبير عن أفكاره، والقدرة على الإضافة والارتجال، حتى يخيل للقارئ أن الشعر طوع أمره أنّى، وأيان ما شاء، واستدعاءه رهن بمشيئته، وكان الإمام الشهيد حسن البنا يؤمن بهذا الطابع فيه حتى إن الفرنسيين حينما اعتدوا اعتداءهم الغاشم فى 29 من مايو سنة 1945 على سوريا أرسل الإمام الشهيد إلى الشاعر يطلب منه قصيدة يحيّى فيها المجاهدين من وفد سوريا ولبنان بالمركز العام للإخوان بالقاهرة، وكان إبراهيم بعيدا عن القاهرة، فأرسلها إليه على الفور، وألقاها الشاعر الكبير عبد الحكيم عابدين نيابة عنه(11).

  ومن رهافته الفنية، وسرعة استجابته للأحداث ومعايشتها فى تلقائية فورية أنه نظم مطولة وألقاها فى احتفال إخوان الزقازيق بذكرى الهجرة فى 7/1/1362ﻫ. وكان الأستاذ عبد الحليم أباظة من إخوان الزقازيق، ومن أركان هذا الحفل وتوفى يوم الاحتفال، فختم قصيدته بأربعة أبيات فيه(12).

  وسنرى –زيادة على ما قلناه آنفا- أن شعر الشاعر برىء من التكلف، والضرائر الشعرية، مع الحرص الشديد على وحدة الوزن والقافية. وهو –فيما أجملناه من الإشارة إلى بعض ملامحه الفنية، يذكرنا بقول خليل مطران عن شعره”…. هذا شعر ليس ناظمه بعبده، ولا تحمله ضرورات الوزن أو القافية على غير قصده، يقال فيه المعنى الصحيح، باللفظ الفصيح. ولا ينظر قائله إلى جمال البيت المفرد.. بل ينظر إل جمال البيت فى ذاته، وفى موضعه، وإلى جملة القصيدة فى تركيبها، وفى ترتيبها، وفى تناسق معانيها وتوافقها، مع ندور التصور، وغرابة الموضوع، ومطابقة كل ذلك للحقيقة، وشفوفه عن الشعور الحر، وتحرى دقة الوصف، واستيفائه فيه على قدر”(13)

  منهج القصيدة والملامح الفنية

  الشاعر طويل النفس، فأغلب ما نظمه مطولات فائقة الطول، كقصيدته فى الاحتفال بزيارة فضيلة المرشد العام لمدينة “أبى كبير” فى 10من رجب 1362ﻫ (13 من يوليو 1943)(14)، وهى نونية من ستة وستين بيتا.

  وقصيدته فى احتفال إخوان الزقازيق بذكرى الهجرة فى 18 من المحرم سنة 1363(15)، وهى عينية من أربعة وثمانين بيتا.

  ومطولته الرائية التى بلغت سبعة وتسعين بيتا بعنوان “قصيدة الشمال”(16)، وقد ألقاها فى مؤتمر الإخوان المسلمين الذى أقاموه بالمركز العام سنة 1946. وفى المؤتمر ألقى الأستاذ “جمال السنهورى” شاعر جنوب الوادى –قصيدته، وتلاها إلقاء “شاعر الشمال” قصيدته هذه.

  وكل قصيدة من قصائد الشاعر –مهما كان طولها- مقسمة إلى أقسام، وكل قسم مُصدَّر بعنوان يمثل موقفا، أو مشهدا، أو يعبر عن رؤية فكرية، وكل هذه العناوين الداخلية تنتمى إلى العنوان الرئيسى للقصيدة. ففى قصيدته (الإسراء والمعراج)(17)

  يندرج تحت هذا العنوان الرئيسى العناوين الداخلية الآتية:

فرضتْ الصلاة فى السماء.                   والنجم إذا هوى.

·  وحدة الوجود فى الإسراء.         ·  إثبات المعجزة.

·  الأخ المسلم.      ·  من هم العظماء حقا؟

·  وصف الشارة.   ·  حال المسلمين اليوم.

·  ماذا نريد؟         

  وهذه العناوين الجزئية الداخلية ترتبط “بالعنوان الأم” ارتباط الأجزاء بالكل، فهى لم تُفقد القصيدة وحدتها العضوية، بدليل أننا لو حذفناها لظلت القصيدة مترابطة فى سياقها الفكرى والتصويرى فى تكاملية متماسكة. ولا نشعر بشىء من التعسف إلا نادرا كإقْحام الشاعر عنوان “سينما السماء” فى سياق حديثه عن الإسراء والمعراج. وقد بدا العنوان غريبا، منافرا فى تصويره ومضمونه الفكرى للعناوين الداخلية الأخرى، وقد يكون سبب هذا الإقحام حرص الشاعر على توظيف “العصرى” فى خدمة التراثى… ومن أبيات هذا المشهد “سينما السماء”.

وخيالة   مِنْ   صنع رِّبك مثَّلتْ         صورَ الحياةِ وغائبَ الأنباءِ 

وممثلوها   من   ملائكة   السما        لا  من  هُواة  الفن والخلعاء 

عرضتْ رواياتِ الحياةِ بخيرها        وبشرها فى دقةٍ وجلاءِ(18) 

  وفى القصيدة نفسها يبتعد الشاعر عن “روح الشعر” بإقحامه الحديث عن “قيمة الجنيه المصرى”، فيقول عن الإنجليز وقد كانوا يحتلون مصر، ويتحكمون فى اقتصادها:

 لا يجمعون من الضرائب درهما         ونقودنا  لهمو  بلا   استثناء 

همْ   يصنعون   لنا  الجنيه مزيّفا          هو سُبْع قيمته لدى العملاء 

قد  زالت  الحرب  العَوان فما لنا         نشكو مظاهر فاقةٍ وغلاء؟(19) 

  بواعث ودوافع

  وثمة سؤال يفرض نفسه مؤدّاه: ما الذى دفع الشاعر إلى هذا “التجزىء العنوانى”، أى تقسيم القصيدة الواحدة إلى قطع مختلفة العدد، على رأس كل قطعة عنوان مختلف عن بقية العناوين؟

  إن الشاعر لم يصرح بإجابة هذا السؤال، وهذا لا يمنع من الاجتهاد لمعرفة المبرر –أو المبررات- لسلوك الشاعر هذا النهج، وأعتقد أنها تتمثل فيما يأتى:

1. اتباع بعض فحول الشعراء فى سلوك هذا النهج فى بعض مطولاتهم الشعرية، مثل حافظ إبراهيم فى العمرية(20)، ومثل أحمد شوقى فى مطولته “صدى الحرب” فى وصف الوقائع العثمانية اليونانية(21)، وفيها نلقى العناوين الداخلية الآتية: الجلوس الأسعد – حلم عظيم، وبطش أعظم- معجزات الجنود على الحدود- زينب بنى عثمان- الحالة فى بحر الروم- منعة السواحل العثمانية- زينب المتطوعة فى موقعة- مضيق ملونا- الحاج عبد الأزل باشا- هزيمة طرناو- التلاقى فى سهل فرسالا- غصب دوموقو- أحلام اليونان- عفو القادر- التماس القبول.

2. وفى تعداد العناوين تنويع قد يذهب الملالة عن القارئ.

3. معروف عن الإخوان الحرص على حفظ النماذج الراقية من النثر والشعر، والتمثيل والاستشهاد بها. فكأنما أراد الشاعر بهذا التقسيم أن يسهل مسألة الاختيار الشعرى على القراء.

  أقول هذا على سبيل الاستنتاج، وأرى أن العامل أو المبرر الأول هو أقوى هذه المبررات.

  مسار القصيدة

  تبدأ القصيدة –وخصوصا المطولة- باستهلال مناسب لغرض القصيدة، ثم بعد ذلك يخلص الشاعر إلى غرض –أو أغراض- القصيدة التى تكون غالبا الثناء على المرشد البنا قائد الجماعة، وعرض مضامين دعوة الإخوان، وفكرهم وجهادهم.

  والشاعر –فى استهلالاته- يحرص على التدفق الوجدانى، وجمال التصوير، وبراعة الأداء ليشد القارئ إلى الغرض الذى يخلص إليه بعد ذلك. ومن أمثلة هذه الاستهلالات:

   الشمس تعلم أن الليل جلاَّها        فأرجعتْهُ نهارا من مُحياها 

قد داعبت أعينَ الوادى أشعتُها         فأيقظتها وكان النوم غشاها 

فلا نرى فى بلاد النيل أجمعها        عينا تلاقى على الأقذاء جفناها 

  ثم يخلص الشاعر بعد ذلك مباشرة إلى الحديث عن “البنّاء” مرشد الإخوان، وعن دعوة الإخوان ومبادئها:

شـمـسٌ  تسلمها البنّاء مشرقةً
هـدايـةٌ وضـيـاء سنّةٌ وسنا
شـمسٌ بلا فلَك فى راحتىْ مَلَكٍ
إذا  بـنـى فـمن الإسلام بنيته
دسـتـوره  من كتاب الله متخذ
وفى  سماء الهدى للناس أعلاها
وديـعـةُ الله لـلإخوان أهداها
مـبـاركٍ  حسنِ الأخلاقِ بناها
ومـن  مـبـادئه بالحق أنشأها
كل الدساتير وحىُ الله ألغاها(22)

  ونلاحظ أن أغلب هذه الاستهلالات تعرض مشاهد من الطبيعة، وتخلص منه ببراعة- إلى المضامين الفكرية التى تمثل الغرض الأصلى الأساسى من القصيدة.

  مرشد الإخوان

  ولا تكاد قصيدة تخلو من الحديث عن مرشد الإخوان ودوره فى نصرة الإسلام، وغرس القيم الإسلامية فى نفوس الإخوان. كما نرى فى الأبيات الآتية:

يا   مرشدَ   الإخوان   ألف  تحية        أنت  الذى  للصالحات  هدانى 

………………..= 

قد كنتُ مَيْت القلب مطموس الحجا        فسُقيتُ من يمناك ما أحيانى 

منك    الدواء    أخذتُه   فحمدتُه         أنت الطبيب لكل قلب عان(23) 

  وكان الإخوان –من شدة حبهم للمرشد- يقبلون على كلماته، ويحفظونها. وكثيرا ما كان –رحمه الله- يردد أنه لا يخاف على الإخوان الدنيا مجتمعة، إنما يخشى عليهم أنفسهم والخلاف المؤدى للفرقة. وقد ضمن الشاعر أبياتا له هذه المعانى فى قوله:

قـد  قـال مـرشدنا الحكيم مقالةً
لـسـنا  نخاف المعتدين وبطشَهمْ
وأشـد  مـا أخشى ويجعلُ صفنا
فـتـآلـفوا  فى الله صفا واحدا..
أنـزلـتُـها  فى القلب خيرَ مكانِ
فالله نـاصـرنـا عـلى العدوان
دكًّـا  خـلافُ الرأى فى الإخوان
تحظوْا من الرحمن بالرضوان(24)

  ومن الأبيات الجامعة التى عالج فيها الشاعر الجوانب المتعددة للمرشد. وتجميعه الرجال على دعوة الحق قول الشاعر:

ومـا مـذهبُ الإخوان إن كنت سائلا؟
ومَـنْ قـائـدُ الإخوان فى كل حادث؟
ومـن مـلـجأ الإخوان فى كل حادث
ومـن مـرشـدُ الإخـوان لـله دره؟
هـو  “الـحـسـنُ البنَّاء” يكره مدْحنا
فـيـا  مـرشـد الإخوان عفوا فإنما
جـمـعـت  مـن الإخوان كل مهذب
كـتـائـب  ألـقـتْ فى يديك زمامها
إذا  حَـمَّـدوا أو كـبـروا من قلوبهم
بـنـاهـم مـن الـقرآن بنَّاء عصْرِهِ
هـم  الـصـفُّ رصَّـتْـه عناية ربِّه
بـهـم  دولُ الإسـلام تـرقى كعهدها
فـلـيـس  لـهـم إلا إلى اللهِ مذهبُ
هو  المصطفى الهادى الرسول المحبَّبُ
هـو  اللهُ والـلاجـى لـه لا يُـخيًّب
إمـامٌ  سـيـاسـىٌ ولـىٌ مـقـرّبـ
له وهو فيضُ الحب والحبُ أغلب(25)
هـو الـحـب يـملى ما نقولُ ونكتب
يـنـاصـره فـى الله شـهـمٌ مهذب
لـيـوم جـهـادٍ جـاهـدٍ تـتـوثب
تُـزلـزَل  أعـصابُ الوجودِ وتُرعب
ولــقــنـهـم آدابَـه فـتـأدبـوا
فـلا  ثَـقْـب يـوما فى نواحيه يُثْقَب
ويـعـتدل الصرح الذى كاد يُقْلب(26)

  إنه التجذير السديد، وإبراز المرجعية الثرية السمحاء: فالله هو الغاية، والرسول هو الزعيم القدوة والأسوة، والقرآن هو الدستور، وحسن البنا هو قائد المسيرة المباركة فى العصر الحديث. ويقول الشاعر على لسان الإخوان:

نحن  بعنا النفوسَ فى حبِّ دينٍ
لـم يـضـنُّـو بأنفس غاليات
وبـنـوْه  لـنـا أعزَّ منيعا…
لا يريد الإخوانُ فى الدهر شيئا
لا يريدُ الإخوان فى الناس حكما
بـاع آبـاؤنـا لـه كـلَّ غالِ
كـبُـر الـظنُّ أن يَضنّوا بمال
ثـابت الركن مستفيض الظلال
غـير مرضاة ربِّهم ذى الجلالِ
بل يريدون حاكما ذا كمال(27)

وحديث الشاعر عن الإخوان ومبادئهم وشعاراتهم ومرشدهم له مكان كذلك فى قصائد المناسبات التاريخية الإسلامية كالإسراء والمعراج(28) وذكرى الهجرة(29) وغيرها.

  في قصائد المناسبات

  والشاعر فى قصيدة المناسبة “يجمع بين حسن الاستهلال، والعرض الأفقى لبعض وقائع الحدث، والربط بين الماضى والحاضر، واستخلاص الدروس والعبر التى تستخلص من الحدث التاريخى. فهو مثلا فى قصيدته عن الهجرة(30) يتحدث عن تعصب المشركين ضد النبى والإسلام، وقيام النبى r بالهجرة بعد تآمرهم، وواقعة سراقة بن مالك، واستقبال المدينة للرسول عليه السلام، ولكن الدروس والعبر، وواقع الحاضر المعيش… كل أولئك يستغرق أغلب أبيات القصيدة، ومن ذلك أبياته –تحت عنوان جزئى داخل القصيدة هو “الهجرة تعلمنا السياسة” وفيها يقول:

هـل  حـركت هجرةُ المختار أنفسنا
إلـى مـتـى نـتوارى فى سياستنا
كـنـا الـملوكَ وطيْرُ اليُمن يخدمنا
ونـبـهـت نـائما عن حقه هَجَعَا؟
ونصحب المخزيين: الذلَّ والضَّرعا؟
والآن طـائـرنـا عـن عُشِّه وقعا

  ويقول تحت عنوان “كيف تؤيد الإسلام”:

تـأيـيدك الدين أن تُعنَى بدعوته
وأن  تساير روح العصر محترسا
ولا  تـكـنْ كذوى جهل وشعْبذَةٍ
إن  تطلب المجد بالأعمال صالحة
وأن تـكون لصوت الحقِّ مستمعا
من أن تُظاهر قوما أظهروا البدعا
ظنوا الجمود على ما عندهم ورعا
وصـابـرا  صابرا لبَّاك وارتجعا

  وفى دفْع الشاعر الاتهامات والشُّبَه عن الإخوان نراه يعتمد على المنطق والمناقشة العقلية والواقع الصادق المشهود، وبعض وقائع التاريخ. ومن ذلك قول الشاعر فى الاستقالات المزعومة(31).

وأمـا  اسـتقالاتُ الضلال فخدعةٌ
لـقـد  آمـن الكفارُ وجه نهارهم
لـيـرجـع  عن دين النبى محمدٍ
فـمـا ضـرَّ دين الله ما دبّروا له
جـمـاعـتـنا  تعلو وربك غالبٌ
أمـا  كـان خيرا أن يعادوا عدونا
أسـودٌ عـلـينا شرها ليس ينتهى
بـهـا  ابـتلىَ الإسلامُ فهْىَ تكرر
خـداعـا وقـالوا آخر اليوم نكفر
أنـاس  لـعل الدين يهوى ويُدحر
وخـابوا كما خاب الضلال المدّبر
عـلـى أمره والخصْم بالكيد يُنحر
فـعـمـا قـريـب حرُبه تتسعّر
وهنّ نعاماتٌ من الحرب تنفر(32)

  كما فند الشاعر تهمة اشتغال الإخوان بالسياسة من هؤلاء القائلين: لا سياسة فى الدين، ولا دين فى السياسة. وفى ذلك يقول الشاعر:

يقولون: قد خاضوا السياسة قل لهم:
أيـعـجـبـهم  أن ساسنا كلُّ ظالم
تـسـاسُ بـدنـيا الملحدين أمورنا
نـريـد جهاد الخصم فى بدْء أمرنا
ألـيـس مـن القرآن أسمى معانيها
وكل ضعيف الدين فى مصرَ يخْزيها
وشـرعـتُـنا  فى كل أمر نُجافيها
وكـل  بـلاد المسلمين نفدّيها(33)

  ويهدم الشاعر دعوى اليائسين المثبتطين الذين يرون استحالة تحكيم الإسلام والقرآن فى وقتنا الحاضر فيقول:

ويـئـوسٍ  يـقـول أنتم ضعاف
إن تـحـقـيـق ما ترمون للدين
تـطـلـبون  القرآن حكما وهذا
أتـريـدون رجـعـنـا ألف عام
إن عـصـر الـبـخار ينسخ فينا
أيـهـا الـبائس المكابر فى الحق
كـيف كان الأجداد فى ذلك العصْ
كـيـف  كـانوا بحكم خير كتاب
أرجـوع الإنـسـان فى الحكم للَّ
لا تـقـولوا ما يفعل الشرق فالشر
إنـمـا نحن كثرة وافتراق الشمْـ
كـل بـحـر يـكون من قطراتٍ
لـو  نـهـضنا لزُحزح النيرُ عنا
أقصروا القولَ فى الدعاوَى الطوالِ
فـى  مـصرَ من ضروب المحالِ
مـسـتـحـيل  فى هذه الأحوال
لـقـوانـيـن  تـلـكُمُ الأجيال؟
كـل  ما كان فى العصور التوالى
ألـسـنـا بـالـزيغ فى شر حال
ـر  أكـانـوا مـثالَنا فى الوبال؟
فـى اعـتـزاز به أم اضمحلال؟
ـه ضـلالٌ؟ أنـعمْ به من ضلال
ق  ضـعـيـفٌ مهلهل المجد بالِ
ـل فـى الشرق أصل هذا النَّكالِ
كـل  طـودٍ مـن ائتلافِ الرمال
ومـحـونـا آثارَ هذا الخبال(34)

  ويتصدّى الشاعر للذين ينكرون عروج النبى r إلى السماء بدعوى أن تكوين الإنسان أو طبيعته العضوية لا تتحمل الصعود إلى طبقات عليا ينعدم فيها الهواء، مع أن المسألة فى ذاتها معجزة مرجعها الله سبحانه وتعالى.

  يقول الشاعر:

قالوا أيصعدُ فى السماء وليس فى
لا تـجـعلوا أمر الرسولِ كأمركمْ
أيـخـافُ  والروحُ الأمينُ رفيقه
نَـسَـمٌ  من الفردوس حفّ ركابّه
الله يـخـلـق مـا يشاء مصرِّفا
طـبـقـاتـها العليا نسيمُ هواء؟
فالله رب الـمـوت والإحـيـاء
ذو  مِـرَّة ذو الـقـوة الـشماء؟
أتـراه  يـشـعـر بـعده بعناء؟
أمـر  الوجودِ بقدرة وقضاء(35)

  ويأخذ كثير من المستشرقين وأعداء الإسلام على النبى r تعدد زوجاته، فيتصدى لهم الشاعر بعقلانية ومنطقية مفنّدا ما افتروا، فيقول فى سياق قصيدته فى ذكرى المولد النبوى:

قـالوا دعتْه إلى الزوجات شهوته
أيـن  الـعـفافةُ فيه وهْى حليتُه
ألم  يُخيَّرن فى التسريح إن طلبت
هن الصوالح لم يطلبن من متع الد
لَـشَـدَّ  ما خلطوا فيه وما وهموا
وأيـن عصمته؟ يا إفكَ ما زعموا
قـلـوبـهـن  نعيما ليس يُغتنم؟
نـيا نصيبا حقيرا غِبُّه الوخم(36)

   وبكل هذه المناقشات استطاع الشاعر أن يجمع بين الوجدانية الصادقة المتدفقة، والعقلانية التى تعكس قوة الحجة، وسطوع البراهين بعيدا عن التكلف والتعسف والافتعال.

  بصمات قرآنية

  وكان من الطبعى لشاعر ينضوى تحت لواء دعوة الإخوان، ويكون شاعرها المجلّى أن يتأثر بالأسلوب القرآنى، ففى تضاعيف قصائده نلتقى أبياتا تظهر عليها البصمات القرآنية على مستوى البيت الواحد، ومستوى المشهد المتكامل، ونسوق – فيما يأتى- بعضها على سبيل التمثيل:

لـقـد كـتـبَ اللهُ الجلاء عليهمو
إن تـنصروا الله ينصركم فلا تهنوا
سـبـحـان مـن أسرى به إسراء
سـبـحان من أسرى بأشرف خلقه
والـنجم حين هوى لقد صعد الهدى
مـا  ضـل صاحبكم ولم ينطق لكم
ورفـيـقـه  فـى أفْقه الأعلى أخٌ
جـبـريـل مـأمونُ السماء أمينها
صدق  الفؤادُ فلا تُمار فقد رأى الـْ
فـى  جـنَّـة المأْوى رأى أبرارها
فـإن يرفضوه فالعذاب المدمر(37)
فالفلك تجرى عليها خيرُ رُبان(38)
وسـمـا به فوق السماء سماء(39)
لـيـلا بـكوكبه من الأضواء(40)
كـالـنجم  يسبح فى الوجود مُضاءً
إلا  بـمـا يـوحـى لـه إيـحاءً
ذو  مِــرة ذو قــوة شــمّـاء
لأمـيـن مـكـة بـالـبشائرُ جاء
آيـات كـبـرى تـمـلأ الأرجاءَ
فى النارِ أبصر من طغى وأساء(41)

ومن فضول القول أن نشير إلى أن هناك فى ساحة الإخوان المسلمين من مشاهير الشعراء: أحمد حسن الباقورى، ورشيد أبو مرة وغيرهما كما أن هناك عشرات – إن لم يكن مئات من شعراء فى الشعب والمناطق بعيدا عن العاصمة. وكلهم –المشاهير والمغامير- يجمعهم وحدة الهدف، ونبل الوسيلة، والإيمان القوى الصادق، والحرص على نصرة الإسلام.

مقالات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

img
القائمة البريدية
img